صفحات سوريةكمال اللبواني

من الجريمة ضد الإنسانية إلى المجتمع التعددي؟


د. كمال اللبواني

في التاريخ هناك العديد من الجرائم ضد الإنسانية والحروب القذرة، لكن الوحشية التي تمارس داخل سوريا وعلى يد بعض أبنائها، هي ظاهرة فريدة في التاريخ، تستثير رغبة البحث عن أسبابها، خاصة إذا كنا نريد إعادة بناء المجتمع والعقد الوطني على أرضية تعددية.

نحن نعتقد أن السبب في هذه السوية المرتفعة للبشاعة والنوعية الفريدة من الفظاعة، لا يعود إلى عامل واحد بل إلى مجموعة عوامل متعددة معا : النظام السياسي الاستبداد الشمولي الستاليني النموذج، المتداخل مع الدولة المخابراتية البوليسية المافيوية الفاسدة المتغولة، الممزوج مع نموذج حكم سلطاني تقليدي لا قانوني عصبوي قائم على شرعية العنف والغلبة وعصبية الولاء. تلك العصبية التي تقوم على أساس أسري ـ طائفي، (أسرة حولها عائلات وومحيط من لون طائفي يعمل بعقلية أقلوية، يعيش ويكرس حالة صراع وتعارض قديم- جديد مع الغالبية في المكون المجتمعي ولديه ميل تاريخي دائم نحو التعاون مع الخارج والمعادي). شكلت هذه التركيبة قاعدة النظام ومحيطه الاجتماعي، وبررت هذه القاعدة لنفسها استباحة المال العام والخاص، والاستيلاء على السلطة والثروة، والعيش بنعيمهما معا ومارست قيما لا تحرّم الاعتداء على الغير وقتله وسلبه وتعذيبه، تحدثت باسم الطائفة من دون مرجعية دينية نصوصية معروفة، ولا شخصيات دينية أو مؤسسات معلنة .. إضافة إلى أن الجيل الجديد من السلطة الذي يحكم الآن، هو من أبناء المسؤولين الذين تربوا في السلطة المستبدة وفي الثكنات وعلى أيدي المرافقين والحراس والخدامات، ولم يخبروا يوما غير حياة التسلط والمجون والعدوان، ولم يعرفوا أو يسمعوا يوما بالضوابط أو الضمير، ولم يتعرفوا بالثقافة ولا التعليم، ولم يلمسوا وجود الآخر غير المطيع، فالآخر هو دوما موضوع لساديتهم وعنفهم، وعليه أن يتقبل ذلك بخنوع ومهانة …. مقدار لذة السلطة والتمتع بها، هو بمقدار إطلاقها، ومقدار عدوانيتها وتجبرها والخوف من زوالها أيضا، وبمقدار سوية العنف المبذول في الدفاع عنها (اقصد هنا مزيج المتعة والخوف معا).. أما مرتكبو هذه الجرائم فهم متطوعون (شبيحة) يختصرون كل هذا بأنفسهم، ويتعاطون الأدوية والمخدرات والمسكرات وكل أنواع المجون، ويتباهون بها ويحرصون على مظاهر القوة والقسوة المبالغ بها جسدا وتسليحا .. لكنهم يخافون كثيرا من سقوط رمزهم وما قد يتبعه من سقوط لكامل نظامهم، أو ما قد يستتبع من انتقام، على قدر الجرائم المرتكبة وهم يعرفون ما اقترفت أيديهم.

ومع ذلك هناك من يفترض إمكانية الانتقال نحو الديمقراطية والسلم الأهلي، هكذا بورقة جميلة تدعو للعيش المشترك، من دون إعادة إنتاج مكونات المجتمع على أسس واضحة، أي من دون الإصلاح الثقافي، والثقافي – السياسي الجذري، فيكثر الحديث مثلا عن مجتمع متعدد المكونات، وحقوق الأقليات، بل يكاد يجمع كل منظري المعارضة اليوم على أن سوريا يجب أن تكون دولة مدنية تعددية، وأن المجتمع متعدد المكونات، وأن النظام يجب أن يعترف بحقوق الأقليات القومية والدينية والطائفية .. من دون تعريف من هو المكون القومي أو الديني أو الطائفي القابل للمشاركة وما هو، وأهم من ذلك تعريف الدين والطائفة، ومعرفة شروط تكوين المجتمع، وضوابط العيش المشرك، التي يجب أن تحترم، وأن تكون ملزمة لهذه المكونات كي تستطيع أن تتعايش معا.

ألا يتوجب على كل مكون يريد الاعتراف به أن يعبر عن نفسه وعن محتواه ومبادئه وغاياته ومرجعياته لكي يتم الاعتراف بمعلوم وليس بمجهول، بحقيقة مشهودة وليس بسر مبهم يمكن تغييره متى نشاء، كيف يمكن الاعتراف بدين ليس له كتاب ولا مرجعية ؟ .. أو بمكون مجتمعي من دون أن يعبر عن احترامه لحقوق الإنسان الأساسية وأهمها حق الحياة، وحق التملك، والحريات العامة. ومن دون أن يكون مسؤولا عن الالتزام بها.

هناك خشية عارمة من السلفيين والأصوليين الذين (قد) لا يحترمون الحريات العامة والخاصة. ويفرضون قيودا على اللباس والإعلام والفكر.. وبعض أنواع الطعام والفنون.. لكن أحدا لم يسأل عن آخرين يتحدثون باسم طوائف وديانات، ويبيحون الكثير من التجاوزات على حقوق الآخرين، المادية والمعنوية، ومنها حق الحياة، ويرسخون الحقد على الآخرين في تربية أطفالهم.

ماذا يتبقى من المجتمع والحياة المشتركة إذا لم نتعارف ولم نحترم حقوق بعضنا، وبدأنا نتكاذب ونخفي ونستتر، ثم نتآمر ثم نتصارع، ونتعاون مع الأعداء .. هناك تاريخ لكل مجموعة دينية عرقية لا يمكن القفز فوقه من دون مراجعة موضوعية. وكل كلام نظري لا ينتج عن تأني ولا يدرس بعمق تاريخ وتكوين ومعتقد وسلوك كل جماعة، أو مكون اجتماعي. لا يستطيع صياغة صيغة عيش مشترك بمجرد كتابة الكلام الجميل، إنه عندها يكتب مشروع حرب أهلية (مستترة أو معلنة) تحت خيمة دولة قهرية أو لا دولة.. نعم نحن نريد العيش المشترك، ونقبل بمجتمع متعدد، لكن لا بد من صيغة حقوقية قانونية لهذا المشترك، فوجود الدولة يفترض احترام القانون والحقوق، التي من دونها لا يمكن تصور سلم اجتماعي. فالقانون والعدالة هم أساس العيش المشترك.

وبسبب غياب سلطة الدولة القانونية. وبسبب جرائم شبيحة النظام البشعة، وبسبب غياب العدالة وخراب آلياتها، وبسبب تدني الثقافة الحقوقية وخاصة ثقافة حقوق الإنسان .. تحدث عمليات انتقام .. ويمارس حق القصاص بشكل مباشر وفردي ومزاجي، من دون مؤسسة قانونية محايدة، فتتراجع السوية الأخلاقية للعدالة إلى سوية الانتقام والعدوان المضاد والثأر. وتنتهك حقوق الإنسان بشكل سافر من قبل الطرفين، في ظل اللادولة / اللاعدالة، في ظل حرب أهلية معلنة أو مستترة، في نهاية المشهد قد لا نستطيع تمييز أيهما أكثر وحشية، وان كنا نرى معتدي ومعتدى عليه، وبادئ ظالم ومنتقم ثائر لأخذ الثأر.

إذن ولكي نتحدث عن دولة، وعن مجتمع تعددي، وحقوق للأقليات لا بد من أخلاق متبعة ومحترمة، ولا بد من وضع معايير تتناسب مع فكرة الدولة والعدالة وسيادة القانون، وآليات التفويض والتمثيل، ومعايير النزاهة والشفافية.. وكل مجموعة لا تنطبق عليها هذه المعايير، لا يمكن أن تعتبر مكونا مجتمعيا، ولا يمكن التساهل مع نشاطها (الهدام) كمجموعة معادية للاجتماع والأخلاق، مما يستوجب العمل على تفكيكها بالقانون المكلف بحماية الاجتماع الإنساني. وهذا لا يتناقض مع حر ية الاعتقاد، فحرية الاعتقاد لا تعني التغاضي عن قيام مجموعات جريمة منظمة (باسم الطائفة )، أو (مليشيات عسكرية حزبية فئوية مسلحة) منفصلة عن سلطة الدولة، والدين ليس مكاناً لشرعنة الجريمة ،ولا هو أيديولوجيا حرب وعداء، بل منبع للقيم والأخلاق والمحبة، وليس مؤسسة عسكرية حربية، ولا حتى منظمة سياسية. وكل طائفة أو مذهب أو عقيدة لا تحترم الحقوق الأساسية نظريا وعمليا فكرا وممارسة، تتحول إلى منظمة ضد ـ مجتمعية، مؤسسة حرابة وخروج وجب حظرها. وهنا لا بد من تطوير وسائل العدالة لمحاكمة ليس فقط الأشخاص بصفتهم الشخصية، بل المنظمات بصفتها الاعتبارية، وكذلك الفكر المؤسس لها، طالما أنه يفترض بها أن تلعب دورا معترف به في المجتمع التعددي، لتحاسب على سلوكها وموقفها، وسلوك عدد كبير من أفرادها بشكل منهجي ضد مكون آخر. إذا لم تتخذ موقف معلن وعملي من هذا السلوك وفي الوقت المناسب .لذلك أرى أن الحديث عن مجتمع تعددي يستتبع تحمل كل مكون مسؤوليته تجاه المكونات الأخرى وتجاه المجتمع الذي له في النهاية هوية وطابع مهما كان تعدديا، وبالتالي تحمل المسؤولية عن السلوك الجمعي لأفراده. وهكذا وإذا اردنا الاعتراف بالتعددية، فذلك يتوجب منا تطوير وتغيير النظام السياسي القانوني كله.

في النهاية أرى أنه لا بد من استكمال الثورة السياسية لإعادة إنتاج السلطة الديمقراطية، وبعدها الثورة الاقتصادية، لإعادة توزيع الثروة وتفعيل أخلاقيات التعامل الاقتصادي، ومن ثم القيام بثورة ثقافية. تهييء لإعادة إنتاج المنظومات الثقافية بشكل متلائم مع فكرة الدولة والعدالة، ومع الحضارة والحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان وقيم وروح العصر. لا بد من مراجعة شاملة، بل إعادة إنتاج كل المنظومات الدينية والطائفية، لكونها منظومات معرفية- قيمية لها تأثيرها الكبير على السلوك .. ومن دونــهــا (أي الثورة الثقافية الدينية) لا يمكن الحديث عن مجـــتـــمع متــعدد المكونات، كما لا يمكن القفز نحو الدولة الحديثة القانونية أو نحو السلم الاجتماعي والديمقراطية معا في مجتمع تعددي. باختصار بعد هذه التجربة المريرة لا يمكننا الركون إلى فكرة أن الديانات والطوائف تدعو للتسامح، من دون ضوابط ومعايير. ومن دون عدالة لا يمكن الحديث عن سلم اجتماعي وعيش مشترك، العدالة التي تشمل أيضا محاكمة المجموعات والمؤسسات التي ينتمي إليها المجرمون والتي هيأت الحاضنة لارتكابهم هذه الجريمة.

وعندما ننجز هذه الثورة سوف نكون نموذجا حضاريا، يمكن أن يتكرر في الجوار ويتشارك معه، مما يهيئ لقيام دول تعددية أوسع وأوسع، ويعيد دمج المنطقة المقسمة بشدة والمتصارعة بشدة، بدولة اتحادية قانونية تعددية كبيرة، تستوعب التنوع وتحقق الوحدة الإقليمية، وهو المشروع الوحيد للحضارة والاستقرار والسلم والتقدم في الشرق الأوسط، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يعوض جزئيا عن الثمن الإنساني الباهظ الذي ندفعه، فالخسارة الحقيقية أن ننحدر نحو الوحشية والحرب الأهلية، والربح الحقيقي أن نتجاوز جراحنا ونعرف كيف نعيد بناء مجتمعاتنا على أسس واضحة.

‘ كاتب سوري

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى