صفحات المستقبلياسين السويحة

والآن، ماذا سيفعل الإخوان المسلمون؟


ياسين السويحة

ليس اﻻنفضاض السياسي الدولي عن المجلس الوطني السوري بعيداً عن اتهامه بأنه عبارة عن منصّة عمل يهيمن عليها الإخوان المسلمون ويمسكون بكل مفاصل القرار والعمل فيها، وإن لم يكن هذا إﻻ سبباً من ضمن أسبابٍ أخرى كثيرة جلّها يعود إلى الهرم والعجز الهائل الذي وقع المجلس به، والمشاكل الكثيرة التي لم تُحل بل هُرب منها دوماً إلى اللامكان (التوسيع الأخير المقترح مثالاً)، وعلينا أﻻ ننسى أن اﻻنفضاض الدولي يأتي بعد شهورٍ عديدة من تآكل عميق في شعبيّة المجلس الوطني لدى الشارع الثائر، والذي رأى فيه بدايةً خياراً جذرياً واضحاً ضد عنفٍ سلطوي وحشي ومنفلت.

لقد تركَ عقم المجلس وانصرافه إلى إدارة خلافاته الداخلية وصراعات المعارضة- المعارضة خلفه فراغاً، ومن المشروع، بل ومن المطلوب، أن تحاول جهة سياسيّة ما أن تعمل على شغل الفراغ. من هنا، ودون أيّ إضافاتٍ لما ليس حتّى الآن إﻻ إعلان نوايا، ليس من حقّ أحدٍ الطعن في مشروعيّة ظهور هيئة المبادرة الوطنية السوريّة، وﻻ في حقّ رياض سيف في أن يُرشّح نفسه لما يشاء. الزمن (والمجريات التي يحتويها) كفيلٌ بوضع كلّ في مكانه. من المشروع أيضاً أن نربط ظهور هذه المبادرة الجديدة مع اﻻنتقادات القوية التي أطلقتها هيلاري كلينتون ضد المجلس الوطني، سيما وأن ما رشح عن المواقف الغربيّة حتى الآن يشير إلى نظرة إيجابيّة تجاه مبادرة رياض سيف، لكن هذا المشروع يصبح شديد البؤس عندما يتم هذا الربط على طريقة الممانعة الموسميّة، كما فعل زهير سالم، أحد الناطقين البارزين باسم الإخوان المسلمين السوريين، بربطه بين “التدخل الصارخ بشأن المعارضة السوريّة” وبين “وعد بلفور”. هل الإخوان المسلمون السوريون ضد التدخّل الأجنبي، السياسي أو العسكري، بالمطلق؟ أم أنهم ضد التدخل الذي لا يواتي موقفهم السياسي؟ أليس من حقّ جمهورهم أولاً، وعموم السوريين ثانياً، معرفة إجابة من يعرّف عن نفسه بأنه أكبر حزب سياسي معارض؟

قبل أيامٍ قليلة، حال بدء تدفق الأنباء عن المبادرة السياسيّة الجديدة والموقف الغربي تجاهها، نشر الحساب الرسمي للإخوان المسلمين السوريين على تويتر ما يلي:

إذاً، من الطبيعي في الجماعة الأكبر والأكثر نفوذاً ضمن المجلس الوطني أن ترفض حتّى الحديث مع أركان وعناصر “المؤامرة الكبرى”. لكن، وبعد يومٍ ونيّف، خرجت الجماعة ببيانٍ يضع بعض الملاحظات التقنيّة وغير الجوهريّة على المبادرة، ولكنّه في المحصّلة، ومبدئياً، يوافق عليها ويرحّب بها.

الإخوان يعلنون عن وجود مؤامرة كبرى ضد المجلس الوطني، ثم يعلنون بعد ساعاتٍ عن مشاركتهم بها بعد وضع مجموعة ملاحظات تبدو وكأنها حفظٌ لخطّ العودة في حال فشل المبادرة أكثر مما هي مآخذ جوهريّة.

بإمكان الإخوان وأصدقائهم إرجاع اﻻنتقادات حول سلوكهم السياسي المفتقد للمبدئيّة والوضوح (إﻻ بما يخص الرأي الرافض، أو المؤجّل إلى ما ﻻ نهاية في أحسن الأحوال، لكل ما له علاقة بنقاش القضايا اﻻجتماعيّة، خصوصاً مسألة المرأة والفصل بين مؤسسات الدولة والأدلجة الإسلاميّة) إلى حقدٍ بنيوي على الحركة الإسلاميّة، أو على الإسلام ككل. بإمكانهم اﻻستمرار بإرجاع النقاشات السياسيّة إلى الفصام العلماني- الإسلامي (يساعدهم في ذلك، موضوعياً، علمانوية فاشيّة ﻻ تجد غضضاً في التحالف، بوضوح أو باستتار، مع الاستبداد والقمع ضدهم). لكنهم، سياسياً، الضحية الأولى لهذه العنجهيّة: بإمكانك الحفاظ، كحركة إيديولوجيّة دينية، على تعاطف قاعدة شعبية واسعة على مبدأ التضامن الهوياتي عندما تكون معارضاً غير مطالب بالإجابة على أسئلة جوهرية تخص الحياة اليومية للناس، لكن هذه الاستراتيجيا تتآكل بسرعة في السلطة، وقد تتآكل لمصلحة من هم على يسارك أو على يمينك، وأزمة الإخوان المصريين مع مسألة القروض الدوليّة مثالٌ ساطع على ذلك.

من حقّ الإخوان المسلمين أن يمارسوا السياسة، لكن ليس من حقّهم أبداً ممارستها دون تقبّل أنه من حقّ الآخرين رفضهم ورفض سلوكهم ونقدهم دون التعرّض لحملة غمز وتكفير مستتر ﻻ تشبه إﻻ ممارسات الطغاة.

دخل الإخوان ضمن تشكيلة إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي عام 2005، لكنهم ابتعدوا عنها دون أن يعلنوا خروجهم بصراحة عند انشقاق عبد الحليم خدّام بعد أشهرٍ قليلة. كان نائب حافظ الأسد يبدو حصاناً رابحاً حينها ضمن السياق الإقليمي والدولي التالي لاغتيال رفيق الحريري، والرغبة في انتهاز هذه الفرصة السياسيّة كانت أكبر مما يمكن أن يكون اعتراضاً مبدئياً على التحالف مع خدام، ليس فقط ﻷنه أحد رجالات النظام الأكثر فساداً ولصوصيّة في تاريخه كلّه، وإنما أيضاً للثقل الرمزي الذي يعنيه شغله منصب محافظ حماة عام 1964، العام الذي شهد أولى الهجمات العسكرية للنظام البعثي على المدينة- المعقل.

لاحقاً، وبعد توضّح أن عبد الحليم خدّام خرج ﻻنتهاء صلاحيته وصلاحية تحالفاته وليس لحظوظه السياسيّة، تخلّص الإخوان منه بطريقة شبيهة بتلك التي تحالفوا بها معه. هذه المرّة كانت البوّابة هي الجوّ الممانع لأردوغان وعلاقته النامية مع النظام السوري. أعلن الإخوان حلّ جبهة الخلاص (وغمزوا من قناة معاداة شريكهم للحركة الإسلامية ولـ”مشروع المقاومة”) وأعلنوا تعليق معارضتهم للنظام السوري منتظرين أن يحتضنهم “محور المقاومة”، وأن يكون هذا اﻻحتضان بيئة مناسبة لمصالحة وطنيّة.

قيل وكُتب الكثير عن تعليق المعارضة هذا، والذي استمر حتّى بدايات الثورة رغم عدم استجابة النظام لها بأيّ شكل، ولن نُزيد عليها اليوم إﻻ تذكيرنا أنه في الفترة التي منح فيها الإخوان المسلمون النظام السوري شهادات الوطنيّة والممانعة والمقاومة، وعبّروا عن رغبتهم في اﻻنضمام إلى هذا “المشروع”، كان رياض سيف ورفاقه في قيادة إعلان دمشق في الداخل حبيسي سجون الممانعة والمقاومة.

ﻻ دروس من أحدٍ لأحد حول شيء إذاًَ.. رجاءً !

من حقّ الإخوان أن يعتبروا أن التعنت بالتمسّك بالمجلس الوطني كخيارٍ أوحد، في ظلّ انفضاض شعبي وانعدام ثقة دوليّة، ليس خياراً سياسياً صائباً، وليس كذلك فعلاً على الأرجح، وإيجابيتهم تجاه المبادرة الجديدة، رغم أنها، عملياً، تحجّمهم مقارنةً بدورهم في المجلس، يمكن أن يُنظر لها من باب الواقعيّة السياسيّة. ما ﻻ يجوز هو استخدام الشعبوية والغمز من قنوات الآخرين، ﻻ سيما باستخدام الممانعات الموسميّة حيناً، وخلعها بعيداً حيناً آخر، خاصة وأن هذا اﻻستخدام يأتي من جماعة اعتادت فتح كلّ الأبواب، بما فيها الأبواب غير المشرّفة (التحالف مع خدّام وتعليق المعارضة مثالاً) إن بدا أنها تُشرف على منظرٍ مواتٍ.

يحقّ لإعلان دمشق أيضاً اتخاذ موقف جذري ضد مبادرة رياض سيف، وهذا موقف سياسي مشروع، ومشرّف، على الأغلب، في عيون أنصار الإعلان. ما ليس حكيماً هو تحويل هذا الرفض إلى خطاب سياسي أوحد، وأن يتحوّل إعلان دمشق إلى نسخة جديدة من هيئة التنسيق: انتظار فشل ما تعاديه كي تؤكد على أنك كنت تعرف أنه سيفشل وتتباهى بأنك كنت على صواب “ويا ريتكم سمعتمونا” دون تقديم حلّ مضاد، عملي وموضوعي ومبني على عمل سياسي، وليس على تعريف الذات بمعاداة الآخر، خاصّة أن الآخر ليس النظام الاستبدادي في هذه الحالة.

سوريا تستحق نخبةً سياسيّة أفضل..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى