صفحات الثقافة

سعدي يوسف: عن كبوة شاعر كبير


ديمة ونوس

هل يحق فعلاً لسعدي يوسف ما لا يحق لغيره؟ خطأ. يحق له ما يحق لغيره. هكذا تحمل العبارة شيئاً من العدالة. تلك العدالة التي يفتقر إليها الكثيرون. شاعر كبير ومسؤول عن كل كلمة يتفوه بها أو يكتبها. نعم إنه شاعر كبير… في السنّ أيضاً.

يحق للقارئ أن ينزعج من كلمات سعدي يوسف وأن تجرحه المعاني الرخيصة لتلك الكلمات. يحق للقارئ أن يدافع عن حرية الرأي القائمة أساساً على الاحترام المتبادل وعلى النقد العميق والمتروي والمشبع بفكر متقد وعقلية منفتحة على كل الاحتمالات. شرط ألا تكون الشتيمة هي إحدى تلك الاحتمالات. حتى ولا البذاءة. المكانة الثقافية المرموقة لسعدي يوسف لا تغفر له هفوات كهذه. حتى إن كان من أكبر وأعظم الشعراء الأحياء في العالم. فمن المنطلق ذاته، لا مانع إذاً من قبول ديكتاتورية الديكتاتور، فهو قد يكون أحد أهم الديكتاتوريين الأحياء، ولا يمكن التعامل مع ما يفعله بحياد. من المنطلق ذاته، يستطيع إذاً أي مثقف مهم، التخلي عن قضيته دون الخوف من القارئ، كأن ثقافته تغفر له ما تقدم من ذنوبه وما تأخر.

الدفاع عن سعدي يوسف وعن «قصائده» التي نشرها خلال الأشهر الفائتة، ليس سوى سكوت عنها وتواطؤ معها. كنت أتمنى لو كتب سعدي يوسف عن اختلافه مع برهان غليون بطريقة لائقة فكرياً وثقافياً. (لست هنا بصدد الدفاع عن برهان غليون). لربما كان أقنع القارئ بالاختلاف مع غليون. إلا أن مسألة الملابس تلك لا تعجبني، ولا تلمس روحي ولا تثير لدي أي حماسة للتفكير بما هو أعمق من جاكيت أو بنطلون أو قميص أو حتى حذاء. ومن المعيب أن يشتم سعدي يوسف كل المثقفين العرب قائلاً إنهم عملاء. أليس التعميم لغة الحمقى؟ في الوقت ذاته، أحترم سعدي يوسف لأنه لم يستثنِ نفسه من ذلك التعميم، هو الذي شتم أصدقاءه من المعارضين لنظام صدام حسين سابقاً. هو الذي كتب قبل أشهر قصيدة في مديح معمّر القذافي، الذي علّمه كيف يمشي منتصب القامة ومرفوع الرأس. هو الذي قال إن الشعب المصري أميّ ولا يعرف استخدام وسائل الاتصال الاجتماعية، وبالتالي الثورة التي بدأت على «الفيس بوك» ليست سوى مؤامرة أميركية. سعدي يوسف الذي لم يقدم لما يسمى بالـ «ربيع العربي» منذ بدايته نهاية العام الماضي وحتى الآن سوى السخرية والاستخفاف، يعيش ربما في عالم منفصل عن الواقع. وليس الشعر هو ذلك العالم.

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى