صفحات المستقبل

ذاكرة.. وخوف الغزاة من الذكريات


ياسين السويحة

في زمن اﻻنتفاضة، زمن التغيير والقطيعة واﻻنقلاب، زمن اللاعودة، الانعتاق، التحرر، في زمن اﻻبتعاد الواعي عن ذاتٍ مزيّفة، منقرضة، مرفوضة، مؤلمة. في زمن الثورة علينا أن نبحث في الماضي عن مفاتيحٍ للمستقبل، مفاتيحٍ على شكل صور، كلمات، أحاسيس، آﻻم.. بشكل أساسي، آلام.

نجعل من ذاكرتنا انتفاضة كلّما ذكّرتنا لماذا انتفضنا، على من، متى، أين.

ذاكرتنا انتفاضة إن جعلناها حسّاسة كالجلد الملتهب بحرقة الشمس، تنتفض ألماً كلّما لامس شيءٌ احمرارها. هي المنطلق الذي يضيء لنا، بقوّة الألم، ماذا نريد أن يرحل إلى غير عودة، إلى غير نسيان. ذاكرتنا حارس آمالنا من الوقوع في شراك ماضٍ قد يعود إن نسينا لماذا تركناه خلفنا.

..

..

أمامنا جميعاً مهمة فكرية شاقة لها حجم قاعدة تأسيسيّة لمستقبل وطن، جهدٌ توثيقي ثقافي، بمختلف الوسائط والأشكال والأنواع، قاعدة بيانات متكاملة لما كنّا وكيف عشنا طوال عقود اﻻستبداد في سوريا، بكل صغائرها وتفاصيلها، لونٌ من “أدب السجون” المنيفيّ، وإن كان علينا نغيّر شكل السجن المقصود من الجدران الفيزيائية إلى الجدران النفسيّة. ليس هذا الجهد حقوقياً فحسب لمحاسبة المسؤولين عن خطايا وجرائم بحق الشعب السوري. أو بالأصح: هو حقوقي من نوع آخر، حقوقي رمزي، يرمي محاكمة حقبة بأكملها ومعاقبة أشباحها بالحكم عليها بالنفي إلى “سيبيريا” الذاكرة التاريخيّة لما ﻻ يجب أن يعود، وأكبر ضامن لمنع عودتها هو منع نسيانها. فرط الحساسيّة تجاه اﻻستبداد وجزئياته وصغائره مطلوبٌ للتخلّص منه، من محتواه، من شكله، من لغته، من معانيه، من رائحته، ملمسه، طعمه، لونه..

لنتذكّر دوماً كيف كانت مدارسنا أدواتٍ استبدادية لمسح بذرة أي فكر نقدي أو رغبة بالتفكير الحر، سجون تلقين وترديد وحفظ للشعارات والهتافات قبل أن تكون دور علم وتربية كي نقف دوماً بالمرصاد لمن يحاول وأد فطرة الحرّية في عقول أطفالنا..

لنتذكّر دوماً دمعة ذوي معتقل ضمير كي نبقى مناضلين لكل إقصاءٍ أو إلغاء أو قمع..

لنتذكّر دوماً كلّ مرّة هتف فيها طفل “بالروح بالدم” كي ﻻ ننسى أن كرامته وطنٌ ﻻ يُختصر بفرعون مهما تكبّر.

لنتذكّر دوماً الـ 99,9% كي نطالب باستقالة كلّ من يسيء للأمانة ويتقاعس عن المسؤوليّة.

لنتذكّر دوماً صور أطفال ضحايا تدمير اﻻقتصاد السوري من نازحي الجزيرة السّوريّة وغيرهم كي نكون دوماً رقباء على دور الدولة في تطبيق العدالة اﻻجتماعيّة وإدارة مواردها طبقاً للصالح العام بدل مصالح سين وعين وصاد من الناس.

لنتذكّر دوماً اسم كلّ شهيد وعنوانه، لنتذكر اسم قاتله ولون السلاح الذي قُتل به، لنتذكّر لماذا خرج وتحدّى الموت.

لنتذكّر اسم كلّ لص، كلّ فاسد، كلّ ظالم، كلّ منتفع، كلّ متسلّط، كلّ مجرم. لنحفظ أسماءهم ولنرسم صورهم في ذاكرتنا. لنتذكّر أن كثيراً من هؤﻻء سيحاولون خداعنا بستائر دخان ليعودوا من النافذة بعد خروجهم من الباب. لنتذكّر، مثلاً، أن مأمون الحمصي كان يهتف ويصفّق في مجلس المنافقين حين كان العشرات أو المئات من الذين يشتمهم لأسباب طائفيّة مسجونين أو ملاحقين أو مبعدين بسبب معارضتهم للنظام اﻻستبدادي.

لنتذكّر كيف اختطفوا وطناً واختزلوا الوطنيّة في الوﻻء الأعمى لهم كي نبقى حرّاساً لوطنية رحبة، جامعة، تساوي بين مواطنيها دون أيّ تمييزٍ أو استثناء، وطنيّة تعني قداسة حقوق وحريّة وكرامة المواطن، ﻻ حجّة واهية لإلغائه كإنسان.

ليست الذاكرة حقداً انتقاميّاً، كما ليس النسيان تسامحاً. الذاكرة حقّ الضحيّة بمسافة أمان بينها وبين المجرم، هي لقاح المريض بعد شفائه كي ﻻ تعود الحمّى، هي ضمانة لحياةٍ ﻻ تريد أن تتغلغل حبيبات الموت إلى رمال شاطئها.

..

سامحوا، إن شئتم. لكن ﻻ تنسوا..!

..

http://www.syriangavroche.com/2012/01/blog-post_14.html

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى