صفحات الثقافة

قصيدة حِمْص


المتوكل طه

سأبدأ يا حِبْرَ آلامنا من جديدٍ وأدخلُ مجزرةَ العَصْرِ طُرّاً،

هنا، بين درعا وحِمْصٍ،

كأن ثيابَ النبيَّ الذي قطّعوه

موزّعةٌ في الحقولِ،

فتنبتُ أضرحةً كالشقائقِ،

أو شاهداً في غمارِ الحريقِ

وطوفان مذبحةٍ في الطريقِ ..

فينفتحُ البرُّ أقنيةً للدماءِ،

فتجري،

ويُصبحُ هذا المدى دامياً كالجنين.

ويرضعُ من ثدي مقتولةٍ،

فارقصي يا مناديلَ جدّته، في الجُنونِ،

اصْرخي في الجحيمِ

عسى أن تردَّ البلادُ على الداخلين.

ولكنّها وَحْدَها حمصُ!

لا جَرَساً حولَ زنّارها،

إنّما قد تكون الرسولةَ

فالماءُ عاصٍ،

وجنيّة الدّيك عادت إلى صحوْةِ الرُّشْدِ،

والمريّميةُ تمشي على درج النّخلِ،

بأبنائها المُرْسَلين.

وتحضنُهم مثل عيسى الذبيحِ،

وَتَسْطعُ أثوابُها الناقعاتُ،

وتذْرعُ أبوابَ حِمْصٍ

مع الغاضبين.

فطوبى لأقواسها العالياتِ،

لأبوابها المُشْرَعاتِ

لأقْبيةِ الوالدات

لِقُبَّرَةٍ في الجهات

لكلّ مجرَّاتها المائسات

على حَبَقِ البَحَرات،

لخالِدها في الحياة

وخالدِها في الممات

وأيامِها في السنين.

سلاماً لمليون حِمْصٍ بدرعا،

ومليون موقدة للشآم،

من الموجِ حتى الشواطئ

في قلعة الخالدين.

سأبدأُ ..

لكننّي قد بدأتُ قديماً من الحُزْن

أو من غموضِ النزيفِ

على تُربةِ النازحين،

وقلتُ لهاجَر:

يا طفلةَ الموتِ كوني حياةً لنا

في الشروقِ،

فكان كما نشتهي، عودةً

في الخيالِ،

وغنيّتُ للهاتفين.

فكيف سأبدأ ثانيةً

والدخانُ دمٌ ماطرٌ في الطريقِ

المؤدي إلى حِمصَ،

أو يجمعُ القريةَ التي حرّقوها

بِحُمّى مجنزرة القاتلين.

هناك على كتفِ الليلِ

قام المؤذّنُ كي يوقِظَ النائمين،

ليدخلَ في سَجْدة الفجرِ،

أو يكشفَ السحجاتِ التي انغرزت

في الجبين.

سلاماً، إذاً، يا قتيلاً

له ألفُ وجهٍ أو اٌسْمٍ،

وفي صدره ألفُ جرحٍ..

إلى أن تَغَضَّنَ وجهُ القتيلِ،

وقالوا هو الأوّلُ

العاشرُ

الألفُ في مسْلخِ الغاصبين.

وهذي البيوتُ لأحزانِ أيتامها الضائعين،

وللثاكلات اللواتي عقدْنَ الجدائلَ

للغائبين.

***

وحمصٌ خريطُتنا للدليلِ،

وآلهةُ البأس،

سجادةُ الضوءِ،

وَحْيُ المياهِ،

تماثيلُ بَرْقٍ،

وتعزيةٌ للسماءِ،

وأغنيةُ الله للمُنْشِدين.

-II-

في الطريق إلى حمصَ مجنونةٌ للسياجِ،

أو غابةٌ

تجهش الريحُ فيها على طائرٍ

لا ينام،

جناحاهُ ظلُّ القوافلِ والراكبين،

في الفجرِ

يهدي إلى الشمس أغنيةً من حريرٍ،

وفي الليل يبكي

على وحشْةِ التائهين.

وفي حمصَ عشُّ اليمامِ

الذي كان نجمُ السماءِ يشاركه

فضّةَ البيت

أو زَغَبَ الحالمين.

وفي حِمْصَ أرجوحةٌ

للضفائرِ،

تعلو وتعلو..

إلى أن تُضَمِّخَ في الَغيْمِ

أعرافَها الشَّهد،

أو تنعفَ الثلجَ في قمرِِ الآمنين.

***

في حمصَ سيدّةٌ ترقبُ البابَ

حتى يدقَّ عوارضَه سيّدٌ

قيلَ: قد نَخَّلَتْهُ الرصاصاتُ،

في دربِ رجْعته،

فارتمى، غارقاً، بين أصحابهِ الغارقين.

وفي كلّ سطحٍ تَرى شبحاً

يُطلقُ الخوفَ في كل فجٍّ،

فيسّاقط الوردُ

في حضنِ أصحابه الطيبّين.

ويمضون في زفّةِ النهرِ

حتى تفيضَ الدروبُ، وتبدأُ

أعراسُ مملكة العاشقين.

***

وخارجَ حِمْصٍ ترى الوحشَ

يحتال ثانيةً

كي يُمَرِّرَ سفّودَه في الغزالِ،

وليس له غيرُ أنْ يقتلَ الأرضَ قاطبةً

إنْ أراد لأنيابهِ اللّحمَ،

هذا الذي عَلّم الموتَ

أنْ يشربَ الروحَ صافيةً

من ينابيع أطفالِها،

ثم يمضي

ليحتلّ ثانيةً أرضَه

من تضاعيفِ أصحابها المُتعبين.

وما عاد يذكرُ

أنّ له بقعةً أخذوها

وعاثوا بها فاستكانَ،

وكانَ الهشاشةَ والذلّ

في رِبْقةِ الصّاغرين.

-III-

وفي حمصَ قاطرةٌ تحمل الشهداءَ

إلى حقل جنّتهم،

ثم تأتي القواطيرُ

كي تمضغَ الجثث الرانخات!

هو الوحشُ

في مَعْدنِ العَرْشِ

لا، لن يرى غيرَ صورته في البقاءِ

على وَحْلِ مذبحةٍ

إثْر أخرى..

إلى أن يتّمَّ له الوَهْمُ

في لعنة الميتّين.

***

وفي حمصَ أندلسُ العُشب،

كانَ له الذَّهَبُ الضوءُ

واللبنُ الحلو

والقهوةُ المشتهاةُ

وما أذهل السَّحْرَ والعابرين.

***

وحَطّ الغرابُ على البابِ،

مدّ خوافيه في كلِ وادٍ

فَماَل بها كوكبٌ لا يرى

كلَّ هذي الأخاديدِ

أو لا يرى كلَّ هذي المدافنِ

في أبد الداهرين.

وحمصُ الذبيحةُ طفلتُنا في الحكايا،

وما تأكل الغولُ من لحمها

كالعجين.

وحمصُ الروائحُ في ليلة الزنجبيلِ

إذا شفّ نايُ البعيد،

وفحّ الحليبُ

على فروة الحالمين.

وحمصُ المنادي على الناس:

يا أيها السامعينَ

إذا مرّ بدرُ التمام بِكم

فاعلموا أنه النوُر قد عادَ،

والليلُ ماضٍ

إلى عتمةِ الغابرين.

-IV-

وحولَ المدينة تبكي النواعيرُ

أو تستفيقُ الجزيرةُ،

والقلعةُ/ الخيلُ/ والسوقُ/ والسيفُ

في حلبِ المجدِ

غائبةٌ كالسّجين.

والصمتُ في بردى الصمتِ

مرَّ على الطَّفَّ في حِمْصَ،

لكنّه خَبَّ مُبتعداً في الطنين.

فيا شام!

هذي القدودُ الرخيمةُ

والعودُ والرَّقْصُ

والرّعدُ في الشالِ

والسُّكَّرُ المِزُّ

والبابُ والحيُّ

والظلُّ في الدمع

والصوتُ والبيتُ والشرفات

بشلالها الأرجوان

والصُبْحُ خلفَ شبابيكه والزمانُ

وأسرارُ نارِنْجة الصيفِ

والرّمشُ أو غمزةُ الأقحوان

والريحُ إنْ مَرَضَت بالحنين

ومصطبةُ الكَرْمةِ الشمعدان

والطيرُ والرُّضُّعُ الباسمون

والصبرُ في جَرّة الطين

والصحْبُ إنْ رجعوا نائمين

على كرزٍ ذائبٍ..

والمرايا التي شهدت

كيف تندلعُ النارُ في صرّة الياسمين..

تكتبُ اليومَ

أجملَ ما سوف نقرأ:

يا شامُ

درعا لها المُبتدا في الدماءِ

وحمصٌ لها خبرُ النازفين.

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى