صفحات مميزةياسين الحاج صالح

وطنيّتان: من الوطنية الممانعة إلى الوطنية الاجتماعية


ياسين الحاج صالح

في موازاة صراع اجتماعي وسياسي قاس تخوضه الثورة السورية، يدور صراع إيديولوجي أشد قسوة بعد. مفهوم الوطنية أهم عناوين هذا الصراع. وفي شأنه ستنظر هذه المقالة، التي هي أيضاً مساهمة في الصراع الإيديولوجي.

تفجرت الثورة السورية في سياق حركة «الربيع العربي»، ولأسباب اجتماعية وسياسية داخلية معلومة. وخاطبت مطالبها الخاصة بالحرية والكرامة والعدالة جمهوراً سورياً عاماً، وليس أية جماعات محددة فيه. وهي تستمد شرعيتها وعدالتها المبدئية من مواجهتها نظاماً يعامل محكوميه باحتقار يقارب العنصرية، وبقسوة تقارب الاستعمار في أشكاله الأشد وحشية. وبفعل استمرار النظام نفسه فوق أربعين عاماً، فإن الفريق الحاكم اليوم مكوّن من أناس أثرياء، فاحشي الثراء غالباً، جنوا ثرواتهم من مواقعهم في السلطة العمومية حصراً، وبوسائل غير شرعية وغير عادلة، بينما تتدهور مقدرات غالبية السكان.

لم يتحقق لسورية أي نوع من التقدم الوطني العام في ظل هذا النظام، لا على المستوى الاقتصادي والتكنولوجي، ولا على مستوى التماسك والاندماج الوطني، ولا في مجالي التعليم والثقافة، ولا على مستوى تحرير الأرض السورية المحتلة، بينما ينعم السوريون بواحد من أدنى مستويات الحريات العامة في العالم.

لذلك، الثورة السورية ضرورية اجتماعياً وإنسانياً، وبالمقدار ذاته وطنياً.

ليـس هذا بـالـطبع ما يراه النظام نفـسه، ولا شـركاء إيـديـولوجيون وغير إيديولوجيين له في لبنان بخاصة. من منظور هؤلاء لا يكاد يوجد داخل اجتماعي سوري. سورية طرف في صراع جيوسياسي وجيواستراتيجي بالمشاركة مع «حزب الله» في لبنان وإيران (وضع حماس يبدو آخذاً بالتغيير)، في مواجهة مفترضة للمحور الإسرائيلي – الأميركي، يبدو أن كل شيء وأي شيء يصادف أن تفعله هذه القوى مندرج فيها، ولو كان تعذيب السكان وقتلهم.

ولهذا الصراع أولوية مطلقة على كل شيء آخر. لذلك فما يجري داخل سورية ليس قليل الأهمية فقط، وإنما هو نيل من الصراع الآخر، حين لا يكون انخراطاً واعياً في مؤامرة خارجية يبدو أنها تتربص بالبلد على الدوام.

من هذا المنظور يبدو النظام معرّفاً برئيسه هو الضمانة لموقع سورية الحالي. عموم السوريين لا يبدون مؤتمنين على وطنهم.

النظام ذاته استند دوماً إلى عقيدة المؤامرة الخارجية في حكم البلد، وعينه على ما يقتضيه التماسك في وجه المؤامرة من إجماع داخلي. هذا لم يمنعه من أشكال متنوعة من التلاعب بالنسيج الاجتماعي السوري، لكن عقيدة المؤامرة وفرت له السند الشرعي لمنع أية مواقف انشقاقية أو معارضة، ولقمع أية حركات احتجاجية محتملة.

كان تاريخ النظام خلال أكثر من أربعة عقود، وفي الواقع منذ مطلع الحكم البعثي، هو تاريخ القضاء على أي من أشكال المعارضة أو أية انتظامات اجتماعية مستقلة.

تصدر جملة هذه المواقف عما يمكن تسميته الوطنية الممانعة، أي تعريف الوطنية بدلالة الموقف من «الخارج». وبينما يفترض أن تحيل كلمة «الخارج» إلى أميركا وإسرائيل، فإنها يمكن أن تشمل في أي وقت أياً كان، دولاً عربية أو أطرافاً سياسية فيها، تركيا، أية بلدان أوروبية، العالم كله. فـ «الخارج» هو «وظيفة» للمؤامرة وليس منبعاً محدداً لها (والأنسب تالياً أن يبقى غير متعيّن)، والمؤامرة «وظيفة» لنظام حكم محركه العميق دوامه وتمزيق صفوف محكوميه.

في مواجهة هذه الوطنية الممانعة التي تكشَّف في السنوات الماضية طابعها الزائف وتمركزها حول سلطة أو مجد أناس متدنّي المستوى سياسياً وأخلاقياً وفكرياً، أخذ يتطور منذ سنوات تصور مغاير للوطنية، قد يمكن وصفه بأنه شعبي أو اجتماعي. وقد صيغ هذا التصور حتى قبل تفجر الثورة السورية بهتاف شعبي بسيط: يلّلي يقتل (يضرب، يسرق) شعبو خاين!

لا يتمايز التعريف المضمّن في هذه الصيغة البسيطة عن التعريف الممانع فحسب، بل يقلبه بالكامل ضد أصحابه: بل أنتم الخونة! أنتم من تقتلون وتسرقون وتقمعون الشعب!

وفي هذا استعادة للوطنية من النظام، في سياق مسعى السوريين لاستعادة السياسة والحياة لأنفسهم. مرجع الوطنية الشعبية هذه هو السوريون النثريون، وليس «الوطن» المنظوم المنسوب إلى حاكمه، الموصوف بأنه «سيد الوطن»! وبحدود ما أعرف، أُطلق هذا الهتاف للمرة الأولى بينما كنا نحاول الاعتصام أمام السفارة المصرية مطلع شباط (فبراير) الماضي، تضامناً مع الثورة المصرية، ثم في اعتصام أمام السفارة الليبية تضامناً مع ثورة الليبيين بعد ذلك بأسابيع قليلة. كانت الأصوات تعلو بالهتاف وقت كان عناصر الاستخبارات وحفظ النظام يهمّون بتفريقنا. وقد فعلوا، وبعنف، في يوم الاعتصام الثاني أمام السفارة الليبية.

ينطوي هذا التصور على إدراك بسيط ومنطقي جداً: إن من ينكر الحرية والعدالة على محكوميه المباشرين، هنا والآن، لا يمكن أن يكون عاملاً من أجل الحرية والعدالة لغيره في أي يوم. وهذا ما يعيد القضايا التي تستخدمها الممانعة أداتياً لتقف على رأسها: نقاوم إسرائيل، ونريد فلسطين وأراضينا المحتلة، لأن هذا ما يقضيه العدل وما تقضيه الحرية. فإذا حرمنا من الحرية والعدالة امتنعت المساهمة في تحرر أي كان (وواقع الحال ناطق)، وفقدت هذه القضايا مضمونها الأخلاقي الجوهري، وانقلبت أدوات في مسخرة لأطراف وتطلعات مفتقرة لأي مضمون أخلاقي، بل أي مضمون وطني حقيقي. فالواقع أن الوطنية الممانعة ليست وطنية بالمعنى الصحيح للكلمة، وإنما هي ضرب من الاستعمار السياسي، و «الاستحمار» أيضاً، وإن من وراء بلاغة معاكسة. ومضمونها الجوهري سلطة فئوية مطلقة، وأموال بالمليارات.

لذلك، على أرضية وطنية شعبية وديموقراطية فقط يمكن أن يعاد بناء الأبعاد الجيوسياسية والجيواستراتيجية للوطنية السورية على أسس صحيحة. إن ما وضع سورية في صف فلسطين وفي مواجهة إسرائيل هو وقائع الجغرافيا التي لا تتغير؛ وهو التاريخ والاجتماع والثقافة التي تشكل الثورة، وليس النظام، استمراراً لأفضل ما فيها من قيم وتطلعات؛ وهو المصالح الوطنية التي تنضبط بها سياسة سلطة مسؤولة اجتماعياً ولا تنعكس في سياسة نظام طغيان.

ليست المشكلة أن النظام يصارع إسرائيل ويهمل المجتمع السوري، المشكلة أنه لا يصارع إلا المجتمع السوري حفاظاً على سلطة لا قضية لها ولا مبدأ. حصيلة الخسائر البشرية لكل من الصراعين تصلح مقياساً لتقرير أي منهما له الأولوية عند النظام.

فإذا لم ينجح النظام في تحويل سورية إلى أنقاض قبل سقوطه، فإن بلداً لا يجري تعذيب معارضي نظامه وقتلهم، ولا يكذب حكامه في كل ما يقولون، سيكون بعد حين في وضع أفضل سياسياً وأخلاقياً لاستعادة الجولان المحتل، ولمساعدة الشعبين الفلسطيني واللبناني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى