حسّان القالشصفحات سورية

مسائل العِرض والشّرف في الانتفاضات


حسّان القالش *

مسائل العرض والشّرف تستأثر بمساحة كبيرة من الوعي الجماعي العام لأهل المشرق، وتكاد تكون أكثر القيم الأخلاقية حساسية وتأثيراً في نفوس الناس، وقد اتفقت العقلية المشرقية على أن تتجسد هذه كلها في المرأة. وهذا ما تدركه جيداً الأنظمة ذات الطابع التوتاليتاري التي تحكم بلدان المشرق العربي الكبرى، المصابة بلعنة العسكر وانقلاباته. وهذا ما يجعل تلك الأنظمة تمعن بانتهاك المرأة، ضرباً وتشهيراً واغتصاباً واعتقالاً.

فكل وسائل العنف والترهيب في كِفّة، وامتهان أعراض الناس في كفّة أخرى. ذاك أن الشعب قادر على مقاومة كل أنواع المذلّة والتعالي عليها في سبيل حريته وكفاحه من أجلها، إلا أن يُهان في شرفه وعرضه، فهنا سينكسر ويركع ويخضع… هكذا يفكر مستبدّونا. بينما تردّ الشعوب باستمرار انتفاضاتها.

والراهن أن المشهد القادم حديثاً من مصر، والذي يروي حادثة اعتداء على امرأة شابة في ميدان التحرير، ينتمي إلى ذاك التفكير الاستبدادي، فتلك الشابة ناشطة سياسية تطالب بإنهاء حكم العسكر، وفوق ذلك هي امرأة. وهذا ما جعلها فريسة مثالية: فضرَبها مجموعة من الجنود بالعصيّ، وسَحَلوها على الأرض، وثم مزقوا ثيابها تمهيداً لركلة يقوم بها أحدهم ببوطه العسكري على صدرها شبه العاري. إنه قطيع متوحش ينهش طريدته الضعيفة. ويبقى هذا مشهداً من مسلسل العذابات المصرية الطويل.

وليست الأمور مختلفة في سورية، فممارسات الأجهزة الأمنية لا توفر النساء، فمن «أخطاء» رجال الأمن وميليشيات الشبيحة الكثيرة، اقتحامهم بيوت الريفيين البسطاء والمحافظين بلا استئذان، أو حتى إعطاء أهل البيت و «حريمه» فرصة دقائق يتَستّرن فيها ويضَعن غطاء الرأس. ومن «الأخطاء» أيضاً، أن يُقتحم عرسٌ نسائي، بحثاً عن مطلوبين من المتظاهرين. ومنها اعتقال يمان القادري، أمال سلوم، سمر أبو زين الدين، هديل كوكي، وغيرهن كثيرات (تم قتل 129 واعتقال 163 امرأة وفق مركز توثيق الانتهاكات)، وسجنهنّ لأسابيع في المراكز الأمنية، لا لشيء، بل لأنهن طالبن بالحرية بشكل واع وحضاري وسلمي… وكثيرة هذه الأشكال من الأخطاء، التي مسّت بمسائل العرض والشرف.

على أن ما جعل السلطة تطلق عليها توصيف «أخطاء»، هو اعتقادها الواهم بأنها ذات طابع لحظيّ وآنيّ، تفرضها الظروف والوقائع، وأنها -السلطة- غير قادرة على ضبطها والتحكم فيها بشكل مباشر وكلّي. وهذا ما لا يُقبل أو يُغتفر من سلطة كرّست مفاهيم القوة والتحكم بانفعالات البشر وأهوائهم وقصصهم وأحلامهم على مدى عقود، ما يجعل هذه «الأخطاء»، وبالعودة إلى تاريخ الأجهزة التي تقترفها، جزءاً لا يتجزّأ من أخلاقها.

والحال أن تاريخ منطقتنا، الذي يستعيد اعتباره عند الأجيال الشابة والمنتفضة، يشير في أكثر من مناسبة، إلى أن سلطات الانتداب، والمجتمع السياسي بعد الاستقلالات، قد تجنّبت العبث بمسائل العرض والشرف بشكل أو بآخر، ما يجعلها متفوقة أخلاقياً، في هذه النقطة، على عهود الحكم العسكري والانقلابي.

وطالما ليس هناك من حساب وعقاب، واحترام لأعراض الناس، وليس هناك من نوايا لذلك، فالعسكر المصري والأمن السوري سيبقون على «أخطائهم» وأخلاقهم… عامدين متعمّدين.

* كاتب وصحافي سوري.

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى