صفحات الثقافة

مواسم هجاء المثقف/ دلال البزري

    كلما اشتد الخناق على واحدة من الثورات العربية الجارية، كلما تعثرت أو خُنقت أو إلتوى مسارها، كان للمثقف العربي نصيب وافر من الهجاء: لم يقُدْ ولا أنقذ ولا “نفع”، فوق انه لم يعبر عن “الجماهير”،  وبقي على هامش الزلزال… فهو “خان”، بالتالي، خان نفسه، أو شعبه أو قضيته أو فكرته.

وبما ان الذين يشنون هذا النوع من النميمة، العالية الشأن، هم أيضا مثقفون، فلا بد انهم يستعينون بذخيرتهم الفكرية نفسها التي في البال، عندما يتناولون نظرائهم: من هذه الذخيرة، تصورات موروثة عن المثقف، من عصر “النهضة” خصوصاً، تمنحه هالة وقدرة على تغيير توجهات المجتمع وإحداث تقدّم كان وقتها منشوداً، أو ممكناً. طبعاً نحن هنا لسنا معنيين بصحة هذا التأثير النهضوي، أو قدر المبالغة الذي ينطوي عليه. المهم هنا، بالنسبة لموضوعنا، ان هجّاءو انفسهم من المثقفين يأخذون عليهم انهم ليسوا قادة، ولاهم أصحاب مشاريع كبرى أو حتى صغرى؛ ليسوا “عضويين”، أي مندمجين في كل آليات إنتاج السياسة لمجتمعاتهم، وهو المعنى “الغرامشي”، الذي بقي المثقفون العرب يتغزلون به خلال عقدين من الزمن، ويعقدون من أجله المؤتمرات، ويحيطون صفة “العضوية” هذه بالهال والبخور…. لا ليسوا، ولم يكونوا عضويين، خصوصاً في الأيام التي كانوا ينشدون فيها “العضوية” التامة. أما الآن، وبعدما نضجت البنى الطائفية المذهبية على النار التي كنا نتراقص أمامها من أجل “المثقف العضوي”، أصبح من المستحيل ان يكون المثقف العربي اليوم “عضويا”، إلا بشرط واحد: أن يكون منخرطاً في مشروع طائفته أو مذهبه… وبدرجة أقل في مشروع عسكر أو ديكتاتورية. المثقف العضوي الطائفي ليس نموذجاً كثير الغزارة أو الإبداع، والأرجح أن لا وزن له في إتخاذ القرار (لو كان القرار لـ”قيادته”)، ولكن، له موضع وموقع ودور ومحل إعراب. تواضع قدراته لا يثني قيادته عن إبرازه وتفعيل صورته كلما إحتاجت الى المزيد من الرأسمال الرمزي.

بالأساس، ما المطلوب من المثقف؟ من دون غوغائية ثقافية، نقصد، خارج وظيفة “العضوية”، الباعثة على كل هذه الحسرة، هل يمكن لنا الإجابة على ما المطلوب منه؟ وهل المطلوب أن يكون مطلوباً منه شيئاً محدداً؟ في هذا الزمن الفوضوي بالذات؟ في زمن، يتبعثر فيه المثقفون، بين تيارات ووجهات نظر وتصورات… ولكن أيضاً بين ذاتيات، ضخمتها ظروف الفوضى نفسها. المثقف هذا، المطلوب منه شيئاً، لا يمكنه مقاومة النرجسية، بمعناها غير الأنيق، لأنه لوحده، متروك لمصيره، يقتلع المعنى من حجر محيطه المجفف. لأنه غير عضوي، فهو موضوعيا، ذاتي، تدور كل حياته حول كتاباته وإنتاجه وإسمه. كلما كتب، ولو بحذاقة عالية، عن مدى التزامه بهذا المبدأ أو تلك القضية، بدا ضعيفاً في حجته. وإذا كانت كتاباته على قدر من الإضافة، أو التفسير، أو التخيّل، فأكثر الله من خيره. اذ يكون بذلك قد تجاوز تعاسة شروط إنتاجه هذه، المادية أو المعنوية.

ذاتية المثقف آخر متاريسه أمام تغير أو تدهور وظيفته، وقد زادتها ثقافة الصورة تراجعاً. كل ما يحميه منها هو نظافة هذه الذاتية، وتشبّعها الثقافي.

ذلك ان “مهمة” جسيمة تنتظره أمام ذيوع هذه الصورة بالغرافيتي والرسوم الكاريكاتورية والتشكيلية، والأغاني وأشرطة اليوتيوب والكلمات المتقطعة التي تسيل على مواقع التواصل الإجتماعي، فضلاً عن التلفزيون. وكلهم يهتفون بعدم حاجتهم الى الثقافة المكتوبة، الى الكلمة، إلا بقدر خدمتها للصورة.  وكلهم لا يدركون، بحماستهم الجديدة هذه، انه، مع الزمن، كلماتهم القليلة سوف تُستنفد، فيغرقون في فراغ معانيها؛ وساعتها، سوف يسألون: “أين المثقف؟ بكل ثقل دمه وغلاظته؟”.

المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى