صفحات العالم

مقالات لكتاب عرب تناولت انتخابات الرئاسة في سورية

 

الرئاسيات السورية: إطلاق رصاصة الرحمة على اتفاق جنيف
مركز الجزيرة للدراسات
ملخص
بمجرد أن تلاشى مؤتمر جنيف عن واجهة الاهتمام بعد فشله في تحقيق أية نتائج تؤدي إلى حل سياسي للصراع المسلح الدائر في سوريا منذ ثلاث سنوات، شرع النظام السوري يعد العدة لإجراء انتخابات رئاسية، لينهي بذلك أي أمل بإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية قائمة على تنفيذ البند الأهم في إعلان جنيف الصادر في 30 يونيو/حزيران 2012 والذي شكّل الأرضية لانعقاد جنيف2 في يناير/كانون الثاني 2014، وهو تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات كاملة من النظام والمعارضة للإشراف على إنهاء الصراع وإعداد العدة للانتقال إلى وضع سياسي جديد.
أمام هذا الواقع، وفي ظل حالة العجز التي يبديها المجتمع الدولي وانشغاله بقضايا أخرى فإن فرص الحل السياسي سوف تتراجع على الأرجح خلال الفترة التي تعقب الانتخابات مباشرة، ويرجح أن يستمر طرفا الصراع -أي: النظام وحلفاءه والمعارضة والدول الداعمة لها- بالعمل على تعزيز الموقع العسكري والتفاوضي قبل انطلاق أية عملية سياسية محتملة مع استمرار حصول اتصالات “المسار الثاني” في شكل غير معلن بين إيران ودول غربية حول الأزمة السورية.
مقدمة
بمجرد أن تلاشى مؤتمر جنيف عن واجهة الاهتمام بعد فشله في تحقيق أية نتائج تؤدي إلى حل سياسي للصراع المسلح الدائر في سوريا منذ ثلاث سنوات، شرع النظام السوري يعد العدة لإجراء انتخابات رئاسية، لينهي بذلك أي أمل بإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية قائمة على تنفيذ البند الأهم في إعلان جنيف الصادر في 30 يونيو/حزيران 2012 والذي شكّل الأرضية لانعقاد جنيف2 في يناير/كانون الثاني 2014، وهو تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات كاملة من النظام والمعارضة للإشراف على إنهاء الصراع وإعداد العدة للانتقال إلى وضع سياسي جديد. وقد سلك النظام هذه الطريق متشجعًا بإنجازات عسكرية كان يحققها على الأرض، فيما المعارضة منشغلة في قتال تنظيم الدولة الإسلامية في غير مكان من سوريا، أو بالخلافات بين فصائلها المختلفة. كما استغل النظام تراجع الاهتمام بالأزمة السوريّة بسبب الأزمة الأوكرانية، وانصراف التركيز الأميركي إلى مفاوضات الملف النووي الإيراني، للمضي قدمًا في موضوع الانتخابات الرئاسية وفرض نتائجها كأمر واقع على الجميع.
تصميم الانتخابات
تمثلت سياسة النظام منذ بداية الأزمة في تبني نهج أحادي يجري السير فيه يراوغ أية متغيرات سياسية أو ميدانية، محلية أو خارجية، فيما يتم في الوقت نفسه إعطاء الانطباع بمسايرة أو التجاوب مع المبادرات الدولية والإقليمية الرامية إلى تسوية الأزمة، بحسب استحقاقات كل مرحلة. هذا ما حصل مع مبادرة الجامعة العربية وبعثة المراقبين العرب التي جرى الاتفاق على إرسالها لمراقبة الوضع الأمني أواخر العام 2011، ثم مع مهمة كوفي عنان وبعثة المراقبين الدوليين في النصف الأول من العام التالي، ثم مع استحقاق جنيف2 أواخر العام الفائت 2013 ومطلع العام الحالي 2014. ففي كل مرة كان النظام يوافق على المبادرات الخارجية كسبًا للوقت، على أمل أن تأتي القوة المسلحة بنتائج حاسمة على الأرض، أو على أمل أن تتغير المعطيات الإقليمية والدولية لمصلحته.
وعليه، وبمجرد انتهاء الجولة الثانية من مفاوضات مؤتمر جنيف2 في العاشر من فبراير/شباط 2014، بدأت تسريبات إلى وسائل الإعلام عن نية الرئيس الأسد الترشح للانتخابات، لتشكّل بالونات اختبار على ردود الفعل الدولية بخصوص استمرار الأسد في صدارة المشهد السياسي السوري. وفي غياب ردود فعل قوية رافضة، أعلن رئيس مجلس الشعب السوري جهاد اللحام يوم 21 إبريل/نيسان 2014 فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية التي قال إنها تجري في الثالث من يونيو/حزيران. وخلال الأيام العشرة التي حددها الإعلان لتلقي طلبات المرشحين تقدم 24 مرشحًا بطلباتهم، لكن الأمر انتهى بموافقة المحكمة الدستورية العليا على طلبات ثلاثة منهم، وهم الرئيس بشار الأسد وحسان عبد الله النوري وهو وزير سابق، وماهر حجار وهو عضو في البرلمان السوري. ويمكن في العموم القول: إن النظام أجرى ترتيبات دقيقة لأول انتخابات تعددية تجري في سوريا.
فدستور العام 1973، الذي وضعه الرئيس السابق حافظ الأسد بعد مجيئه إلى السلطة قبل ذلك بثلاث سنوات، ألغى الحاجة إلى إجراء انتخابات تعددية فيما يتعلق بموقع الرئاسة بعد أن نص في مادته الثامنة على احتكار البعث للسلطة من خلال تكريسه حزبًا قائدًا للدولة والمجتمع. وعليه، تقوم القيادة القُطرية للبعث باختيار مرشحها للرئاسة، ثم تحيله إلى البرلمان للمصادقة عليه قبل أن يجري الاستفتاء عليه شعبيًا. ولم يفز المرشح الوحيد خلال الثلاثين عامًا التالية وهو الرئيس حافظ الأسد في أي مرة بأقل من 99 بالمائة من الصوت الشعبي. وفي عام 2012، وبضغط الثورة، جرى إقرار دستور جديد ألغى المادة 8 وسمح بانتخابات تعددية في البلاد.
لكن هذه الانتخابات كانت أقرب ما تكون إلى الصورية؛ إذ جرى استبعاد مرشحي المعارضة في الداخل والخارج؛ حيث نصّ قانون الانتخابات الذي أُقرّ العام 2012 كجزء من حزمة “إصلاحات رئاسية” على أن يكون المرشح الرئاسي قد أقام في سوريا خلال الأعوام العشرة الماضية وأن يحظى بدعم 35 نائبًا على الأقل من النواب الذين يضمهم مجلس الشعب، وعددهم 250 نائبًا؛ ما يجعل من الصعب بل من شبه المستحيل على معارضي الخارج والداخل خوض الانتخابات. وزيادة في التأكيد على حصول النتيجة المتوخاة من إجراء الانتخابات، منع القانون على كل من خرج من سوريا دون جواز سفر وبدون تأشيرة خروج رسمية عبر معبر يسيطر عليه النظام من المشاركة في الانتخابات؛ ما حرم نحو ثلاثة ملايين لاجيء سوري في الخارج من التصويت، في حين جرى السماح لـ200 ألف سوري فقط بالإدلاء بأصواتهم. وعليه قام النظام بكل الترتيبات اللازمة للحصول على النتيجة التي يريدها ومنع المفاجآت، بدءًا باختيار المرشحين المنافسين للرئيس الأسد وصولاً إلى تقرير من يحق له المشاركة في الاقتراع، وانتهاء باللجنة التي تشرف على العملية الانتخابية من ألفها إلى يائها؛ حيث أصدر الرئيس بشار الأسد مرسومًا عيّن بموجبه أعضاء “اللجنة القضائية العليا للانتخابات” التي ستتولى إدارة عملية انتخاب رئيس الجمهورية.
التمهيد لولاية جديدة ميدانيًا
بالتزامن، وتمهيدًا لإجراء الانتخابات الرئاسية أسرع النظام الخطا لتغيير الوقائع على الأرض، ليعود ويفرض نفسه على المشهدين الدولي والإقليمي، فتمكن في منتصف مارس/آذار 2014 بمساعدة حزب الله من السيطرة على يبرود ثم عموم مناطق القلمون ليغلق بذلك نهائيًا الحدود الغربية مع لبنان والتي كانت تشكّل خط إمداد مهم للمعارضة في مناطق شمال دمشق وغربها، وليؤمّن كذلك الطريق الدولي بين دمشق وحمص. كما وافق النظام بوساطة روسية-إيرانية على إجلاء مقاتلي المعارضة من حمص وليستعيد بذلك السيطرة على كامل المدينة القديمة، وذلك في إطار اتفاق يشمل أيضًا إطلاق أسرى من الجانبين. وفي وقت سابق كان النظام نجح (20 مارس/آذار 2013) في السيطرة على بلدة قلعة الحصن القريبة من الطريق الدولية حمص-طرطوس، لينهيَ بذلك وجود كتائب المعارضة وفاعليتها في كلّ من الريف الغربي والجنوبي للمدينة.
كما تبنى النظام أسلوب الهدن والمصالحات، فراح يعمل على تهدئة المناطق الثائرة خاصة في محيط مدينة دمشق، بحيث يجري حصر الأعمال القتالية في المناطق النائية والبعيدة بما يسهّل عليه إجراء الانتخابات وإعطاء الانطباع بأن الأزمة في طريقها إلى الحل بالقوة حينًا وبالتسويات أحيانًا، وبما يوحي بأن هذه المناطق الخارجة عن سلطته قد عادت إلى حضن النظام؛ فجرى التوصل إلى تهدئات في بعض أحياء جنوب العاصمة في شهر فبراير/شباط الماضي، سمح النظام خلالها بإدخال مواد غذائية إلى الأحياء المحاصرة مقابل تسليم السلاح الثقيل ورفع علم النظام على المباني الحكومية. كما سبقت هذه “الهدنة” أو “المصالحة” عقد اتفاقات مشابهة في أحياء حمص القديمة في يناير/ كانون الثاني 2014، وأيضًا في مدينة المعضمية في غوطة دمشق الغربية، في ديسمبر/ كانون الأول، تضمنت وقف إطلاق النار بين الجانبين مقابل السماح بإجلاء المدنيين وإدخال المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تحاصرها قوات النظام. وقد امتدت التسويات لتشمل عمليات لتبادل الأسرى والمخطوفين في مناطق مختلفة في إطار ما أطلق عليه النظام اسم خطة المصالحة الوطنية.
بالتوازي بدأت عملية تسيير المسيرات المؤيدة لإجراء الانتخابات الرئاسية وترشيح بشار الأسد لولاية جديدة، كما بدأ الترويج لعودة معارضين من الخارج والدعوة إلى مؤتمر حوار وطني واعتماد حل يجري التوافق عليه داخل سوريا. في الأثناء بدأ الترويج لفكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد الانتخابات الرئاسية، تعد لإجراء انتخابات محلية برقابة دولية انطلاقًا من الاتفاقات المحلية لوقف إطلاق النار في ريف دمشق وحمص وسط البلاد، ثم انتخابات برلمانية وصولاً إلى تعديل الدستور وتغيير في صلاحيات الرئيس لصالح رئيس الوزراء.
انقسام دولي
جاءت ردود الفعل الدولية على إعلان دمشق إجراء الانتخابات الرئاسية متطابقة مع الانقسام الحاصل حول الأزمة منذ بدايتها؛ ففي حين أعلن حلفاء النظام -إيران وروسيا التي ساءت علاقاتها مع الغرب على خلفية الأزمة الأوكرانية- عن دعمهم إجراء الانتخابات الرئاسية، ندد خصوم النظام الإقليميون والدوليون بالخطوة واعتبروها مهزلة في ظل استمرار أعمال العنف في مختلف أنحاء البلاد. مع ذلك فقد جاءت ردود الفعل المعارضة لإجراء الانتخابات ضعيفة أول الأمر، إلا أن الإصرار على المضي فيها جعل هذه الردود تكبر مثل كرة الثلج؛ فتقدم المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي باستقالته إلى الامين العام للأمم المتحدة، بعد أن اعتبر أن إجراء انتخابات رئاسية في سوريا ينسف جهود التسوية الرامية لوضع حد لثلاث سنوات من النزاع. كما اتهم دمشق باللجوء إلى “مناورات تسويفية” لتعطيل الحل.
الدول الأوروبية من جهتها اختارت الرد على قرار دمشق إجراء انتخابات رئاسية بمنع إجراء تصويت للسوريين المقيمين على أراضيها، وقد حذت بعض الدول العربية حذوها في منع إجراء الانتخابات السورية على أراضيها؛ وقد استهلت المنع دولة الإمارات العربية المتحدة، في حين ذهب الأردن إلى حد طرد السفير السوري لديه مع التوجه إلى فتح ممثلية للائتلاف المعارض على أراضيه.
كما قامت فرنسا مدعومة أوروبيًا بالتقدم بقرار إلى مجلس الأمن لإحالة ملف سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، ردت عليه روسيا بمشروع قرار لدعم المصالحات والتسوية السياسية في سوريا اعتمادًا على ما اعتبرته “الخبرة الإيجابية للمصالحة في حمص”؛ وذلك قبل أن تعود بالتنسيق مع الصين وتستخدم حق النقض “الفيتو” للمرة الرابعة في مجلس الأمن لحماية النظام السوري من أية إجراءات عقابية سياسية أو قانونية تترتب على مشروع القرار الفرنسي. هذا في حين اعتبر سفير موسكو في الأمم المتحدة فيتالي تشوركين أن “بيان جنيف لا يحظر إجراء الانتخابات الرئاسية في سوريا”.
لكن رد الفعل الأبرز جاء من واشنطن التي اعتبرت الانتخابات “مهزلة”، وجاء ردها على مستويين:
الأول: دبلوماسي؛ حيث قامت بطرد البعثة الدبلوماسية السورية، ورفعت مستوى تمثيل الائتلاف إلى بعثة خارجية، كما جرى تنظيم زيارة لقيادة الائتلاف كانت الأولى إلى واشنطن وترتيب لقاء مع الرئيس باراك أوباما في البيت الأبيض.
من جهة ثانية، زادت واشنطن من مساعدتها للمعارضة بما فيها تقديم مساعدات عسكرية مثل صواريخ تاو التي جرى استخدامها بفعالية في شمال سوريا ضد دبابات النظام ومدرعاته، كما أقر الرئيس الأميركي باراك أوباما “برنامج لتدريب وتجهيز” مقاتلي المعارضة المعتدلين ضد نظام الرئيس بشار الأسد، في الوقت الذي كانت تجري فيه مناورات “الأسد المتأهب” متعددة الجنسية في الأردن، بمشاركة ما يزيد على 12 ألف عسكري يمثلون 22 دولة.
أما إيران التي بدأت تقدم نفسها راعيًا لمصالحة سورية داخلية، تجري بمساعدة دولية، فقد قامت بتسهيل اتفاق خروج مقاتلي المعارضة من حمص وطرحت خطة لحل الأزمة بعد الانتخابات الرئاسية التي أعربت عن دعمها الكامل لها، كما أرسلت مندوبين للإشراف عليها.
شرعية ملتبسة
رغم كل الاعتراضات الإقليمية والدولية وعدم إمكانية مشاركة نصف السوريين بسبب ظروف اللجوء والتهجير، ورغم تعذر إجراء الاقتراع إلا على مساحة تبلغ نحو 40 في المئة من الأراضي السورية؛ فإن النظام ظل مع ذلك مصممًا على إجراء الانتخابات الرئاسية لفرض واقع سياسي جديد، يلغي كل فكرة الحل القائم على إنشاء هيئة انتقالية تستبعد الأسد. وفي سعيه للحصول على ما يستطيع أن يزعم أنه تفويض شعبي للاستمرار في سياساته وحفظ بقائه وأعتراف المحافل الدولية به، يتجاهل النظام حقيقة تحول السوريين إلى أكبر تجمع لاجئين في العالم، في الوقت الذي تعرض فيه نحو 3 بالمائة منهم إلى القتل أو التشوه أو الإصابة.
أمام هذا الواقع، وفي ظل حالة العجز التي يبديها المجتمع الدولي وانشغاله بقضايا أخرى فإن فرص الحل السياسي سوف تتراجع على الأرجح خلال الفترة التي تعقب الانتخابات مباشرة، قبل أن تعود لتصبح محل اهتمام أكبر مع ارتباطها بنتائج المفاوضات حول الملف النووي الإيراني. وعليه، يرجح أن يستمر طرفا الصراع -أي: النظام وحلفاءه والمعارضة والدول الداعمة لها- بالعمل على تعزيز الموقع العسكري والتفاوضي قبل انطلاق أية عملية سياسية محتملة مع استمرار حصول اتصالات “المسار الثاني” في شكل غير معلن بين إيران ودول غربية حول الأزمة السورية.
وحتى يتم التوصل إلى تفاهم إقليمي ودولي، سوف يستمر السوريون في دفع فاتورة صراع مسلح فرضه عليهم النظام القائم لحرمانهم من حق اختيار من يحكمهم بكل حرية.
الأسد في يوم النصر/ الياس حرفوش
سوف يزهو بشار الأسد اليوم بانتصاره وبتجديد البيعة له لسبع سنوات جديدة على رأس سورية. قبل عام فقط لم يكن لا الأسد ولا أشد الموالين له في المنطقة، يتوقعون في افضل أحلامهم أن يستطيع البقاء في السلطة حتى اليوم.
لكن الأسد هزم أسوأ التوقعات وبقي. ويعود الفضل في بقائه لكثيرين، في مقدمهم إيران و «حرسها الثوري» و «حزب الله» ولواء أبو الفضل العباس العراقي. كلهم ساهموا بشكل حاسم في معارك البقاء التي سمحت لنظام الأسد باستعادة حمص ومنطقة القلمون، وبالسيطرة على الطريق الممتد من دمشق إلى حمص شمالاً، وصولاً إلى اللاذقية والساحل السوري الذي لا يتردد الأسد وجماعته في الاعتراف بأنه سيكون معقلهم الأخير إذا تمكنت المعارضة من التقدم نحو العاصمة، وهو أمر بات مستبعداً بعد التقدم العسكري الأخير لقوات الأسد وحلفائه.
إلا أن النصر الحقيقي الذي يحققه الأسد، هو انتصاره على شعبه أولاً، وعلى بلده ثانياً، ثم على الرئيس الأميركي باراك اوباما وسائر القادة الغربيين الذين توقعوا هزيمته وإبعاده عن الحكم بعد شهور قليلة من اندلاع الثورة السورية.
انتصر الأسد على الشعب السوري، الذي خرج يطالب بالتغيير، في عفوية شعبية عارمة فاجأت العرب ومعظم شعوب العالم. أسقط الأسد هذا الحلم السوري، وحوّله إلى كابوس بات يخيف حتى السوريين الذين كانوا من أشد معارضي الأسد مع بدايات الثورة. فعل الأسد ذلك بتحويل هذه الثورة إلى حرب أهلية، وبتحويل سورية إلى ساحة لنشاط التنظيمات الإرهابية التي أصبحت تشكل مصدر قلق إقليمي ودولي على نطاق واسع. نجح الأسد في خطة الحرب الأهلية بإعطائها طابع الحرب العلوية السنّية، من خلال الإيحاء بأن نظامه هو حامي الأقليات في المنطقة، وفي المقدمة الأقلية العلوية في سورية. ونجح الأسد أيضاً في تحويل نظريته التي أطلقها مع بدايات الثورة إلى أمر واقع. قال الأسد منذ البداية إنه لا يواجه معارضين في سورية بل إرهابيين، وكان أمامه لإثبات ذلك أن يستدعي الإرهابيين إلى الساحة السورية، بإطلاقهم من سجونه أولاً، ثم بإعادة استيرادهم من الخارج وتسهيل حصولهم على السلاح والمال، بعد أن كان قد استخدمهم في وقت سابق في الساحة العراقية لتنفيذ عمليات إرهابية هناك سقط فيها العديد من العراقيين، ودفعت نوري المالكي نفسه إلى اتهام الأسد آنذاك بالمسؤولية عن أعمال الإرهاب في العراق.
انتصر الأسد كذلك على سورية، وأثبت أن شعاره وشعار والده من قبله «سورية الأسد» هو الشعار الوحيد القابل للتنفيذ، أما إذا اصبح ذلك غير ممكن، فإن الخيار الوحيد الآخر هو تدمير سورية فوق رؤوس أهلها. هذا الشعار رافقه اليوم شعار آخر أكثر وقاحة هو «الأسد أو لا أحد». وقد دفعت سورية ثمناً باهظاً في مواجهة عائلة الأسد، ففضلاً عن مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمهجرين والنازحين، هناك الدمار الهائل الذي أصاب المدن والمناطق السورية، والتي لم يعد سهلاً التعرف على معالمها مقارنة بما كانت عليه قبل أن يخرج السوريون للمطالبة بحقهم في الحرية. وبالإضافة إلى الانهيار الذي يعاني منه الاقتصاد السوري، تشير التقديرات إلى أن كلفة إعادة الإعمار بعد الدمار الذي حل بمناطق سورية وبمدنها سوف تتجاوز 250 بليون دولار. إنه الثمن الذي ستدفعه سورية مقابل انتفاضتها على حكم الأسد وحاشيته.
أما الانتصار الأكبر الذي لا بد أن بشار الأسد وحلفاءه يفاخرون به، فهو ما يسمونه انتصار «محور الممانعة» على المشروع الأميركي، وهذا انتصار بالغ الكلفة على المنطقة كلها، من سورية إلى العراق، وصولاً إلى لبنان واليمن والبحرين ومناطق أخرى في الخليج، والفضل في هذا الانتصار يعود للرئيس باراك اوباما، الذي لم يكن نظام الأسد ومحور الممانعة يحلمان برئيس أفضل منه، فبفضل التلكؤ الذي أظهره اوباما وسائر الحكومات الغربية حيال دعم المعارضة، بحجة عدم التورط في الحرب السورية، نجح الأسد في تحقيق الانتصار تلو الآخر على فصائل المعارضة، كما نجح في اختراقها، حتى أصبحت فصائل متناحرة تتقاتل في ما بينها أكثر مما تقاتل النظام.
بشار الأسد يفوز بولاية ثالثة فوق أشلاء السوريين ودمار مدنهم وخراب بلدهم؟ ماذا يهمّ؟ ومتى كان ذلك مصدر قلق للرئيس السوري منذ بدأت الانتفاضة الشعبية في وجهه قبل أكثر من ثلاث سنوات؟
الحياة

 

الأسد لا يمزح/ معن البياري
رحم الله عبد السلام النابلسي وإسماعيل ياسين وماري منيب وياسين بقوش. كانوا باهرين في التمثيل الهزلي. يُساء إليهم كثيراً منذ أيام، وبإفراطٍ مدان، في غضون الكلام الغزير، والراهن والمتواصل، عن الانتخابات الرئاسية السورية بالزعم أنها مسرحية هزلية، فيما هي فعل جاد تماماً، إذ يؤكد فيها بشار الأسد حقيقةً أهم من حكاية التصويت والاقتراع، وما إلى ذلك من لوازم الانتخابات، موجزها أن في وسعه أن يفعل ما يشاء، ومتى شاء، فلا أحد يجوز أن يمنعه، إن أراد قتل من أراد قتلهم، بالسارين طورا وبالبراميل المتفجرة طورا وبالرصاص طورا، وإن أراد أن يؤتى بسوريين، في طوابير في بيروت أو دمشق، مثلا، لتصورهم كاميراتٌ صديقة، وهم يمحضونه حباً، ويولّونه رئيساً مرة جديدة، ولا مدعاة لفحص ما إذا كان هذا الحب نفاقاً أو عارضاً أو طبعا أصيلاً. لا مطرح لوجع الرأس بهذه التفاصيل، فما يهم هو مراد الرئيس، أي حدوث هذا الطقس، كما لو أن شيئا لا يحدث.
عجيبٌ تمييز واقعة اليوم عن سابقاتها من مواسم التصويت والمبايعات الدورية لحافظ الأسد ونجله، والتي لم تتوقف منذ أزيد من أربعين عاماً، بأنها مسرحية هزلية، لا لشيء إلا لأن خراباً عظيماً صار في سورية، وأن نحو مليون من أهلها قضوا وأصيبوا واعتقلوا، وأضعافهم هربوا نازحين ومشردين ومهجرين ولاجئين. لم نقع في أداء عبد السلام النابلسي على مثل هذه الجوائح شروطاً للهزل، ولا بان في أفلام إسماعيل ياسين لزوم شيء من هذا التمويت والتدمير ليصير الهزل هزلاً. كان الراحلان الكبيران، وأترابهما، يبعثون البهجة والإمتاع، بظرفهم وسجيتهم، فيما الذي تفعله الصواريخ والقذائف والبراميل على بيوت السوريين ومخابزهم وكنائسهم ومدارسهم ومساجدهم يستنفر الأسى والحزن، وهذان شعوران جادان، لا يليق أن نبخسهما، وإن تخللت القتل والتهديم النشطيْن نوبة انتخابات من الصنيع الذي يفضّله بشار الأسد.
في البال أن نبيل العربي (هل يتذكره أحد؟)، إبّان رصاص ماهر الأسد على المتظاهرين السوريين في حماة ودرعا وإدلب، في الصيف الأول لثورتهم، طرح مبادرةً لحل ما استعجل في حينه تسميتها أَزمة، لسنا على مقادير كافية من الحماقة لنتذكّر بنودها، لكن الظريف فيها، ولا ننساه، أنها تضمنت عدم ترشح بشار الأسد في انتخابات الرئاسة في العام 2014. يومها، لم يوفّره كاتب هذه السطور، وزملاء له عديدون في الجرائد العربية، من الانتقاد والتجرؤ عليه، رميناه باتهاماتٍ ثقيلة، من قبيل استخفافه بعقولنا. أما وقد حصحص الحق، الآن، فقد كان أمين عام جامعة الدول العربية كمن يؤدي دوراً هزلياً في فيلمٍ أو مسرحية، فيما فخامة الرئيس الأسد حافظَ على رباطة الجأش المعهودة فيه، ولم يكترث لمزحة نبيل العربي وتخريفه، لأنه رجل جاد، يعرف أنه كما لصناديق الرصاص وظيفتها، فإن لصناديق الاقتراع وظيفتها.
هي دعوة، هنا، إلى التوقف عن الإساءة إلى ماري منيب وعبد السلام النابلسي وأمين هنيدي وياسين بقوش وفهد كعيكاتي وإسماعيل ياسين، وغيرهم، ممن أرسوا للهزل حضوره المكين بين فنون الأداء والتشخيص. هم أهل فرح ومتعة ووداعة، فيما بشار الأسد ليس من جبلتهم، مهنته الفتك بالناس، واعتقال سورية في قيعان الخراب الفسيح. هم صناع للضحك، فيما انتخاباته، (مع الاعتذار عن هذه التسمية) اليوم محزنة جدا، ومدمرة للوجدان. إنه (يخوضها؟) بتصميم، وبقرار جاد، لم يكن يمزح عندما سنّه، ثم مضى في تنفيذه. وطالما أن باراك أوباما وديفيد كاميرون، على الأقل، أجازا له ما يدأب عليه شبيحته وعصاباته وعساكره، فلم لا يبادر إلى تنظيم عرس ديمقراطي، من طراز جديد ومستجد هذه المرة، على رؤوس الأشهاد والأموات.
العربي الجديد

 

رئاسة الأسد بين استطلاعين: الإبهام الى الأسفل/ أمجد ناصر
أظهر استطلاعان، عربيّ وغربيّ، نُشرا بالتزامن مع “الانتخابات” الرئاسية السورية، تقارباً بالنتائج في رفض قطاع واسع من السوريين (اللاجئين تحديداً)، وكذلك شعوب محيطه العربي والتركي، لترشح بشار الأسد للرئاسة في دورة ثالثة مدتها سبع سنوات.
ففي استطلاع لمركز PEW RESEARCH CENTER، أجري في تونس ومصر والأردن وفلسطين ولبنان وتركيا، واطّلع “العربي الجديد” على نتائجه، يظهر أن غالبية كبيرة من المستطلعة آراؤهم لديهم موقف سلبي من بشار الأسد، ويرون أن عليه التنحي عن السلطة بعد كل هذا الدم الذي سال في سورية، والدمار الذي طال بناها التحتية. ويبدو أن الانتخابات السورية، معروفة النتائج مسبقاً، لن تغير شيئاً يُذكر في مواقف غالبية المستطلعة آراؤهم، على ما تظهر نتائج الاستبيان.
ومعروفٌ أن هذه الانتخابات تحصل وسط تمزّقٍ واسع للخريطة الجغرافية والبشرية السورية، وخروج مناطق واسعة من البلاد عن سيطرة النظام، وبالتالي في ظل استحالة إجراء العملية الانتخابية فيها، ما يفقدها أية شرعية يمكن أن يعتد بها “المرشح” بشار الأسد. ويرى استطلاع المركز الاميركي المستقل، أن قلة من زعماء العالم يحظون بسمعة سلبية كالتي تحيط ببشار الأسد، ويبدو أن هذا الرأي حيال الأسد، الذي ارتكبت قواته وقوات حلفائه مجازر اعتبرتها هيئات دولية جرائم ضد الانسانية، قد انعكس صداه في الأرقام التي توصّل إليها باحثو المركز. فقد ظهر أن 78 في المئة من الأردنيين يرفضون إعادة انتخاب بشار الأسد رئيساً، بزيادة 11 في المئة عن استطلاع أجراه المركز نفسه عام 2012. وأبدى 71 في المئة من الاتراك المستطلعين، موقفاً مماثلاً لموقف العينة الأردنية، بزيادة 17 في المئة عن العام 2012. وأعرب ثلثا المصريين، تقريباً، (66 في المئة)، عن رأي مماثل لرأي الاتراك والاردنيين، بزيادة نسبتها 18 في المئة عن العام 2012، ذلك أن تسعة من أصل عشرة مصريين قالوا إن على الاسد أن يرحل، وكذلك نسبة مماثلة من الاردنيين، بينما تبنّى هذا الرأي 65 في المئة من التونسيين، بانخفاض، للمفارقة، من نسبة 88 في المئة التي كان هذا رأيها في عام 2012.
أما في لبنان، فقد انقسمت الآراء على صورة انقسامه الأهلي والطائفي. فهناك نصف اللبنانيين ضد بشار الأسد، فيما هناك ثلاثة من عشرة يتمسكون، بقوة، ببقاء الأسد في السلطة. وعلى الصعيد الطائفي، أظهر استطلاع المركز الاميركي أن 74 في المئة من السنة ضدّه، مقابل 62 في المئة من المسيحيين. أما على الطرف الآخر من المعادلة اللبنانية، فقد أظهر الاستطلاع أن ما نسبته 76 في المئة من الشيعة يؤيدن بشار الأسد بقوة.
اللاجئون السوريون: لا لبشار
وكان “المركز العربي لدراسة السياسات” قد أجرى استطلاعاً بين اللاجئين السوريين في 377 مركزاً من مراكز اللجوء، أظهر نتائج يمكن تعميمها على الواقع السوري الراهن، باعتبار أن النسبة العظمى من اللاجئين ليست مسيَّسة، ولا تنتمي الى أحزاب سياسية سورية معارضة، بل هي شرائح متنوعة من أهل الارياف والمدن دفعتهم حرب النظام إلى مغادرة ديارهم لمناطق لجوء في الاردن ولبنان وتركيا، وبعض المناطق السورية المحاذية للحدود مع تركيا، وهذه هي المناطق التي قام نحو 400 من الباحثين المتعاونين مع المركز بإجراء الاستطلاع فيها.
وقد أظهرت نتائج استطلاع “المركز العربي” أن 78 بالمئة من اللاجئين السوريين يؤيدون تنحّي بشار الأسد، في مقابل 17 في المئة رأوا أنه الأفضل والأقوى لحكم سورية.
وتظهر نتائج الاستطلاع، الأكبر من نوعه حتى الآن، تزايد نسبة السوريين المؤيدين للثورة (على الرغم من انتكاستها وتسلل متشددين وإرهابيين إلى صفوفها، كدولة الاسلام في العراق والشام “داعش” مثلاً) بدل أن تنخفض مع ما يبدو عليه الوضع في سورية من قتامة وانسداد للأفق أمام حلول قريبة.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ألا يعرف بشار الأسد، وهو يجري هذه “الانتخابات”، أن قلة من السوريين ستؤيد بقاءه في السلطة (لاعتبارات عديدة لا مجال لذكرها هنا)؟ الجواب الذي لا يحتاج إلى بحث ولا إلى أرقام: نعم يعرف، لكنّهَ يفعل ذلك كي يؤكد لقطاع من السوريين، خائف أو مرتبط، على نحو عضوي بنظامه، أنه لا يزال رئيساً بالفعل، وأنه حريص على “الاستحقاقات” الدستورية في وجه خصومه الذين يسعون إلى “هدم الدولة”. لكن هل مَنْ يصدّق هذه الرواية من خارج دائرة هذا الجمهور الذي بات يشكل أقلية، بحسب استطلاعات رأي الذين ظلوا على قيد الحياة في سورية؟
العربي الجديد
عار سوري وعار أميركي وفضيحة روسية/ زهير قصيباتي
الفصل الجديد من «تاريخ سورية العزة والكرامة والإباء» يبدأ في غضون ساعات… بمجرد الانتهاء من فرز أصوات الناخبين. لن يباغت السوريين سوى احتمال واحد، حظوظه مئة، تحت الصفر! هو غلبة المرشح ماهر الحجار أو حسان النوري على «تجديد المبايعة» لـ «الرئيس الأبدي» بشار الأسد.
إلى أصوات القصف التي واكبت المبايعين، وزغاريد الموالين الممالئين، ورقص المرعوبين، وبصمات المرتجفين ودعاء المنكوبين بـ «العرس الوطني» كما سمي في دمشق الثكلى بـ 164 ألف قتيل سوري، سيضيف نظام الأسد بصماته، ويَعِد السوريين بمستقبل «مشرق»، بلا براميل متفجرة ولا خراب أو مجازر… ربما لأن كل الدماء التي سالت منذ العام 2011 تكفي لـ «تجديد مبايعة الأسد».
أي ثمن لتلك الدماء؟ «العزة والكرامة» ليستا سخرية في المأساة التي ربما فاقت نكبات فلسطين، بل اعتداد تبديه الرئاسة بـ «رعاياها» الذين اختاروا التضحية بـ 164 ألف سوري لتمديد عهد رئيس!
صحيح أنه العار الذي يدينه الأميركيون، يأنفون من مجرد التعاطي مع الأرقام التي سيذيعها بشار بعد فرز الأصوات… لكنه كذلك العار الأميركي الذي يخجل منه السفير السابق للولايات المتحدة في دمشق، روبرت فورد، الذي بات عاجزاً عن الصمت. يحق للسوريين أن يسمّوه بين أصدقائهم، إذ يضع إصبعه على الجرح الحقيقي الذي أطال المعاناة مع النكبة بنظام يجيد قتل شعبه ثم يقتاد الناجين الى صناديق اقتراع سوداء. شجاعة فورد أن يخاطب إدارة الرئيس باراك أوباما، أن يهاجم ترددها المريع وعجزها عن أي خيار، وعن تصديق ما فعلته بالسوريين، حين جعلت الأولوية أولوية نظامهم، أي ما يسميه «إرهاباً» وما تصنّفه «قاعدة» و «جبهة نصرة» وسواهما.
بين عار النظام السوري وعار الإدارة الأميركية، محك صدقية النظام عند موسكو وطهران. الأولى سخّرت إعلامها ليتابع مهمة مراقبي الانتخابات الروس في سورية، والثانية أوفدت رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني ليتفقد صناديق الاقتراع… ومَنْ يدري ربما تكون من صناعة «الحرس الثوري» لئلا يجرؤ النظام البعثي على التلاعب بالديموقراطية. وحين يتحدث التلفزيون الروسي عن «انتخابات اختبار الديموقراطية» ونزاهة الاقتراع في سورية و «التصويت على المستقبل»، يمكن المواطن في درعا ودمشق والسويداء وحلب وحمص وبين أطلالها، أن يتكهّن بالمصير بعد كل الخراب الذي سبق الاقتراع.
ولمن ظنوا أن الحزب الشيوعي الروسي أفلس منذ زمن بعيد، ها هو يلتقط بفطنته ذاك «المستوى العالي» من التنظيم في الانتخابات الرئاسية السورية. وحدها قناة «دوجد» الروسية تجرّأت على الكرملين حليف النظام وراعيه الأول، في الجزم بعبثية «إعادة اختيار الجلاّد».
ولا تكتمل المهزلة إلا بتتبّع مناورات الكرملين الذي لم تشغله أحداث أوكرانيا، ولا ابتلاعه شبه جزيرة القرم، عن إدارة ملف تعويم النظام السوري، وافتعال فكرة تشكيل حكومة ائتلافية بعد فوز الأسد… الكاسح كالعادة.
حكومة ائتلافية مع مَنْ؟ في الانتخابات «التعددية» نظرياً كل مَنْ في الخارج لا يشارك، فأي حوار «تعددي» بعد الفوز «المفاجئ» للرئيس؟ ومَنْ يريد حواراً هل يدلّل على نياته باستغلال الرعاية الروسية- الإيرانية والعجز الغربي امام المأساة، ليكثّف القصف الجوي، لأن البناء في سورية الجديدة ما بعد «المبايعة» لا يستقيم إلا على أرض محروقة؟!
غاب فاروق الشرع عن مراكز الاقتراع، حضر بروجردي والمراقبون الروس… الخيار بين بشار وبشار، قال وزير الخارجية الفرنسي رولان فابيوس الذي كسواه من وزراء أوروبا يجد ذريعة للتّفرج فيما العجز الأميركي على حاله، فكيف بعد هزات المسرح الأوكراني وشبح «العائدين من سورية»؟
والسؤال هو إن كانت زيارة وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل روسيا أمس للقاء الرئيس فلاديمير بوتين في سوتشي، محاولة سعودية أخيرة لإقناع الكرملين بتبديل موقفه من الحرب السورية، لا سيما ان افتعال تجديد الشرعية لنظام الأسد ينعى «جنيف1». والتباعد الروسي- الأميركي في سورية بمقدار ما يمدد الأزمة، قد يفتح لموسكو هامش التفرد باجتراح صيغة لوقف الحرب… لا تُفقِدها أوراق نفوذ في المنطقة.
ولكن، هل يقبل الباقي في القصر، بفضل «عرس وطني» على الخراب؟
فلننتظر فرز الأصوات أولاً، بشهادة نقية من الروسي والإيراني.
الحياة
التمديد للأسد يدفن التسوية/ حسان حيدر
التمديد لبشار الأسد في «الانتخابات» الجزئية التي جرت على أقل من نصف مساحة سورية، يعني أمرين: الأول اسقاط الحل السياسي الى أمد غير منظور ودفن جنيف الأول والثاني، والآخر امتداد القتال لفترة طويلة من دون قدرة اي طرف داخلي على الحسم بانتظار توافر عوامل خارجية فاعلة لم تلحْ تباشيرها بعد.
وعلى رغم تصريحات وزير الخارجية السوري وليد المعلم الذي اعتبر زوراً ان الاقتراع «المتعدد» الذي نظمه الحكم يشكل بداية للحل السياسي، وسط تسريبات روسية عن امكان قيام حكومة مشتركة مع «معارضة الداخل»، فإن المؤشرات تفيد بأن هذا الحل بات أبعد من اي وقت مضى، ذلك ان العوائق التي حالت دون نجاح مؤتمر جنيف ازدادت مع التمديد للأسد سبع سنوات، لأنه يعني رفضاً نهائياً لمبدأ انتقال السلطة الذي تدعو اليه المعارضة بمساندة المجتمع الدولي كأساس لأي حل، ولأنه يعني التمسك بطبيعة النظام العائلية وتركيبته المشخصنة اللتين استنفدتا قدرته على التكيف والتطور وحتمتا اصطدامه بأي رغبة في التغيير ولو الجزئي، ودفعتاه الى استخدام العنف وسيلة وحيدة للتعاطي مع المطالب السياسية المشروعة.
وكانت استقالة الموفد العربي والدولي الأخضر الإبراهيمي أوضح احتجاج مسبق على هذه الانتخابات المصطنعة التي اعتبر انها تنسف محادثات الحل وتلغي دور اي وسيط.
لكن اذا كانت الديبلوماسية والعقوبات فشلت في اقناع النظام وداعميه باعتماد مقاربة مرنة لإيجاد تسوية سياسية، وفي اقناعهم بأنه لا مناص من التغيير الذي وحده يوقف النزف المستمر ويستعيد سورية من مسار الانهيار، فما هي التوقعات بعد تمسك الأسد بالحكم؟
المعادلة القائمة حالياً هي توازن في القوى يتفاوت بين منطقة وأخرى، فتارة يسجل النظام تقدماً على الأرض بمساندة حلفائه الميدانيين من شيعة لبنان والعراق، وطوراً تتقدم قوات المعارضة وتستولي بعد عمليات جريئة على بعض مواقع الجيش النظامي، لكن معارك الكر والفر هذه لا تمنح اياً من الطرفين غلبة حاسمة يستطيع أن يجيّرها في فرض حل يناسبه، ولهذا ينتظر كل منهما ان تطرأ عوامل خارجية تساعده في قلب الموازين لمصلحته. غير ان ذلك يبدو مستبعداً حالياً لأن الدولة الوحيدة القادرة على احداث فارق ميداني، اي الولايات المتحدة، لا تزال تتمنع متذرعة بأسباب شتى، وتشجع حلفاءها الأوروبيين على عدم التورط في المستنقع السوري.
فبعدما انتقلت استراتيجية واشنطن من الانخراط الكامل في العالم مثلما حصل في غزو افغانستان والعراق، الى الحياد شبه الكامل كما يحصل في الموقف من سورية وأوكرانيا حالياً، بات من الصعب توقع اقدامها على اي انعطاف مفاجئ. ولهذا فإن الاحتمال الوحيد هو ان تستمر الحرب السورية على منوالها، وأن يستمر الأميركيون في ابتكار الذرائع التي تبرر بقاءهم متفرجين مكتوفي الأيدي، على رغم «الجرعات» السياسية التي لا يبخلون بها على المعارضة، وهي سياسة باتت تثير حفيظة حتى المعتدلين الأميركيين وليس معارضي أوباما فحسب، كما عكست ذلك تصريحات السفير السابق في دمشق روبرت فورد.
وكدليل على ان الأميركيين أنفسهم يتوقعون ان تطول الحرب الى أمد غير منظور، تناول وزير الخارجية الأميركي جون كيري خلال زيارته بيروت امس مشكلة اللاجئين السوريين الى لبنان واحتمال تفاقمها في المستقبل القريب. لكن المعالجات التي تقترحها إدارته لا تتعامل سوى مع النتائج المتوقعة لاحتدام النزاع من دون ان تصل الى مسبباته.
اما المعارضة السورية فليس بوسعها سوى الصمود إلى أن يحين يوم يعلن فيه ممولو الأسد وحماته الخارجيون انه لم يعد بمقدورهم دفع كل هذا الثمن الباهظ لبقائه في السلطة.
الحياة
انتخابات الأسد وشرعيّة الافتراس/ رأي القدس
لا توجد فكاهة دموية كافية ولا سخرية سوداء تعبّر عن فظاعة ما يسميه النظام الحاكم في دمشق «انتخابات رئاسية».
لا يوجد أيضا ما يكفي من العار ليغطّي ما يرتكبه نظام عسكري أمني لا وطنيّ يسوق نصف شعبه الى مبايعة زعيمه لمنصب رئيس في الوقت الذي يقصف من لا يقع تحت طائلة «الانتخاب»، او لم يتمكن من الهرب والنزوح، من شعبه، بالبراميل المتفجرة والصواريخ والغازات السامّة وأنواع الأسلحة المحرّمة والحصار والتجويع، ويطارد من نزحوا بالتهديد والوعيد لينتخبوه وإلا طاردهم في كوابيسهم وأحلام أطفالهم.
يتابع بشار الأسد ميراث نظام قام على انقلابات عسكرية متتالية استطاع خلالها الأب المؤسس حافظ الأسد أن يطرد أو يغتال أساتذته (أمثال ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وأكرم حوراني ومنيف الرزاز) وأن يصفّي أو يسجن أو ينفي زملاءه حتى يموتوا (محمد عمران وصلاح جديد وأمين الحافظ ونور الدين الأتاسي)، وشيّد حكمه على أسس التغلّب والعصبية والقهر الوحشيّ فاستطاع البقاء على رأس السلطة ولكنه لم يتمكن أبداً من اكتساب شرعيّة.
كانت استفتاءات حافظ الأسد ذات النسبة شبه المئوية هي طريقته للتعبير عن طبيعة حكمه القائمة على فرض وجوده بالقوة واعتبار البيعة له قسراً وقهراً لإرادة الشعب لا استشارة له، فالعبيد لا يستشارون في من يكون سيدهم، وكان بذلك واضحاً وصريحاً: لا يهمّني رأيكم فسأفرضه بقوة الطائرة والدبابة والمدفع.
لا يختلف الأمر مع «انتخابات» بشار الأسد وهو شخص كانت مؤهلاته أنه ابن حافظ الأسد الذي احتاجت له العصبة الوارثة المتحكمة فاستدعته على عجل بعد وفاة أبيه، وبسبب صغر سنّه تم تعديل دستور سوريا بدقائق معدودة وجرت مراسم «قصّه» العلنية على مقاسه، وبعدها تتالت انجازاته التي تفوّق فيها، بمراحل، على أبيه: اتهامه بجرائم سياسية كبرى في العراق ولبنان، وتحويله اقتصاد البلد لمزرعة لأقاربه وأتباعه، وإدارته حربا شاملة ضد شعبه الذي حلم بالتغيير، وارتهانه في سبيل ذلك، سيادة بلاده للخارج، واستدعاؤه مرتزقة من فجاج الأرض الواسعة ليقاتلوا مواطنيه الذين يزعم تمثيلهم، وإطلاقه عنفات حرب غرائز طائفية بشعة لا يمكن أن تنتهي إلا بتدمير البلد بأكمله.
تفوّق بشار الأسد بفراسخ على أبيه الذي كان عنوانا كبيراً للظلم والطغيان، وما كان السوريون ليتخيّلوا، في أسوأ كوابيسهم، أن يصلوا إلى ما أوصلهم إياه الرئيس السوري الحالي (والمقبل بعد إعلان فوزه قريبا) فما يجري حالياً لا يمكن تفسيره بنظريات وتحليلات السياسة وحدها.
ما حصل في سوريا يدلّ على نجاح عشرات السنين من حكم النظام في تكريس أسس ثقافية عامّة للاستبداد استخدمت في معادلتها صراعات التاريخ القديمة والطوائف والمذاهب وانضافت إليها عناصر الأيديولوجيات الحديثة لتحوّلها الى كونكريت قاس غير قابل للتحوّل والتغيير والتطوير.
ثابت النظام السوري إذن هو الاستهانة بأي شرعيّة غير شرعية القتل، وعجز المستبد عن التغيّر، كما يعجز الوحش الكاسر عن الامتناع عن افتراس الضحايا، أما متحوّله فهو من قبيل تعديل تسمية استفتاءات الأسد الأب بانتخابات الأسد الإبن.
هو افتراس إذن سواء كان اسمه استفتاء او انتخابات.
القدس العربي

 

قبل انتخاب الأسد وبعده: نقص «الشرعية» يعوّض بـ «تشريع» القهر/ عبدالوهاب بدرخان
هناك مَن ذهبوا للاقتراع لبشار الأسد بدافع الانتماء الطائفي، ومَن صوّتوا بدافع الخوف والسلامة الشخصية، أو بحسابات مصلحية بحتة، بل هناك في الخارج من صوّتوا لتجديد جوازات السفر… مارسوا «حقهم»، لا يريدون أن يفقدوا كل شيء، كما حصل لملايين السوريين الذين فقدوا أحبّاءهم وجنى عمرهم وكل ما يملكون. هو «اقتراع» آخر، مثل عشرات سبقته في سورية، تعوّد فيها المصوّتون أن يتركوا ضمائرهم خارج مراكز الانتخاب ليؤدّوا فعل الخلاص الفردي من عدوانية هذا النظام. هو إذلال آخر لشعب عانى ويعاني من ابتلاءات كثيرة، أصعبها اكتشافه أن لا مبالاة العالم لا حدود لها ولا سقفاً ولا خطاً أحمر.
تلك العدوانية التي تجسّدت على الدوام بـ «تثقيف» الأمن ليكون فظّاً ولا إنسانياً، لا ينفك يستنسخها مما قرأه في كتاب تأسيس اسرائيل. وآخر التطبيقات التي بدأها فعلاً التصرّف بـ «أموال الغائبين» بدءاً بالأرصدة التي أودعها الأهل لصغارهم في المصارف امتداداً الى الأخطر والأهمّ: فتح المنازل الآمنة والمغلقة (وفقاً لما يسمّى «قانون الدائرة الاجتماعية») وإسكان من تختارهم أجهزة النظام فيها. فهناك شاميّون علموا أن إيرانيين يقطنون الآن في بيوتهم، وهناك عائلات أَسكنت أنسباءها المهجّرين في بيوتٍ لها، لكن الأجهزة تطالبهم بالمغادرة بحجة أنهم لا يملكون عقود إيجار، وإذ يحاولون إبرام عقود مع أنسبائهم يقال لهم إن أي عقد جديد ينبغي أن ينال موافقة مسبقة من الأجهزة، ففي كثير من المناطق لم يعد ممكناً السكن إلا بإذن من المخابرات. أما التخريجة الوهمية فتقول إنه سيُصار الى تأجير البيوت بالنيابة عن أصحابها و «تُحفظ» أموالهم في صندوق خاص، أما عشرات آلاف البيوت التي أتى عليها النهب المنظّم فلم يتوافر لأصحابها وحقوقهم أي «قانون» أو صندوق.
ما يخرج من «صناديق الاقتراع» هنا ليس الرئيس الفائز، بل القهر المستدام. القهر المراوح بين القمع النفسي وبين إزهاق الأرواح وسفك الدماء. كانت تلك «انتخابات» لا علاقة لها بأي «شرعية» يطمح اليها الحاكم، وإنما مجرد عملية يثبت النظام من خلالها أن شيئاً لم يتغيّر، فهو يعرف مسبقاً أنه سيفوز وأن العالم لن ينظر إليه على أنه «شرعي»، لكن الأهم عنده هو «عراضة» انتخابية كتلك التي افتعلت في لبنان ليقول للعالم إنه لا يزال قادراً على إخراج كثيرين للرقص والهتاف له وليظهروا كما لو أنهم يحبّونه حتى العبادة وليظهر كما لو أن «شرعيته» الشعبية تصفع العيون. ليس مهماً ما هي الحقيقة، فهو برهن أن الحقيقة مدمّرة. المهم أن يكون المظهر «طبيعياً» في مطابقته لأقصى ما يمكن أن تبلغه علاقة بين قاهر ومقهور.
الرسالة واضحة ومباشرة. الى الشعب المعارض: مستمر في الحكم على رغم كل ما فعلته، على رغم كل الجرائم التي عرفت ووُثِّقَت وتلك التي لم تُعرَف بعد. أذعنوا واعلنوا السمع والطاعة وانقذوا أطفالكم من الموت جوعاً، حافظوا على القليل الذي تبقّى لكم قبل أن نستولي عليه، ولعلكم تنقذون سجيناً أو تستعيدون مفقوداً… والى الموالين: مستمر في الحكم على رغم كل المؤامرات وكل الدول التي وقفت ضدّي، وهذه واحدة من الأزمات التي سنتجاوزها ونخرج منها، وفي المحصلة سيعودون الينا صاغرين… وإلى العالم: عسكرياً الحل عند النظام بدليل التغيير الكبير في خريطة السيطرة لمصلحته، والحل السياسي عنده أيضاً وقد غيّر الدستور وفبرك انتخابات «تعددية»، لكن «الشعب» شاء ممارستها على طريقة الاستفتاء. فحتى المرشحان المنافسان كانا ينتهزان كل ظهور تلفزيوني ليعلنا ولاءهما للسيد الرئيس. لم يستطيعا نسيان مَن أمرهما بالترشّح.
قبل «الانتخابات» وبعدها تبقى «الشرعية» عقدة نقص عند النظام، يسوّرها بأطواق من الكذب والتضليل وبحشود ممن يعرف أنهم ينافقون بإبداء تصديقهم ذلك الكذب. اشتغل النظام دائماً على تمويه النقص في الشرعية، وكان الأسد الأب نجح في تجاوز العقدة شكلياً. أما الأسد الإبن فحاول أن يبني شرعية ذاتية جديدة وحصل على تأييد بعض الشرائح في بعض القطاعات. لكنه ما لبث أن عاد الى القمع، فكلما استشعر نقصاً في الشرعية زاد منسوب القهر. ومع اندلاع الثورة ضدّه انهارت الشرعية تماماً، على نحو سافر لدى معارضيه أو مكتوم ومستتر لدى من يدّعون تأييده. حتى الذين جرى الاتصال بهم من طائفته قالوا «حالنا – كمعارضة – من حال المعارضة الأخرى، فنحن عوملنا مثلهم بالتجريف السياسي الشامل». ولا يزال عبدالعزيز الخيّر مفقوداً، أو مجهول مكان الاحتجاز، منذ خطفه/ اعتقاله فور عودته من زيارة لبكين (صاحبة الفيتو الجاهز المرافقة للفيتو الروسي) وقد لبّى دعوة رسمية وخرج بـ «ضمانة» سيرغي لافروف. كان ذنبه أن حلفاء النظام شرعوا آنذاك (خريف 2012) في البحث عن بدلاء من الطائفة العلوية، والبحث مستمر.
لا شك في أن الانتخابات، معطوفة على الانتصارات العسكرية، تشكّل تحدّياً قوياً للمجتمع الدولي، فهي من جهة تبقي مسألة «الشرعية» مفتوحة، ومن جهة اخرى تكرّس في ذهن النظام أن الإفلات من الأزمة ومن العقاب يبقى متاحاً. في السابق، كان قادراً على الإفلات باللجوء الى «مقايضات» بالمعارضين الذين يؤويهم أو بأوراق إقليمية لا يمنعه «نهج المقاومة» من رميها عند أول مأزق. وبعد النفق الذي أدخله فيه اغتيال رفيق الحريري، عاد فخرج «متصالحاً» حتى مع السعودية، بل حاصلاً على انفتاح من فرنسا بوساطة من قطر. لا بدّ من أنه يعتقد بأن التاريخ سيعيد نفسه، فالدول لا تستطيع تجاهل الأمر الواقع الذي تصنعه القوة. وحتى تاريخ معيّن، أوائل الأزمة، كان النظام قادراً فعلاً على الإفلات، أما الآن فاختلفت الأحوال. هناك عواصم منعت إجراء الانتخابات، مؤكدةً أنها مثل أكثر من ثلثي الشعب السوري لا تعترف بـ «الانتخابات المهزلة» ولا بشرعية نتائجها، وهناك الأمم المتحدة التي لا تستطيع موضوعياً الاعتراف باقتراع يُجرى في ظروف غير معقولة كهذه. ثم إن النظام أصبح هو نفسه «ورقة» بعضها في يد روسيا ومعظمها في يد ايران التي انبرت في الفترة الأخيرة للدفاع عن الانتخابات باعتبار أنها «تعزيز للشرعية» (علي لاريجاني) أو أنها وسيلة لـ «الحل الداخلي» (محمد جواد ظريف).
لا شرعية النظام وعدم الاعتراف بتمثيله سورية بموجب هذه الانتخابات سيكونان عنوان الصراع المقبل على الساحة الدولية. وفي معزل عن احتمالات النجاح في تعليق عضوية «سورية النظام»، التي تعني بدورها قطع الطريق على الأمم المتحدة للعب أي دور في التوصل الى حل سياسي، فإن رفض شرعية النظام سيتخذ أشكالاً عدة ومختلفة. لكن من غير المؤكد أن يحقق أي اختراق سياسي طالما أن مجلس الأمن لم يتمكّن من وضع الأزمة تحت الفصل السابع لتصبح قراراته ملزمة وفاعلة. لذلك يبقى التفاعل مع منطق الأزمة هو ما تبدو الدول الغربية متفقة عليه، سواء بعدم الاعتراف بالانتخابات، أو بإلزام المعارضة تنظيم صفوفها وتطوير أساليب عملها، أو بالأخص إلزام فصائلها العسكرية العمل وفق استراتيجية جديدة بدأت معالمها تتضح من خلال إعادة خلط أوراق المجموعات المقاتلة واصطفافاتها.
في المقابل، سيبادر النظام الى «حل داخلي» مستمد من «شرعية انتخاب الرئيس»، فهو قد يستدعي عدداً من «معارضي» الداخل والخارج الى حكومته المقبلة، وقد يسلّط الأضواء على التخلي عن كمٍّ من الصلاحيات ليس بينها ما يتعلق بالأمن أو الجيش، وقد تكون لديه إجراءات كثيرة لا هدف منها غير محاولة الخروج من الأزمة. لكن ثمة حقيقتين حالياً: 1) النظام نفسه يعلم أن شرعيته ناقصة وأن الانتخابات ليست نهاية المطاف، 2) كل مَن استُمزج للعودة والتعاون يعرف في قرارة نفسه أنه مدعوٌ الى حلٍّ وهمي.
* كاتب وصحافي لبناني
الحياة
ماذا بعد التجديد لولاية الأسد… هل يغير سلوكه خصوصاً مع لبنان؟/ اميل خوري
ماذا بعد التجديد للرئيس بشار الأسد؟ هل يكون ذلك مدخلاً للبحث في حلّ سياسي عادل ومتوازن، هل يكون استمراراً لحرب لا أحد يعرف متى تنتهي وقد تتخذ شكل الحرب العراقية، وكيف سيكون التعامل مع لبنان، وهل تكون نتائج الانتخابات في سوريا مرتبطة بنتائج الانتخابات في أوكرانيا ويكون الحلّ واحداً في كلتا الدولتين؟
هذه الأسئلة تختلف الأجوبة عنها باختلاف المصادر وإن كان لا بدّ من انتظار ردود الفعل العربية والدولية على الانتخابات السورية، ليس بالبيانات والتصريحات إنما بالأفعال.
ثمّة من يقول إن الولايات المتحدة الأميركية ومعها دول أوروبية قد تعمد إلى مدّ المعارضة السورية المعتدلة بأسلحة متطوّرة تعيد التوازن العسكري على الأرض وتالياً التوازن السياسي لأي حلّ. فإذا ظلّ الرئيس الأسد مصرّاً على رفض أي حلّ يكون عادلاً ومتوازناً، فإنه سيتحمل عندئذ مسؤولية استمرار حرب تقضي على ما تبقّى من سوريا حجراً وبشراً. واستمرارها لن يكون لا في مصلحة النظام السوري ولا في مصلحة خصومه إنما في مصلحة اسرائيل، واستمرار الحرب قد يوصل الجميع إلى حلّ التعب…
وثمّة من يقول إن روسيا بعد التجديد للرئيس الأسد أصبحت في موقع تفاوضي قوي مع الولايات المتحدة الأميركية والدول الاوروبية إذ أنها تجعل رئاسة الجمهورية السورية خارج أي بحث كما كان الأمر في محادثات جنيف وكانت سبب فشلها، إنما يصبح البحث محصوراً بتشكيل حكومة وحدة وطنية تمنح صلاحيات أوسع من الحكومات السابقة لأن من أولى مهماتها مكافحة الارهاب والحركات الأصولية على اختلاف أشكالها، وهو ما يهم كل الدول التي أخذت تشعر بخطرها، خصوصاً عند انتقال نشاطها إلى قلب هذه الدول.
وستحاول روسيا، بحسب مصادر ديبلوماسية، إقناع الولايات المتحدة الأميركية بهذا الحلّ والقبول بنتائج الانتخابات الرئاسية كأمر واقع وإن لم تعترف بها لأن استمرار الحرب في سوريا مكلف للجميع وعدم التوصّل إلى حلّ يجعل الارهاب ينتشر ويهدّد الأمن والاستقرار ولاسيما في دول الجوار عوض أن يصير اتفاق على حلّ يقيم حكماً قوياً في سوريا يضرب الارهابيين والحركات الأصولية ويحول دون انتقال نشاطهم إلى أي دولة. ثم إن وقف الحرب في سوريا، برأي روسيا، يعيد اللاجئين السوريين إلى ديارهم ويخفف أعباء كبيرة عن الدول التي تستضيفهم وعن الدول المانحة لاسيما بالنسبة إلى لبنان الأكثر تضرّراً من استمرار الحرب السورية. فاذا كان الجميع يحرصون على استمرار الاستقرار فيه فإن اللاجئين السوريين اليه قد يتحولون فعلاً قنبلة موقوتة، وينقسمون بين مؤيد للنظام السوري ومناهض له، ما يحدث صدامات في ما بينهم من جهة ومع قوات الدولة اللبنانية من جهة أخرى، بحيث يتكرّر في لبنان ما حصل مع المنظمات الفلسطينية عندما انقسمت على نفسها ليساند خارج فئة منها وخارج آخر فئة، وينقسم اللبنانيون أيضاً بين مؤيد لمنظمات ومناهض لأخرى وهذا يهدّد بعودة الحرب الداخلية إلى لبنان.
لذلك ليس سوى وقف الحرب في سوريا بالتوصل إلى حلّ عادل ومتوازن ما يريح الوضع في كل المنطقة، ولاسيما في دول الجوار وخصوصاً لبنان.
وفي رأي مصدر ديبلوماسي عربي أن الكلمة الفصل في أي حلّ للحرب في سوريا هي لايران. فهل تبيع الرئيس الأسد إذا قبضت ثمناً سياسياً مغرياً في المنطقة يجعلها اللاعب الكبير فيها بعد التوصل إلى اتفاق على برنامجها النووي، أم أن الولايات المتحدة الأميركية هي التي تبيع حلفاءها وأصدقاءها في المنطقة عملاً بالسياسية البراغماتية التي تتبعها وقد سبق لها أن باعتهم عندما أتت باللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية بالتفاهم مع خصمها السياسي آنذاك الرئيس جمال عبد الناصر وكانت في صراع نفوذ مع بريطانيا في المنطقة على أثر سقوط “حلف بغداد”، وعندما عقدت صفقة مع الرئيس حافظ الأسد أدت إلى الموافقة على اتفاق الطائف الذي أتاح لسوريا فرض وصاية على لبنان محدّدة بسنتين فأصبحت ثلاثين سنة لا لشيء سوى الرغبة في تخليص لبنان واسرائيل من المسلحين الفلسطينيين ونقلهم إلى تونس.
فهل من صفقة ستعقد بين أميركا وإيران بمعرفة روسيا أو من دون معرفتها، ومن يبيع من فيها، وهل تكون متلازمة مع حل للوضع في أوكرانيا أم منفصلة عنها؟
النهار

 

يوم النشور/ حسام عيتاني
قُتل العشرات وأُصيب المئات برصاص ابتهاج أنصار بشار الأسد بعد إعلان فوزه في الانتخابات الرئاسية التي دعا اليها ونظمها وأدارها وربحها بمعية أجهزته الأمنية.
تقدير عدد الضحايا الذي تولته جهات غير حكومية راوح بين عشرة قتلى ومئتي جريح في أربع محافظات امكن فيها اجراء احصاء تقريبي، وما يزيد عن العشرين قتيلاً، سقطوا في ليلة رعب فتح فيها جنود الاسد والمسلحون الموالون له أبواب الجحيم على المواطنين على الطرقات وفي البيوت. وعلى سيرتهم سار أشباه لهم في لبنان فرحوا ايضاً بالفوز العظيم.
كانت ليلة تليق بخاتمة «العرس الديموقراطي» الذي شهدته سورية لإعادة تنصيب رئيس أثخن فيها قتلاً ودماراً. كانت الليلة عيّنة للسلوك الذي سيسلكه أتباع الأسد عند انتصارهم على أعدائهم – مواطنيهم.
بيد أن أيام الانتخابات في الداخل والخارج والاستعدادات التي سبقتها ورافقتها، كشفت للمرة الالف ربما كم ان هذا النظام عاجز عن التطور واستيعاب دروس الثورة عليه، وكم هو ملتصق بماضيه.
بهذا المعنى كانت الانتخابات كيوم النشور. خرج أموات النظام كلهم من القبور وأعلنوا الاستيلاء على ما تبقى من حياة في سورية. عاد حافظ الاسد أولاً وقبل الجميع. عادت اساليب الترهيب والتهديد لحمل الناس على الاقتراع للقائد. وعادت الصور العملاقة لاحتلال الساحات والشوارع.
ماذا تقول هذه المبالغة في الاحتفال والاستعراض وحشد الراقصين والراقصات في الشوارع غير الخواء والفراغ؟ ماذا وراء التوتر والنزق في تسيير المؤيدين غير محاولة اخفاء غياب الثقة بالذات والخوف الرهيب من الغد؟ ماذا تعني التظاهرة التي دبرها النظام وأنصاره لعشرات الآلاف من اللاجئين والعمال السوريين في لبنان غير الاصرار على متابعة كل ما قام ضده السوريون ودفعوا في سبيل التخلص منه اثماناً لا تطاق ولا تُحتمل؟
لا معنى للاصرار على استعراضات الولاء الاعمى والافراط في الاحتفال المسلح، غير قول واحد هو ان الحرب مستمرة بكل الوسائل على من يتحدى امساك آل الأسد ومواليهم بالسلطة. الحرب هي الخيار الوحيد المتاح لاستمرار النظام الذي ربط نفسه بمتابعة قتل مواطنيه وألصق خلاصه بالمضي بالحرب حتى النهاية.
لقد خرج رميم البعث من القبور ليعلن ان لا مستقبل الا للماضي وان لا حياة الا للموت في «سورية الأسد» وأن النصر الذي يزعم النظام تحقيقه على الثورة، لا يكون في حال حصوله غير نشر الهباء في المشرق العربي ونعي لكل محاولات التغيير والتقدم.
أراد النظام السوري «تجديد شرعيته عبر صناديق الاقتراع» وكان له ذلك. استعرض سطوته على ملايين السوريين الذين خذلتهم معارضتهم قبل ان يخذلهم العالم. وأظهر عزمه على تجاهل كل الاسباب التي فجرت الثورة متخيلاً قدرته على وقف عقارب الساعة، ويساعده في وهمه هذا عالم لا يخفي انحيازه الى الطاغية ولا مبالاته بمآس انسانية لا تليق بغير عصور التوحش.
ويفترض الأسد ومؤيدوه انهم وجهوا رسالة الى السوريين تزيد يأسهم من الخروج من هذا الكابوس. ويظنون ان الانتخابات هي النتيجة السياسية للنجاحات الميدانية التي حققوها في الشهور الماضية وأن الثورة قد قضت نحبها. لكن من قال ان الاموات، حتى وان خرجوا في يوم النشور الانتخابي، سينتصرون على الحياة؟
الحياة

 

إنه الفراغ في سورية/ وليد شقير
كيف لبلد مثل سورية، يضم 15 مليون ناخب من أصل زهاء 22 مليون مواطن، عدد النازحين منهم خارج البلاد يبلغ على الأقل 3 ملايين نسمة، و5 ملايين من النازحين داخل البلاد، وأكثر من مليوني مغترب موزعين في أربع رياح الأرض، فيبقى من الذين لازموا سورية زهاء 10 ملايين موزعين بين الولاء للمعارضة والولاء للنظام وفق مناطق سيطرة هذا وذاك، أن يقترع فيه 11 مليوناً وأكثر من 634 ألف ناخب، حصل بشار الأسد على أصوات 10 ملايين و320 ألفاً منهم؟
قد يكون التدقيق في الأرقام عملية ساذجة للدلالة على التزوير الذي اعتمدته آلة النظام الأمنية والعسكرية لمهزلة الانتخابات الرئاسية في سورية، لأن كل الحسابات التي أجرتها منظمات الأمم المتحدة وبعض منظمات المجتمع المدني كانت أفادت بأن أقصى نسبة اقتراع متوقعة في تلك المسرحية لم تكن لتتجاوز العشرين في المئة من الناخبين الـ15 مليوناً. وقد يعتبر البعض أن التدقيق في هذه الأرقام هو أشبه بصرخة في وادٍ بعيد، يستحيل سماعها من الذين يفترض أن تصل الى آذانهم. فمن يريد أن يصدق أن غالبية الشعب السوري أعادت انتخاب الأسد، لا يكتفي بصمّ الآذان، بل يرفض رؤية ما بثته شاشات التلفزة من مشاهد عن نسوة يُنزلن أكثر من ورقة اقتراع في صندوقة الاقتراع وهن يحملن أطفالاً على أيديهن، في السفارة السورية في بيروت، أو أولئك العمال السوريين الخائفين على مصيرهم الذين أخذوا يصرخون عند الحدود اللبنانية – السورية، والذين أخذوا يبالغون في التعبير عن شدة الخوف الذي صنعته التهديدات بسحب أوراقهم الثبوتية ومنعهم من زيارة أهاليهم واعتقالهم إذا تخطوا الحدود، فجاهروا بأنهم انتخبوا في السفارة السورية، قبل أيام، وحضروا مجدداً لإسقاط أوراق التأييد للأسد في الصناديق التي وضعت على الجانب السوري من الحدود مرة ثانية (وربما ثالثة).
الذين يستهزئون بالتدقيق في الأرقام لأنها محضرة سلفاً، من دون أي خجل من الاستخفاف بعقول الناس، لا يعيرون أهمية للحاجة الى التشكيك بشرعية هذه الانتخابات، لأنهم يدركون أن كل العالم لن ينخدع بها، ولاعتقادهم بأن المسرحيات التي رافقتها على شاشات التلفزة لن «تبلف» إلا الفرحين بالتمديد للأسد وللجرائم التي يرتكبها نظامه ولمواصلة سياسة الإمساك بالورقة السورية من قبل روسيا وإيران في حلبة التفاوض الدولي والإقليمي على الأزمات المتشعبة من أوكرانيا الى بحر الصين، حيث الخلاف على النفوذ على دول أوروبا الشرقية ودول الاتحاد الأورو-آسيوي بين موسكو وواشنطن وعلى الجزر المحيطة بالصين المليئة بالنفط والغاز بين حلفاء واشنطن (اليابان) والصين، وهو ورقة في التفاوض المفترض بين القوى الإقليمية على المشهد برمته، من اليمن الى العراق وسورية وفلسطين. وبالتالي الحاجة الى هذه الورقة لا تتطلب تدقيقاً في الأرقام، بما فيها أرقام القتلى السوريين والمقهورين والمعذبين والنازحين ولا في عدد البراميل المتفجرة التي سقطت في اليوم الانتخابي السوري، أو قبله وبعده.
يحلو لبعض المغتبطين بالتمديد الصوري للأسد في السلطة أن يأملوا بالمقايضة على تكريس شرعيته باعتراف موسكو بشرعية انتخاب الرئيس الأوكراني بيترو بوروشنكو، وشتان ما بين الحالتين، حيث انتخب الأخير من دون تزوير ولا تهديدات الاستخبارات ولا الخوف من استمرار حرب الإبادة. ويحلو لبعضهم أن يتمثل الاعتراف بالأسد بالتسليم الغربي بانتخاب المشير عبدالفتاح السيسي في مصر. وشتان ما بين الانتخابين. ففي سورية مارس أنصار الأسد أرخص صنوف الابتهاج بالرصاص وإجبار الناس على إقفال محالها التجارية للذهاب الى الاقتراع، فيما تخوف أنصار السيسي من انخفاض نسبة الاقتراع وأخذوا يتهيبون الحمل الثقيل لمشاكل مصر الاقتصادية والسياسية والأمنية على الحكم الجديد. ويحلو لهم أيضاً أن يعتبروا أن بقاء الأسد في السلطة موازٍ لبقاء رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في رئاسة الحكومة ببغداد، في وقت يُستخدم الأسد ورقة ضاغطة من أجل إبقاء المالكي في السلطة لا العكس.
واقع الحال، إذا جاز تشبيه مسرحية انتخاب الأسد، هو أن سورية وقعت في الفراغ، إذ لا سلطة مركزية فيها، بل تنازع بين مجموعات مسلحة، النظام واحد منها، هذا مع فارق بسيط أن في سورية حرباً أهلية وفي لبنان قراراً خارجياً بكبحها مهما كان الثمن. ولربما هذا مغزى زيارة جون كيري لبيروت.
الحياة

 

الدول الغربية والأسد أمام التحدّي الجديد: رئيس “غير شرعي” أم تعامُل “واقعي”؟/ روزانا بومنصف
مع اعتبار الدول الغربية المؤثرة ما سمي انتخابات نظمها النظام السوري من اجل اعادة انتخاب الرئيس الاسد لولاية جديدة انها مهزلة وتساوي صفرا وانها انتخابات غير شرعية لن تعترف بنتائجها، فإن ذلك يفترض اقله وفق هذه المواقف ان الاسد يغدو ابتداء من مطلع الشهر المقبل بعد انتهاء ولايته الحالية غير شرعي. ومع ان رؤساء دول ورؤساء حكومات دول غربية اعتبروا ان الاسد فقد شرعيته منذ الحمام الدموي قبل ثلاث سنوات، فإنه بقي في السلطة على قاعدة انه رئيس منتخب بانتخابات اعترف المجتمع الدولي بنتائجها. يتطلع الاسد بعد الامر الواقع الذي فرضه لتامين استمراريته في السلطة الى ان يحظى بعد بعض الوقت باعتراف دولي يكسبه الشرعية التي يحتاج اليها. في حين ان الغرب وازاء المواقف التي اتخذها مما سمي انتخابات يفترض الا يعترف به رئيسا شرعيا بل فرض نفسه بقوة السلاح او الترهيب والتخويف شأنه في ذلك شأن من يقيم انقلابا ويسيطر على السلطة في بلد ما فلا يحظى بالشرعية الا اذا اعترف الخارج به وتبقى شرعيته منقوصة ما دام لا اعتراف به ديبلوماسيا وسياسيا. ولذلك، فإن الاسئلة التي تثار في ضوء ذلك تتصل بطبيعة الخطوات التي يمكن ان تتخذها هذه الدول مثلا كأن تعمد الى اقفال السفارات التي تمثله حيث لا تزال قائمة في حال لم تقم بذلك حتى الان باعتبار ان دولا عدة اقفلت ابواب السفارات السورية واعتمدت ممثليات للمعارضة السورية. وهذا ينسحب على حتمية بحث هذا الامر في الامم المتحدة ان لم يكن في مجلس الامن حيث يرتقب ان تستمر روسيا والصين في استخدام الفيتو اذا اضطرتا الى ذلك لمنع اي اجماع في المجلس ففي الجمعية العمومية، حيث يعتقد ان غالبية الدول لن تعترف بشرعية الاسد انطلاقا من معادلة بسيطة وهي ان دول اصدقاء الشعب السوري التي كانت تجتمع من اجل دعمه وهي نددت بالنظام في مواجهة المعارضة لاستمراره في السلطة كانت تربو على 128 دولة. الامر الذي يعني ان انقساما في الجمعية العمومية كما في المجلس قد لا يسمح بموقف اجماعي يعتبر وجود الاسد كرئيس غير شرعي ما لم يتم العمل على تأمين غالبية من الدول تدعم هذا الاتجاه.
وليس امرا بسيطا الا يعترف بشرعية وجود رئيس من مروحة كبيرة من الدول المؤثرة اقليميا ودوليا، لكن الاسئلة تثار حول الخطوات التي يمكن اعتمادها تأكيدا او تثبيا لعدم الاعتراف بشرعيته. فهذه ورقة ستكون موضع خلاف جديد بين الدول الغربية وروسيا التي تدعم نظام الاسد وانتخاباته كما ايران علما انهما وحدهما مع فنزويلا من اعترف بالانتخابات التي نظمها الاسد وربما تنضم بعض الدول الاخرى التي دعمت استمرار النظام حتى الان.
وبحسب مراقبين ديبلوماسيين، فإن لا شيء كثيرا يمكن القيام به تثبيتاً لعدم شرعية الرئيس السوري بل يعتقد ان ما يسمى الواقعية السياسية ستفرض على هذه الدول ربما استمرار التعاطي مع امر واقع من دون الاعتراف به كما الحال مثلا في الدعوة الى مفاوضات بين اطراف الصراع في سوريا بين فريق مسيطر على السلطة وفريق يعارضه او يقف ضده او السماح لفريق السلطة ان يسمح بوصول مساعدات انسانية للمناطق التي يسيطر عليها او يحاصرها. هذه الواقعية السياسية هي التي تسمح بعدم تصعيد الخطاب او اللجوء الى اجراءات قد يكون ممكنا اتخاذها في ظل عدم وجود اتفاق على بديل منه. فيما لا يعتقد هؤلاء انه سيكون لاي دولة من الدول التي اتخذت مواقف قاطعة وحاسمة من عدم شرعية الرئيس السوري ان تعترف بشرعيته حفظا لماء الوجه على الاقل حتى لو استمر في موقعه سنوات، فهي ستسعى في حال فتح تفاوض جدي على ايجاد حل للحرب السورية الى الحصول على اخراجه من السلطة جنبا الى جنب مع محيطه الاقرب المسؤول عن الحرب نظرا الى استحالة الاقرار او القبول ببقائه لما يعنيه ذلك من هزيمة مباشرة لكل من طالب برحيله وغفرانا له عن عشرات لا بل مئات الالوف من الضحايا، الامر الذي لن يكون ممكنا في اي شكل من الاشكال وفق ما تقول مصادر معنية حتى لو تغير الحكام وتبدلت الحكومات. وسيكون ذلك في مقابل بقاء النظام وكيانه كما كانت تسعى روسيا من الاساس بحيث يضمن الامر مصالحها ومصالح ايران التي تعتبر الكاسب الاكبر والاساسي من تأمين استمرار الاسد في السلطة وتنظيم انتخابات ثبتت شرعيته الشعبية بحيث عززت موقعها في سوريا كدولة تحمي نفوذها ومكنت سيطرتها كما عززت اوراقها التفاوضية للمرحلة المقبلة متى فتحت ابواب التفاوض لحل في سوريا.
يراهن حلفاء النظام في المقابل على ان تصلب الدول الغربية سيتضاءل مع الوقت خصوصا في ظل لعب النظام اوراقه على نحو جيد في تحويل الثورة ضد حكمه الى ارهاب باتت كل الدول تتبناه بطريقة او باخرى وتتخوف منه على غرار المخاوف من جهاديين يأتون من الدول الغربية للقتال في سوريا. يقول هؤلاء ان النظام بات يستعيد ثقته بنفسه من خلال رفضه اتصالات استخبارية لملاحقة الارهابيين ما لم يعد الاعتراف بشرعية نظامه واعادة فتح السفارات. فهل تنجح الدول الغربية في تثبيت عدم شرعية النظام او تفشل في هذا التحدي ايضا؟
النهار

 

سوريا .. صندوق الأسد/ مالك عبيد
ليس من المستغرب بعد كل هذا الدمار الذي حدث بسوريا أن يلجأ نظام دموي كنظام بشار الأسد إلى صناديق الاقتراع، ليكشف بذلك عن مرحلة جديدة من مراحل حكم الحديد والنار والتطهير بكل أشكاله. هذه المرحلة قادها الأسد بجدارة على مدى السنوات الفائتة، وأيقن خلالها أن الإرادة الدولية لا تحرك ساكنا ضده لمنعه من قتل الشعب السوري والتنكيل به. بالتالي فإن لعبة الصناديق ما هي إلا مناورة جديدة يهدف النظام من خلالها إلى قوننة القتل وجعله شرعيا من خلال صناديق الاقتراع، التي تعطيه الضوء الأخضر والتفويض الشعبي – كما يعتقد هو – للاستمرار في حرب الإبادة السافرة التي يقودها ضاربا عرض الحائط بكل القيم الأخلاقية والإنسانية.
إعلان الأسد عن خوضه الانتخابات في منافسة مع غيره من المرشحين، تكشف اللثام أيضا عن شكل مختلف من الاستهتار بدماء ومصير الشعب السوري المغلوب على أمره في ثورته. وبالتالي كان فوز الأسد أمرا محتوما ومعدا مسبقا وبأغلبية الناخبين كعادة كل الأنظمة الديكتاتورية، التي تتقن هذا النوع من السياسات. كل المعطيات والمؤشرات دلت على أن الأسد سيخرج من تجربة الانتخابات هذه على أنه الخيار الأنسب للاستمرار بالحكم – أي الاستمرار باختطاف البلاد والمضي بها نحو مرحلة قاسية من حكم الحديد والنار. بل ومما لا شك فيه بأنها ستكون مرحلة أكثر قسوة من الحالة الأمنية التي كان يعيشها السوريون قبل اندلاع الثورة السورية، وفتح باب الدم السوري على مصراعيه. فلم يحدث عبر التاريخ أن خرج نظام ديكتاتوري من مواجهته لشعبه بالسلاح والقمع ليصبح أكثر إيمانا بالديمقراطية والمشاركة الشعبية وتداول السلطة واحترام الحريات، بل يجد الشعب عادة نفسه مهددا بوضعه ضمن قوائم طويلة من المطلوبين والمطاردين والمشتبه فيهم من قبل الأجهزة الأمنية تحت شعار الحفاظ على الثورة وحماية الأمن القومي للبلاد.
انتخابات الخيار الأوحد بعد كل هذا الدمار لا تخلق الشرعية على المستوى الدولي، خصوصا إن كان الهدف منها إطلاق يد النظام نحو المزيد من إراقة الدماء في المستقبل، كما أنها لا تمنحه على مستوى الداخل السوري صفة القائد الشرعي المطلق بحكم مسرحية صناديق الاقتراع التي اخترعها هو ونظامه. ولعله ليس من المستغرب لو لجأ بعد ذلك لارتداء الأوسمة تكريما له كقائد ضرورة وكبطل قومي أنقذ سوريا من قبضة الإرهاب وفقا لمقاييس الحرب التي تكون عادة أحادية الجانب. وهنا يعيد الأسد موال الديكتاتوريات على مدى التاريخ، والتي يتحول قادتها بعد حدث ضخم بحجم الحدث السوري، إلى فراعنة يحكمون بمنطق «أنا ربكم الأعلى».
احتفاء النظام السوري بمسرح العرائس الذي أخرجه بشكل فاضح، ونقل صور الزحف نحو صناديق الاقتراع والتطبيل لها على أنها خيار الشعب السوري ينطوي على الكثير من التدليس والتزوير للحدث السوري برمته، لأن كل ما يحدث لا يغير من الواقع السوري المحزن قيد أنملة. هذا بعد أن أصبح التعقيد سمة ملازمة لمجريات الأمور يوما بعد يوم وبشكل متزايد، ليأتي هذا في ظل معارضة مفككة لم تستطع أن تحقق الهدف المرجو من وجودها سياسيا وعسكريا من جهة، وحيرة النظام العالمي من جهة أخرى أمام واقع الشعب السوري، وعجزه عن اتخاذ التدابير العملية لإنقاذه من آلات الإجرام والقتل أو التخفيف من معاناته بالحد الأدنى.
فالشعب السوري الذي اختلط عليه الحابل بالنابل، وجد نفسه على مدى ثلاث سنوات ملقى على قارعة طريق المجهول لمواجهة شكل فريد من إجرام الديكتاتوريات والفوضى، دون أن يرى بصيص أمل للخلاص في آخر نفق الخوف الذي دخله. وهو بالتالي لا يملك غير خيار «الرضى من الغنيمة بالإياب» ليشتري ما بقي من عمره، ومستقبل أولاده من نظام لا يقيم وزنا لكمية الدماء التي يريقها كل يوم، ولا يتوانى عن التدمير الشامل لمقدرات الشعب وحياته. حتى جعل الشعب بين خيارات ثلاثة فقط وهي إما الأسد أو الأسد أو الموت بكل الأشكال..
يخطئ النظام السوري حين يعتقد أن الشعب السوري قد فقد ذاكرته، أو أنه يستطيع من خلال الصناديق غسل الأدمغة بإلغاء الجريمة ومحوها، وتحويل علاقته التي تلطخت بدماء الأبرياء مع الشعب إلى علاقة تقبل التفاهم وترضى بحجم الجريمة والعقاب. فالعلاقة اليوم هي علاقة مبنية على ميزان عدالة مائل إلى جهة الجلاد على حساب الضحية. وهو الفضاء الاجتماعي الذي لا يقبل إلا بالحديث بلغة الثأر والقصاص للمظلوم من الظالم. وهنا على الأسد أن يتذكر أن لنفوس الأيتام والأرامل المكلومين بعدد كبير من موتاهم، القدرة على إعادة دورة الحدث السوري من جديد إلى نصابه، بعد ثلاث سنوات عجاف تركها الأسد عالقة بذاكرة الناس – إلى أن يشاء الله – لم يرَ خلالها هذا الشعب فسحة أمل بحياة الحد الأدنى.
* كاتب سعودي
الشرق الأوسط

 

الأسد: القبول من الله!/ حسين شبكشي
لمحاولة تفسير «الكوميديا المسرحية الهزلية» التي حصلت في سوريا منذ أيام، والتي عرفت بالانتخابات الرئاسية، لا بد من اللجوء إلى مدرسة التحليل النفسي، وليس إلى العلوم السياسية، لفهم ما حدث تحديدا.
بشار الأسد على الصعيد الشخصي لديه مشكلة في فكرة الإقناع والقبول، فهو يعلم يقينا أنه لم يكن أبدا خيار أبيه الأول لخلافته، بل كان شقيقه الأكبر باسل الأسد الذي قضى في حادث سيارة شديد الغموض؛ مما اضطر حافظ الأسد لأن يعيد ابنه الثاني بشار من عمله ودراسته بالخارج ليبدأ مشوار تحضيره المكثف، وعلى عجالة لخلافته، وهو على عكس شقيقه باسل الذي كان يعد إعدادا جيدا، لم يأخذ الوقت الكافي لذلك، إذ جرى القفز به في سلم الترقيات وسط غمغمة وعدم قناعات الحرس القديم المحيط بالرئيس الأب، وكان هذا ثاني نوع من أنواع عدم القبول والإقناع يواجه بشار الأسد.
ثم توفي حافظ الأسد، ولم يكن الابن قد أكمل السن القانونية المطلوبة دستوريا للترشيح، وفي جلسة كوميدية هزلية قام مجلس الشعب بتعديل النص الدستوري ليكون ملائما تماما لسن بشار الأسد، وطبعا تحولت هذه المسألة إلى نكتة عالمية يتندر بها السوريون في الداخل والخارج، وكان هذا ثالث تحد للقبول والإقناع يعرفه ويواجهه بشار الأسد.
وفي ملتقيات ومؤتمرات القمم العربية كان يبالغ في تطويل كلماته وخطبه وكأنه يلقي محاضرات في حضرة زعماء أكبر منه سنا وأعمق منه خبرة، كل ذلك جراء عقدة النقص والرغبة في الحصول على القبول والإقناع اللذين يفتقدهما، ومن النظر إلى عيون الزعماء العرب زادت قناعاته بذلك، فلم يتردد بأن يقول عليهم «أنصاف الرجال»، وهي كلمة تخرج من طفل يغار ممن هم أكبر منه.
واليوم مع مواجهته لأكبر حالة رفض شعبي صريح من شعب بحق رئيسه، شعب يواجه التنكيل والقتل بكل أنواع السلاح والوسائل بشكل غير مسبوق على مدار التاريخ، أمام حالة الرفض الشعبي والإدانة العالمية لأفعاله، كان لا بد من إيجاد طريقة جديدة للحصول على القبول والإقناع (على مستوى العالم) وبأسلوب مختلف، فهو اعتاد دوما أن «يفوز» بنتائج استفتاءات يجريها عن طريق حزبه الحاكم، وكان «بالإجبار» يخرج الطلبة والموظفين للتصويت له حتى تخرج النتائج بنسب أشبه بالأساطير الهائلة، ولكن هذه المرة كان لا بد أن يكون المشهد «انتخابيا»، يرشح نفسه في اللحظات الأخيرة جدا (لزوم الإثارة حتى يقنع المتابعين أنه رضخ للطلبات الجماهيرية بترشحه) ليترشح أمام منافسين اثنين، هما في الواقع موظفان في أجهزته جرى اختيارهما بعناية لترديد بعض الشعارات والإدلاء ببعض التصريحات «المثيرة للتعجب والدهشة».. أيضا كان ذلك لزوم الإخراج المسرحي للانتخابات الهزلية. والمدهش هو جرأة النظام العجيبة (ومن يهتف له في لبنان والعراق وإيران) أنه أتى بمراقبين للانتخابات والإشراف عليها من دول مثل كوريا الشمالية وروسيا وزيمبابوي وفنزويلا، وهي دول علاقتها بالعدل والديمقراطية كعلاقتي أنا باللغة الفيتنامية، ولكن الرغبة في الحصول على القبول والإقناع هي التي حركت دوافع بشار الأسد منذ وصوله للسلطة.
قد يكون ما حدث هو رغبة من حلفائه عندما كانوا يتحدثون خلف الأبواب الموصدة أنهم مهتمون بتأمين خروج آمن ومشرف له من الحكم، وهم بهذه المشاهد الهزلية التي تحمل في ظاهرها انتخابات رسمية وشعبية أعادته لحكم البلاد برغبة شعبه، قاموا بذلك، ولكنهم ينسون أنهم لم ينجحوا إلا في تأمين خروج هزلي وكوميدي وليس بآمن. فبشار الأسد رغم كل المحاولات التي يبذلها منذ وصوله للسلطة ليحصل على القبول والإقناع ممن حوله ومن شعبه لن يستطيع، لأن القبول من الله!
الشرق الأوسط
نصر الله ومهزلة إعادة انتخاب الأسد/ طارق الحميد
يحاول حسن نصر الله قراءة مهزلة الانتخابات الرئاسية في سوريا من منظور المنتصر الذي يريد فرض أمر واقع ملخصه أن بشار الأسد انتصر، وكذلك «حزب الله»، وعليه فإن على العالم أجمع الآن، وقبلهم المعارضة السورية، التفاهم مع الأسد.
يفعل نصر الله كل ذلك للقول للغرب، وقبلهم للعرب والسوريين المعارضين، إنه إذا ما كان هناك من حل في سوريا فيجب أن يكون على الطريقة اللبنانية «لا غالب ولا مغلوب»، فهل يمكن لزعيم «حزب الله» فرض شروطه الآن؟ الأكيد أن نصر الله يقول ما يقوله عن الأوضاع في سوريا وسط خسائر حقيقية يتلقاها الحزب على مستوى مقاتليه، وقياداته، هذا عدا عن أن الحزب يقاتل في سوريا بنصف ميزانيته، أي على حساب مصاريفه الداخلية في لبنان، إضافة إلى أن الحزب يخوض حرب استنزاف حقيقية بسوريا، وذلك لأن الحزب يرى في بقاء الأسد مسألة حياة أو موت.
واللافت في حديث نصر الله عن سوريا، وقوله إنه لا حلول سياسية من دون الأسد، هو أن نصر الله يتحدث عن الانتصار، لكنه يعود للحديث مرة أخرى عن الحلول السياسية، مما يعني أن نصر الله نفسه غير مقتنع بما يقول، وإلا فإذا كان مؤمنا بأن الأسد قد انتصر فلماذا الحديث عن الحلول السياسية؟ فالمفروض أن يتحدث عن الحلول السياسية الآن من يشعر بالهزيمة، وليس من يعلن الانتصار! فإذا كان نصر الله يقول إن الأسد قد انتصر فلماذا يطرح الآن ضرورة أن يكون الأسد جزءا من الحل، ويدعو إلى حلول سياسية؟
الحقيقة أن تصريحات حسن نصر الله هذه ما هي إلا مجرد أحلام وأوهام لنصر الله نفسه، وللحزب كذلك، وخصوصا أنهم يعون جيدا أن المعركة لم تحسم في سوريا، وأن الأسد يعيش الآن بسبب الوصاية الإيرانية المتمثلة بدفاع «حزب الله» العسكري عنه، وهو الأمر الذي لن يستمر طويلا فـ«حزب الله» لا يستطيع التمدد في كل سوريا، مما يعني أن لا سيطرة حقيقية للأسد على كل سوريا، كما أن «حزب الله» يعي جيدا أن مقبل الأيام سيكون مختلفا، ولذا نجد نصر الله يقول اليوم ما لم يجرؤ الأسد نفسه على قوله، وهو الانتصار، وضرورة رضوخ الجميع للأمر الواقع بسوريا، فالعالمون ببواطن الأمور في الملف السوري يعون أن العمل قائم على قدم وساق لدعم الجيش الحر، والمعارضة، وأن مقبل الأيام سيكون مختلفا.
ولذا فإن حديث نصر الله الأخير عن انتصار الأسد يؤكد أن الحزب يريد حشد صفوف مؤيديه مرة أخرى، خصوصا أن خسائر الحزب في سوريا لم تعد سرا، ومن هنا فإن أحدا لن يتوقف عند حديث نصر الله عن انتصار الأسد المزعوم، كما أن تصريحاته هذه لا تقدم ولا تؤخر لأنها مجرد دعاية سياسية صرفة، فما يحسب بسوريا هو النتائج على الأرض، وليس حديث نصر الله أو مهزلة إعادة انتخاب الأسد.
الشرق الأوسط
رصاص لبناني احتفالاً به!/ حازم الامين
ماذا يعني أن يحتفل لبنانيون بـ «فوز» بشار الأسد في الانتخابات السورية؟ أن يطلقوا الرصاص ابتهاجاً، وأن يسيّروا مواكب ويوزعوا حلوى؟ وهؤلاء لم تُفاجئهم طبعاً النتيجة، ذاك أن صحفهم اللبنانية كانت قالت لهم قبل أيام من «العرس الديموقراطي السوري» إن سورية ذاهبة لانتخاب رئيسها. وعلى رغم ذلك احتفلوا بالنتيجة وأطلقوا رصاصاً كثيفاً!
كانت ليلة قبيحة فعلاً، وكانت الضغينة مستيقظة، والرغبة بالثأر مشتعلة. فليس في لبنان من يساوره شك في أن ما جرى لم يكن انتخابات. المحتفلون على رأس هؤلاء، وهم ما إن تقترب منهم حتى يُخبروك أن المسألة لم تنطلِ عليهم. وهم أيضاً يعرفون أننا حين نشاهدهم محتفلين ببشار الأسد، نكون مدركين أن ما يرقصون من أجله ليس ما كشفته صناديق الاقتراع، إنما هي مجرد فرصة للرقص ولتتكشف الصدور عن كراهية غير مسبوقة لمواطنين مثلهم، يعيشون في المبنى المجاور تماماً.
كيف يمكن المرء أن يرقص لـ «فوز» بشار الأسد في الانتخابات؟ أي شقاق في النفس يُكابده المقدم على هذه الفعلة؟ يمكن المرء أن يفهم أن تُقاتل أحزاب مع بشار، فهذه مصالح ومذاهب وحروب، ولكن أن يحتفل المرء بما يُغضب الآخرين ولو أدى ذلك إلى دفعه ثمناً أخلاقياً، ففي ذلك إخراج للنفس من شرطها الإنساني. إنه الانقسام المذهبي وقد وصل صدعُه إلى مكان في الوجدان لا يمكن رأبه بغير الجراحة.
المشهد في بيروت عشية إعلان نتائج «الانتخابات» السورية كان على النحو التالي: لبنانيون يعرفون حقّ المعرفة أن ما جرى لم يكن انتخابات، وعلى رغم ذلك قرروا أن يحتفلوا بنتائجها. أسباب الاحتفال إذاً لم تكن النتائج إنما تحدي مشاعر آخرين. إنه شعور غامض بالضغينة لا تفسّره السياسة. ذاك الرجل الذي ظهر في الشريط يُطلق رصاصاً باتجاه قصر بعبدا وينطق بعبارات الضغينة، ليس جزءاً من مشهد سياسي. هو جزء من شقاء نفسي جماعي، ومن فصام أعمق من الانقسام اللبناني الظاهر. فمن المفترض أن يكون الرجل في حسبة الانقسام مناصراً لـ «حزب الله»، والأخير أيضاً من المفترض أن يكون في سياق تسجيل مزيد من الانتصارات! وفي وعي هذا الجمهور حقائق أن «حزب الله» انتصر على اسرائيل وينتصر على سورية، بل إن جمهور «حزب الله» يعتقد اليوم بأن سورية بنظامها وجيشها ومُدنها صارت في قبضته. اذاً ما جوهر هذه الحاجة الى الانتقام؟ المهزوم هو مَنْ يشعر بهذه الحاجة وليس المنتصر! فهل ثمة هزيمة داخلية غير تلك التي يُفصح عنها الحزب لـ «شعبه» ولنا؟
علينا فعلاً أن نبحث عن هذه الحاجة للثأر، وأن نتقصى موضوعها. فمُطلق الرصاص، رمزياً، على قصر بعبدا، يعتقد بأن الحزب انتصر على الرئيس، وهو على الأرجح محقّ في اعتقاده، ذاك أن الحزب بقي فيما الرئيس غادر. إذاً أيّ حاجة يُشبعها في إطلاقه أكثر من 500 رصاصة باتجاه قصر بعبدا، أو باتجاه الطريق الجديدة؟ لا شك في أن هزيمة غامضة يشعر بها تدفعه إلى فعل ما يفعله. المُحتفلون بفوز بشار الأسد في «الانتخابات» أيضاً يصدرون عن شقاق مشابه. ثمة هزيمة أصابتهم، وها هم يُشهرونها نصراً في وجه مهزومين مثلهم.
ثمة قاعدة أرساها «حزب الله» منذ سنوات في لبنان. أساس نفسي تمّت مراكمته على مدى سنوات من «الانتصارات». إنها علاقة مع الآخرين لا تستقيم من دون انتصارات. فـ «حزب الله» لا يمكن أن يكون حزباً من دون انتصارات. على هذا الأساس يُشارك في الحكومات، وعلى هذا الأساس أيضاً يترشح للانتخابات، وعلى هذا الأساس يُقيم أفراده ومسؤولوه علاقاتهم العامة والخاصة. لا يمكن أن تُصادف رجلاً في الحزب من دون أن تتخيّل أن في حوزته حزمة انتصارات، يخرجها من جيبه ويضعها أمامك على الطاولة فتبدآن الحديث انطلاقاً من هذه الحقيقة.
الأرجح أن الحزب لا يُريد تظهير «انتصاراته» في سورية على هذا النحو، فهو يدفن قتلاه هناك بصمت، ولا يُفصح عن «بطولات» في المعارك على نحو ما يفعل في معاركه الأخرى. لكن الحزب أُسقط في يده، فانتقلت الحاجة إلى الانتصارات إلى بيئته وصارت لغة المخاطبة الوحيدة التي يجيدها هؤلاء. لكن «السيندروم» تطور لاحقاً عندما اهتزّ بفعل اهتزاز النظام في سورية، وهو ما أدى الى استجابات عنيفة لأي انتصار وهمي.
يُدرك مطلقو الرصاص ابتهاجاً بـ «فوز» بشار الأسد أن ما شهدوه ليس فوزاً في انتخابات، ولكن لشدة ما أعيتهم متلازمة النصر صاروا أسرى اشتغالها في وجدانهم. صار ما جرى فعلاً انتصاراً، ولكي يصير كذلك، كان لا بد من صقله بالرصاص، ولا بد من بعث الآخرين على الانفعال والكراهية. فلكي يتحقق فوز كاذب في وجدان فصاميّ، لا بد من شحنات سلبية تأتي من خارجه فتُستدخل في النفوس ويحصل الصدام وينتصر بشار. فقد كابد هذا الوجدان طوال السنوات الثلاث الفائتة، وهي سنوات دخول النظام السوري في محنته الكبرى، صدمات قاتلة وشعوراً صامتاً بالهزيمة، وأصيب بانعدام في التوازن لا يمكن إلا أن يُنتج هذا النوع من ردود الفعل.
هذا تماماً ما جرى لذلك الشاب الذي كان يُطلق الرصاص، رمزياً، باتجاه قصر بعبدا حين غادره الرئيس الذي لا يُحبه «حزب الله». ففي الوعي الشقيّ لهؤلاء الفتية يقين بأن الرئيس كما كل رئيس يخاف من الحزب، وهو بقي كذلك إلى أن قال ميشال سليمان عبارته الشهيرة عن «اللغة الخشبية للمقاومة». «حزب الله» يمكن أن يستوعب بجسمه التنظيمي والسياسي ارتدادات هذه الصفعة الرئاسية وأن يبني على الشيء مقتضاه. لكن فتية أسطح المباني لا يملكون مما يرأب الصدع الداخلي سوى الرصاص.
إذاً لنطلقْ الرصاص باتجاه قصر بعبدا بعدما فرغ من شاغله. لنطلقْ الرصاص ابتهاجاً ببشار الأسد. ولتنبعثْ الكراهية من كل اتجاه.
الحياة
انتخابات مصر وسورية بين الصراع والنزاع/ حسن شامي
المطر الانتخابي المنهمر، بغزارة غير معهودة، على بلدان الربيع العربي، يفيض كثيراً عن منطق اللعبة الانتخابية. ويصح القول إنه يقلّ كثيراً عن معنى الاحتكام إلى صناديق الاقتراع. وهذا يجيز لبعضهم الاعتقاد بأن سنونوات الربيع العربي ضلت طريقها أو أخطأت في تقدير الفصل الموعود. ولا غرابة في الأمر، فنحن في زمن يزدهر فيه الضلال والضالون وفاقدو البوصلة.
تجري الأمور كما لو أن الخروج من الدوامـــة يفضي إلى الفوضى والمتاهة، وكل ما يشتق منهما. سنسارع إلى القول إن الــزيادة والنقصان مقيمان في صورة السلطة كما صنعتها ولا تزال فئات حاكمة أو طامحة إلى الحكم من دون الاحتكام إلى مرجعية حـــقوقية مشتركة. في خلفية هذا الاضطراب خــلط بيــــن فكرتين شائعتين نشكك في ارتسام حدود للتمييز بينهما: الصراع والنزاع. ما جـــرى ويجري أمام أنظارنا، في مـــصر وسورية تحديداً، ليس سوى تمرين متـــنوع على الخلط بين الصراع والنزاع. وثمة مزيج من الدهاء والصلافة والابتذال في لعبة الخلط هذا، ما يرشحه للتفاقم والاتساع.
حصلت في مصر انتخابات رئاسية على مقاس المرشح الفائز سلفاً، أي الفريق عبد الفتاح السيسي. فالرجل استند إلى احتجاجات شعبية على حكم الرئيس محمد مرسي المنتخب ديموقراطياً في ظل صراع مكشوف ومعلن على السلطة وعلى الدولة في آن. من هذه الاحتجاجات استمد السيسي شرعية شعبية تخوله القيام بانقلاب على مرسي وعلى حزب «الإخوان المسلمين» بعد تصنيفهم منظمة إرهابية. بعد عام واحد على حكم مرسي وأخطائه الكثيرة نجح السيسي في تحويل الصراع معه، وهو صراع مؤهل لأن يكون سلمياً، إلى نزاع مكشوف شبه أهلي تخللته مواجهات أدّت إلى سقوط قرابة ألفي قتيل واعتقال أكثر من 15 ألف شخص وصدور أحكام بإعدام مئات من أعضاء «الإخوان».
الحالة المصرية مدوخة ليس فقط بسبب تعاقب جارف جعلها تعرف خلال أقل من ثلاث سنوات ثلاثة رؤساء، بل كذلك بسبب رقصة الأرقام الانتخابية التي تشبه الرقص المحموم لطرد الشياطين والأرواح الشريرة المتنقلة. حصل السيسي على نحو 97 في المئة من أصل 44 في المئة من المقترعين فيما يشكك كثيرون في صحة هذه النسبة ويخفضونها إلى نصفها، ما يعني أن المقاطعة كانت أكبر من المتداول رسمياً.
لا نعلم أين وكيف تبخّرت نسبة العشرين في المئة التي نالها حمدين صباحي في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية الحقيقية التي تنافس فيها، على الأقل، أربعة مرشحين كبار. اعتراف صباحي بهزيمته على رغم طعنه القانوني ببعض وجوه الانتخابات، لا ينتقص من قيمة السؤال. في المقابل يمكن تفسير الفارق الملحوظ بين أول انتخابات تشريعية حصد فيها الإسلاميون وحدهم ثلاثة أرباع الناخبين وأرقام الانتخابات الرئاسية التي منحت مرسي أقل من ربع أصوات الناخبين. هناك بالطبع احتدام التنافس داخل صفوف الإسلاميين، وهناك اختلاف المزاج الاقتراعي تبعاً لطبيعة الاقتراع ورهاناته، وهذا أمر معروف في سوسيولوجيا الانتخابات. وهناك أيضاً إعادات النظر التي يمليها حراك متصل وصاخب مع كل ما يحمله من آمال ومخاوف ورغبات في الانكفاء على الأمن والاستقرار، خوفاً من المجهول. قصارى القول إن وقائع الفوز المعلن للسيسي، قبل إجراء الانتخابات، تدل على أن المطلوب إدارة نزاع مفتوح مع ظاهرة متجذرة وحمّالة أوجه في البيئة الإسلامية المصرية الحديثة، أي «الإخوان». ولا بأس، وسط هذه المعمعة، من تأديب عدد من الناشطين اليساريين والليبراليين المستقلين. فهؤلاء طوباويون أكثر من اللازم ويجدر بهم أن يتخففوا من أحلامهم الثقيلة بالعدالة الاجتماعية، وفق ما ينصح فقهاء واقعية سائدة بمقدار ما هي مفروضة فرضاً بمقتضى الموقع المصري الوازن والحساس عربياً وإقليمياً ودولياً. وهذا بالضبط ما يحمل الدول الوازنة على الإقرار بشرعية الانتخابات الأخيرة ونتائجها تمهيداً للتعامل معها.
في الحالة السورية يرتفع، بطبيعة الحال، منسوب الدهاء والصلافة. وقد بدا لكثـــيرين تنظيم الانتخابات وإجراؤها مشهداً ســـوريالياً رهيباً، أي يفيض عن الواقع فيضاً مرَضياً. وهذا الفائض من استعراض الولاء يأتي للتعويض عن نقص في شرعية السلطة والانتخابات التي حصلت في المناطق التي يسيطر عليها النظام، ومن ضمنها مدن كـــبرى أو أجزاء منها. فليس هناك تطابق بين المساحة الجغرافية التي تسيطر المعارضة المسلحة على نصفها تقريباً وبين أعداد الناخبين المفترضين. والأرجح أن النظام عوّل، بمكره المعهود، على هذا التشخيص لإقناع القاصي والداني بأن نسبة المشاركة التي ناهزت 74 في المئة ليست محض اختلاق. ولا يعود مستغرَباً أن يحصل بشار الأسد على نسبة 88.3 من الأصوات وفق النتائج الرسمية التي أعلنها رئيس مجلس الشعب. بل يبدو أن النظام قدّم تنازلاً ملحوظاً لمجرد القبول بحصول المرشح الفائز حكماً على أقل من 90 في المئة، وبحصول منافسيه المغمورين على نسب يصل مجموعها الحسابي إلى مليون صوت، ويضاف حوالى نصف مليون صوت مبطل.
يحصل هذا الاستعراض في ظل حرب معلنة وأهلية تتواصل فصولها الدامية، المثقلة بالدمار والقتل والخطف والنزوح، منذ أكثر من ثلاث سنوات. نعم، يمكن توصيف الأشهر الأولى للحراك الاحتجاجي السوري بأنه صراع سلمي ومدني مع سلطة استئثارية وسلطانية محدثة. غير أن هذا الصراع سرعان ما تحول نزاعاً مسلحاً ومكشوفاً، يصعب الفصل فيه بين الثقل الداخلي للاحتجاج الشرعي وبين النزاع الدولي والإقليمي على موقع سورية في صراعات المنطقة ونزاعاتها.
ستظل الصفة الشرعية لانتخاب الأسد مادة سجال بين مؤيدي النظام والداعين إلى إسقاطه. وإذا استثنينا فئة المعارضين الديموقراطيين المتمسكين بمقدار من الاستقلالية والثوابت الوطنية، يكاد السجال أن يكون نزاعاً بين مكرين، ما يحوّل سورية حقل تجارب على البشر والحجر: صلافة ضد صلافة. إشهار النظام لفوز مرشحه لن يعفيه من كلفة التوصل إلى حل سياسي لا يكون الوجه الأمني عنوانه الوحيد. ويفترض، في المقابل، أن تقوم المعارضة بمراجعة نقدية لسياسة بدّدت فرص استقلال القرار السوري، وسمحت بخصخصة النزاع وتدفّق جهاديين وتكفيريين لا يتركون محلاً لأي صيغة صراع سلمي.
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى