صفحات المستقبل

وكبـر رفـاق “البعـث”

ذكية قرنفل

كان ذلك زمن الطفولة في صفوف طلائع “البعث” وشبيبته. كان ذلك زمننا المسموح! وعلى عكس ما قد يتصور البعض، كانت طفولتنا حافلة سياسياً، وعقولنا كانت تترقب فرصة هاربة للتحليق خارج “السرب”، فكان بعضنا يدرك ببراءة ما عجز آباؤنا عن الإفصاح به، وتشبه خصائص هذا “البعض” إلى حد بعيد مميزات “الجيل الرابع” الجينية، أبرياء بالكامل من رعب الأجيال السابقة.

خطوات أقدامنا وقلوبنا الصغيرة التي تتوق لمساندة العراق المنكوب بالاحتلال الأميركي عام 2003، وعلى الرغم من الرعب، تمرّدت على الخوف من أن تكون التظاهرة التي انطلقت من مدرستنا، مخالفة لأوامر السلطة! لكن وعلى كل حال، انتشرنا في أنحاء سلقين، قريتنا المجاورة لـ”اللواء السليب”، مشياً أو على مناكب زملائنا، هاتفين لحياة العراق المفقودة حتى اليوم!

أما صورة “سيادته” المفروضة على سواعدنا، فسرعان ما تحوّلت إلى أداة للتحايل، ففي النهاية، من سيتجرأ على عرقلة مسيرة أو تظاهرة ترفع أعلام الرئيس “المفدّى” في مقدمتها! هكذا كفلنا يومها، كما الكثير من الأيام الخوالي، “النفاذ بجلدنا” في جميع الحالات.

كانت لنا آمال، تشبه بهدوئها وألمها، أحلام الأفارقة الذين انتظروا البريطاني ويليام ويلبرفورس عشرين عاماً، لينتصر لقانونه القاضي بتخلي الإمبراطورية البريطانية عن تجارة الرق، عبر النضال السياسي الدؤوب في القرن الثامن عشر. لكننا لم نتقن فن الانتظار مثلهم. أردنا الانتصار فقط ومن دون مخلص!

عامان وأنا أدرب نفسي في صف الفصاحة والخطابة في مدرسة الأنشطة الطلائعية، سراً، على لحظة أعتلي فيها منصة المدرسة وأطرح بصوت عالٍ “قضيتي الكبيرة”، تلك القضية التي افتعلتها أجوبة والدي، يوم أخبرته برغبتي بأن أترشح في المستقبل لمنصب رئاسة الدولة!

لم يكن ذلك “حلماً” فردياً، ولا نزعة إلى السلطة، بل كانت الحلول التي تعجز عقولنا عن ابتكار سواها، لنحقق ما نحلم به أنا ورفاق “البعث” الصغار، كل يوم في اجتماعاتنا “السرّية” في حديقة المدرسة الخلفية، وقد كانت أيضاً حديقة “محرّمة” علينا. وصرنا نفكر: “هل من طريقة محتالة على غرار خدعة صورة الرئيس، نلجأ إلى استخدامها يا ترى؟”.

ما العمل؟ كيف نخبرهم بأننا لا ننشط في صفوف “البعث” إلا لأننا مجبرون على ذلك، كما بيّن لي والدي، ولا نحمل صورة رئيسه إلا كرمى لعيني العراق أو فلسطين؟ وكيف نقنعهم بعقولنا البسيطة ومنطقنا البدائي، أننا نريد مستقبلاً أفضل لهذه البلاد؟

وكيف أقنعهم أنا بأن رغبتي في تولّي الرئاسة، ليست سوى تعبير عن إرادة واستعداد لحمل مسؤولية شعبي وتحقيق الأفضل له، وهي خاصية جميلة في النفسية السورية، وليست بمؤامرة دولية أو بمحاولة انقلاب على الدولة؟ بل كيف سيفهمون أن كل واحد منا، نحن “طلائع” بعثهم، يحق لنا اجتياز هذه المسافات بطموحنا، من دون أن نجالس أطياف الرعب السوداء لساعات على منصة صغيرة، في مدرسة تبعد أكثر من 340 كيلومتراً عن القصر الجمهوري!

مرّت الأيام بكل نكباتها، ورفاق “البعث” الصغار أيضاً كبروا، وفرقتنا السنون. مشكلاتنا كبرت، وصار بإمكاننا أن نقول إنها وجودية، من دون أن “نتهم” بالإلحاد. الجميع يعرف أن بلادنا تقف بين الحياة والموت. تتأرجح على أوتار عقمنا. وعلى حد تعبير اينشتاين: “لا يمكننا أن نبحث عن حلول لمشاكل بالعقلية ذاتها التي خلقت هذه المشاكل”. وخديعة “صورة الرئيس” لم تعد مناسبة لمواجهة هذه الكوارث. علينا التمسك بوسيلة جديدة غير نابعة من الذهنية نفسها التي أنتجتها. ولأن الغاية شريفة، فلا بد من وسيلة شريفة أيضاً!

نضجنا نحن والمعاناة سوياً، وحان الوقت لأن نتصارع معها وجهاً لوجه، بدلاً من أن نصطدم مع تمظهراتها في ذاكرتنا. بقيت صورة الرئيس هي هي، لكنا نحن تبدلنا، تفرقنا، ثم التقينا في ساحات المدن والمحافظات السورية جميعها، التي اكتظت بتظاهراتنا المطالبة بحقوقنا لا أكثر: “واحد.. واحد.. الشعب السوري واحد”. ولكن هذه المرة من دون صورة “الرئيس”!

بعضنا ثبّت أقدامه في الساحات، وبعضنا ثُبّت على مسامير الأمن، بفروعه المتوافرة بين كل منزل وآخر. وبعضنا الآخر رمته الظروف خارج سوريا، فأصبحنا نرقب مصيرنا على شاشات التلفزة، وفي رسائل الرفاق الذين نذروا حياتهم لتخليص سوريا من آلامها.

وفجأة، اختفت سوريا من شاشات التلفزة والصحف، وغابت عن رسائل الأهل والرفاق، ليحل مكانها حلم قبيح، جعلنا غرباء عنها، وغرّبها عنا، وبدلاً من أن نبني وطناً أفضل، بنينا جميعنا قبوراً شاهقة لأحلامنا بالحريّة، والعدالة، ووارينا سوريا تحت ترابها.

هي السلطة التي تفضل إسقاط الشعب، على أن تتوب إليه، أو هي المعارضات التي تفضل إسقاط الدولة، على أن تتوحد جميعها تحت راية واحدة، لمصلحة الشعب، أم هي يد معادية من الخارج تلك التي دمرت سوريا، لا فرق، فغداً سيمرّ حكام التاريخ من هنا ويجدون دماً واحداً يثقل الأرض، ويقولون: ها هنا دفن شعب واحد.

وأبناؤنا، الذين لم يولدوا بعد، لن يعرفوا أن الـ”نحن” التي تحولت لـ”نحناوات” متناحرة، متقاتلة، متعادية، والمقبرة الجماعية التي أورثناهم إياها، لا تشبه أوجاعنا وأخلاقنا، وصبرنا الطويل، والريحان في مدينتنا، الذي ولى وجهه عنا، نحن ذلك الجيل الذي خدعته صورة الرئيس في نضجه، بعد أن خدع نظاماً أمنياً ضخماً بطفولته، عبر الصورة ذاتها!

المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى