صفحات سوريةعلي الأمين السويد

يا ثائر- لا تنه عن خلق و تأتي بمثله


    علي الأمين السويد

    “أمريكا ألم يشبع حقدك من دمائنا؟ … سكوتك المريب ساعد في قتل آلاف الضحايا.”

    كانت هذه تسمية “ثورية” لجمعة ال 19 / 10 / 2012 والتي خرج المتظاهرون السوريون موقعين لافتاتهم بهذه العبارات بشكلها الراهن أو مع بعض التعديلات الكتابية. و فيما يلي سأتطرق لهذه التسمية التي تبنتها صفحة الثورة السورية ضد بشار 2011 مرغمة بعدما أتت نتيجة التصويت الاليكتروني بهذه التسمية كخيار من استطاع الدخول للشبكة العنكبوتية و التصويت.

    و بالتدقيق في هذه التسمية يمكن أن نلحظ مفارقتين واحدة على المستوى اللغوي و الأخرى على مستوى المنطقي.

    1. المستوى اللغوي

    في القسم الأول من التسمية نقرأ : “أمريكا ألم يشبع حقدك من دمائنا؟”، و بالتحديد نركز على استخدام الفعل “يشبع” الذي حشر في غير مكانه المناسب. فالشبع يحدث إثر تناول الطعام و ليس الشراب، فالعرب لا تقول شبع من الماء، و إنما تقول شبع من الطعام، و ارتوى من الشراب، ولا تقول أكل الماء أو الشراب.

    و بالعودة لمفردات التسمية نجد أنه تم استخدام الفعل “شبع” بدل الفعل “ارتوى” لأن الدماء سائلة و السوائل تُشرب و لا تأكل.

    إذا كان يجب أن تكون التسمية على النحو التالي: ” أمريكا ألم يرتو حقدك من دمائنا؟”

    و في القسم الثاني من التسمية نقرأ:”سكوتك المريب ساعد في قتل ألاف الضحايا”، و هنا نجد أن من اقترح هذه التسمية لم يوفق في استخدام كلمة “الضحايا” في موضعها الصحيح. فالضحية تصبح ضحية بعد أن كانت ليست ضحية، أي عندما كان المقصود هو من فئة من كان “يعيش” بسلام و غير محارب كالطفل الذي يلعب في فناء منزل والديه ثم تمَّ قنصه فمات. فعندما كان الطفل يلعب في حديقته كان اسمه طفلٌ “بريء” و عندما تم قنصه أصبح اسمه طفلٌ “ضحية.”

    و بمقايسة هذه القاعدة بالتسمية نجد أن التناقض واضحاً، فالسكوت حسب منطق استخدام المفردات هو من قتل المقتول ـ أي الضحية.

    2. المستوى المنطقي

    يصنف قائل جملة “أمريكا ألم يشبع حقدك من دمائنا؟” أمريكا على أنها قاتلٌ احترف قتل الفئة التي ينتمي إليها القائل لهذه الجملة. و من سياق العبارة يُفهم ان “القائل” يقصد بأن السوريين، على الأقل كون القائل منهم واستخدم الضمير الدال على الجماعة، هم الذين كانوا يُقتلون، ويتم ُشرب دمائهم من قبل الأمريكان.

    وهذه المقولة منافية للواقع المادي، فالامريكان لم يهاجموا سوريا على مر التاريخ، بل بالعكس تماماً من ذلك، فقد تم اتهام القوات السورية بالهجوم على القوات الأمريكية في بيروت عندما تم تفجير المبنى و سقوط أكثر من 150 جندي أمريكي.

    ولو سلمنا جدلاً بأن الامريكان هم فعلاً من قام بقتل السوريين سابقاً و مازال مستمراً في قتلهم و شرب دمائهم فالاصوب هو اعتبار الامريكان “الحكومات الامريكية” أعداء للشعب السوري ولا يستوي وصفهم بالاعداء، و من ثم انتقاد سلوكهم السلبي في النأي بالنفس عن التدخل لصالح الشعب السوري وهذا ما توضحه جملة “سكوتك المريب”الذي يبدو من الاستخدام لها أنه لو أن أمريكا لم تسكت عن القتل وأنها تحركت لصالح الثورة السورية لما قتل آلاف الأبرياء. إذا فتحرك الامريكان لصالح الثورة السورية سيمنع قتل ألاف الأبرياء.

    وهنا يقع واضع التسمية في مطب مفارقة جديدة. إذ كيف يتم اتهام طرف إلى حد التجريم و من ثم تبرئته إلى حد التأليه؟ و هذا ما يمكن قراءته بين السطور: لو لم تسكت أمريكا لتحركت لصالح الثورة كما يفترض القائل ولمنعت قتل ألاف الإبرياء.

    تعليق

    منذاليوم الأول الذي استخدم فيه النظام السوري الرصاص في محاولة إخماد الثورة، ارتفعت أصوات الثوار في كل مكان تطالب بالتدخل العسكري بأشكاله المختلفة في سوريا لإعتقال المجرم بشار الاسد و ايقاف هذا القتل الهمجي.

    و من المعروف تماماً أن أي تدخل عسكري دولي لن يحدث بدون موافقة الولايات المتحدة الأمريكية وربما لن يحدث دون مشاركتها وهذه الحقيقة، بالذات، لا تغيب عن وعي أي ثائر سوري أو أي مراقب و بالتالي فقد اضطر السوريين السوريين لطلب التدخل العسكري بطريقة أو بأخرى و تحديدا ينادون بتدخل أمريكا لوقف المجزرة الأسدية. و هذا لا يستوي مع تسمية هذه الجمعة التي تنطوي على عداء قُدم على انه تاريخي و ينبئ بإستمرارية قد لا تتوقف.

    المفارقة الأولى هنا هي في الموقف السياسي للثورة، أو “الموقف السياسي” المحسوب على الثورة ففي هذا المقام الذي عنوانه ما يعرضه اسم هذه الجمعة يفيد بأن الأمريكيين هم أعداء الشعب السوري كونهم يقتلونهم و يشربون دمائهم، و هم ، أي الأمريكان، من تتم معاتبته بسبب سكوته السلبي الذي سمح لقتل آلاف “الضحايا” ـ الأبرياء.

    و أخير نجد أن، ومن عدة مقاييس، أن الخطاب الثوري الطافي على سطح صفحات الفيسبوك صار متخبطاً بشكل صارخ على عكس ما هو منتظر منه بعد قرابة السنتين من الولادة، إذا كيف أذكر الشيء و آتي بنقيضه في نفس المقام، و هو عكس ما يرغب به الشعب الثوري الثائر؟و تمام ما يطلبه اعلاميو النظام.

    ليس في الأمر دفاعاً عن الولايات المتحدة الأمريكية ولا عن سياساتها، ولكن المنطق يقول أني إن رغبت في شيء، فعلى الأقل عليّض ألا أبصق في وجهه حتى أتأكد من امكانية عدم استجابته إليَّ.

    فاسم الجمعة هذه التي قررتها ديمقراطية من كان لديه انترنت هو ترجمة للمثل الشعبي القائل ” عيني فيه، و تفوه عليه” أي أنني أرغب به كثيراً في أعماقي و غير أعماقي و مع ذلك أبصق عليه إظهاراً لرفضي له.

    وليست القضية قضية تسمية أعجبت فلانا أو لم تعجب علاناً، ولكن القضية هي الحاجة لمعرفتنا الحقيقة “بماذا نريد؟” هل نريد أن نستعدي العالم علينا في وقت ينهش في لحمنا وحش اسمه بشار الاسد ولم نستطع اسقاطه بالرغم من ألاف الشهداء إلى هذه اللحظة و آخر ما نحتاجه الآن هو أن يصرح أحد بمساندته، وقد كان لا يجرؤ على ذلك؟ أم هل نريد أن نبني دولة عصرية تحكم علاقاتها المصالح التي تحفظ الكرامة طالما أن عقولنا مثبتةٌ في رؤوسنا؟ هذه أسئلة أتركها برسم الذين مثبتة عقولهم في رؤوسهم فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى