صفحات العالم

حمص – يافا وبالعكس ؟


د. مكرم خوري ـ مخول

رغم انني حرمت من التعرف على جدي المرحوم البروفسور اديب سعادة الخوري، مربي الأجيال الفلسطينية المشردة في جميع بقاع الارض (كفاروق القدومي ود. فؤاد حداد ومعاوية الدرهلي وطاهر اديب القليوبي ونهاد هيكل ومحمد على القطان) وذلك لأنه توفي في يافا في آب 1947عن عمر يناهز الخمسين عاما وذلك ‘ولحسن الحظ’ ثلاثة شهور قبل قرار تقسيم فلسطين (11/1947) تسعة شهور قبل النكبة، وبذلك كان قد اراح نفسه من رؤية ما حصل لفلسطين، الا انني عشت وترعرعت في بيته- بيتنا منذ ولادتي وبكنف زوجته، جدتي التي عرفت باسم ‘مدام خوري’ حيث كانت من مؤسسات جمعية السيدات العربيات الارثودكسيات في الثلاثينيات من القرن العشرين في يافا ايام كان الوطن عامرا بأهله.

فكانت لي ‘تيتا’ الأم الكبرى كما قامت بدور الأب وسميت بـ ‘أم الكل’ في يافا لأنها كانت كذلك للمجتمع العربي ولنسائه بالتحديد.

نشأت في هذا البيت في حي العجمي قبالة بحر يافا وانا استمع الى قصص هدرت عبر رياح سورية من الشمال حاكت الصمود العربي الفلسطيني في كل خريف وشتاء. عبارات لفظية سورية كانت جزءا من قهوة الصباح وعشاء المساء حول جمر المنقل النحاسي الشامي الكبير الذي حافظ على حرارة المنزل من غضب البحر اليافي المغتصب. قصص جدتي عن عائلتها وأهلها وجيرانها جعلتني اتخيل طفولة وشباب جدتي ومنشآهاô ففي مكتبة جدي الخاصة علقت صور المشاهير في الأدب والفن والعلم حتى انني تعرفت على اناس عايشوا حقبات تاريخية فكانوا اصدقاء جدي وشقيق جدتي المرحوم البروفيسور انطون بلان والذي بعد قضاء فترة تعليم جامعية طويلة في معاهد موسكو وكييف عاد مكلفا لإدارة المعاهد الروسية العليا في بلاد الشام. فقد تتلمذ على ايديه في دار المعلمين – السمنار – الروسي في الناصرة الكثر ومنهم اذكر الكاتب الشهير ميخايل نعيمة الذي ذكره في ‘سبعون’.

من خلال الذاكرة الشفوية الخلابة شرحت لنا جدتي، ‘تيتا بلاجيا’ وفي شغف عميق، حيث كانت تضبط اعصابها ململة اصابع كفتيها وتدع مآقيها تعبر عما تشعر، كيف قام اخيها المقدام انطون والذي كبرها بخمس عشرة عاما، وذلك بعد ان وقف عند مستوى ذكاءها ، بأخذها رغم اعتراض اهلهما، من بيت عائلتهم في البلدة القديمة في حمص، وذلك اثناء الحرب العالمية الاولى، الى دار المعلمات – السمنار الروسي – للبنات في بيت جالا، قضاء مهد السيد المسيح في بيت لحم فلسطين ôحيث سمعت انا مع بقية افراد الأسرة، كطفل ولأول مرة مصطلح ‘السفر برلك’ والمخاطر التي مرا بها للوصول الى الناصرة وبعدها الى القدس وبيت لحم.

حولت جدتي بيتنا- بيتها الى خلطة عربية لا مثيل لهاô فقد كانت حمص، لا بل سوريا كلها في يافا – ام الغريب – ونبضت في جدتي عروبة فولاذية ذكية ناضلت لعقود طويلة وباستمرار وبهدوء وبصبر حكيم لم يعرف الكلل.

تخرجت جدتي الحمصية كمعلمة عندما لم يكن التعليم متاحا لغالبية نساء العالم حتى من الاسر الملكية، واعطت احفادها بعد نصف قرن من تخرجها دروسا في التاريخ والجغرافيا والرياضيات. ولكن اهم من ذلك دروسا بالصمود العقلاني المنضبط وبكلامها الموزون والذي غرد دائما في الوقت المناسب.

نظرا لتواضعها السامي فقيمتها واحترامها كانا موضع حب الجميع، الا ان قصصها دلت على عراقة اصول اجدادها من ابيها ضومط بلان الى جبر ضومط والفرسان الثلاتة من مؤسسي ‘الرابطة القلمية’ امثال عبد المسيح حداد ونسيب عريضة وندرة حداد وجميعهم من بلدها حمص.

اقام جدي وجدتي اثناء الانتدابالاحتلال البريطاني في بيت جميل ورحب مطل على البحر، والذي ما زال شقيقي اديب بعد مغادرتي الى بريطانيا يسكن فيه ويحاول قدر المستطاع الحفاظ عليه وعلى ارث جدتي وجدي فيه وعلى الارض والوجود العربي بشراسةô وعند حلول نكبة فلسطين كانت هذه لجدتي نكبتها الثانية..فنكبتها الاولى كانت شخصية بفقدانها زوجها الشاب نتيجة خطأ صديقه الطبيبôرغم الارهاب والقصف والخدع الاعلامية الصهيونية وطرد سكان فلسطين ويافا، اكبر المدن ديمغرافيا (مع قراها)، رفضت جدتي النزوح من بيتها الزوجي واخذت بقدرتها المتواضعة آنذاك الوعظ بسكان الحي ومن كان حولها عدم الخضوع وانها تفضل الموت في بيتها عن الرحيل.

قبل ارهابه راحلا من وطنه، ومن بين كل اهالي يافا (وقراها، والتي بلغ تعداد سكانها قرابة ال 150 الف في 1948) اختار الشيخ ابو رباح، جدتي مدام خوري ليسلمها قصره الشامخ في الشارع الرئيسي في يافا حيث ظن انها ستسكن فيه. خالية من اية انانية قامت بتأسيس نواة حركة النساء العربيات في فلسطين في مبنى الشيخ ابو رباحôاتاها الناس سائلين: لماذا لا تجعليه بيتك الجديد.. فاجابت انها تريد تقديم العون لمن اصبحن لاجئات فقيرات في وطنهن. العديد من صديقاتها سلموها بيوتهنô وكان بامكانها اختيار بيوتهم الفارغة للاقامة بهاô فرفضت بشكل قاطع ôوبقيت تكررô’هذه بويتهم وسوف يعودون اليها آجلا ام عاجلا وانها لأمانة وطنية في عنقي’.

انقطعت جدتي عن مسقط راسها حمص وموطنها سوريا الحبيبة الى الأبدô الآن بعد ان جبرت على حمل الهوية الاسرائيلية ورفضها تعلم العبريةô. فصممت التحدث بالروسية مع الطبقة الراقية من المستوطنين الجدد فقد سمعت من شقيقها صديق تشيخوف وغوركي وابدعت باللغة الروسية. الا ان حمص عاشت في كل جملة وقصة و’كويرة كبة’ اعدتها لنا لدرجة أنني اظن الآن انها تواصلت مع وطنها وعاشت به وعاش بها وقامت ‘بتصديره وتسويقه’ لنا عبر القصص والماكولات السورية الشهية.

عاشت جدتي الحمصية – الآن – اليافية (وما الفرق؟) وصمدت وعشنا تحت الاحتلال الاسرائيليô ورغم ثقافتها السياسية العالية وتجاربها خلال الحرب العالمية الاولى والاستعمار الفرنسي في سوريا وبعدها الحرب العالمية الثانية والاستعمار البريطاني في فلسطين والذي لاحق اخيها المعلم انطون بلان في غرف التدريس في السمنار الروسي لمواقفه الوطنية وكان ذلك كغير عادة من يعمل في سلك التعليم، والآن تحت الحكم العسكري الاسرائيلي، قررت جدتي الآن (بعد وفاة اخيها وزوجها وعيشها كارملة مع ابنتها الوحيدة) الا تتكلم بالسياسة الحزبية او القطرية او العالمية على الاطلاقô وفضلت ان يرتكز عملها في السياسة الاجتماعية الهادئة.. فكان هدفها ان يصمد من تبقى من عرب يافا في مدينتهم. فشرعت في اقامة دورات اللغة والحساب والتاريخ والجغرافيا والتطريز والحياكة ودورات التدبير المنزلي وحقوق المرآة في معهدها الفريد.

بينما كانت تتظاهر قوى وطنية- شيوعية ضد اسرائيل في بلدات عربية في الجليل والناصرة وحيفا، بقيت جدتي مع بؤساء يافا ولم تسافر لتتظاهر جدتي ولم تصرخôفانضباطها وادارتها في مرحلة معينة للصليب الاحمر (ابان النكبة) حيث صبغ الطحين الذي كانت توزعه على الفقراء المقطوعين شعرها قبل ان يغزو الشيب رآسها بشكل طبيعي. كنت انا طفلا مسيساôوبالنسبة للفلسطينيين منذ النكبة وحتى الانتفاضة الاولى في 1987 كان منسوب الوطنية الظاهر في المجتمع لدينا (في مدن الساحل والجليل والمثلث والنقب) يتمحور بدعمك او قربك من الحزب الشيوعي بزعامة قيادات وطنية تاريخية امثال اميل توما وتوفيق طوبي واميل حبيبي وتوفيق زياد وحنا نقارة وسميح القاسم ومحمود درويش واخرون.

نشات كطفل مسيس (غير كتوم كوالدي نعيم مخول كما يبدو) وذلك على عكس صفات جدتيôفقد الهبتني السياسة كصبيô انتظرت الانتخابات البرلمانية الاخيرة في حياة جدتي في ايار 1977 (والتي انجبت الارهابي الصهيوني مناحيم بيغن الى دفة الحكمô) ورجوت جدتي التي وافقت ان تصتحبني معها الى صندوق الاقتراع عن براءة حمصية غير متصورة منسوب حب استطلاع حفيدها ô لم اسألها لمن ستصوت قبل دخولها صندوق الاقتراعô بعد ان اكملت عملية الاقتراع خرجت ومسكت بيديôومشينا خارج قطر المبنى في شارع النادي الارثوذكسي اليافي سابقا قبالة قصر اسرة الشيخ علي – والذي اصبح ولغاية الآن منزل السفير الفرنسي الدائم.

عندما كنا لوحدنا في الشارع قفزت امامها وسألتها من انتخبتô ولم انتظر رداô وفاجاتني وبجديتها المعهودة بجوابها المباشر كغير عادتهاô توقفت ونظرت الي مليا وانا حدقت بمقامها وشخصيتها الانيقة وتسريحة شعرها الشامخة، حيث قالت:’ôالحزب الشيوعيô’ وما كنت لاصرخ:

‘عن جد تيتا’ôسآلت بقلق شابه الفرح فأجابتô:’نعمôوكيف يمكن ان تستمر هذه المجموعة الوطنية في دخولها الى الكنيست وحتى لو عاملتها الحكومة كطابور خامس وانها عديمة التآثير في البرلمان فعلى الأقل هم يصرخون وبذلك تحافظ هذه المجموعة على هويتناôولولا انهم ينالون اصوات من هم من امثالي من الناس دون تصريح، لأن ذلك قد يسبب المعاناة والملاحقة وقطع الارزاق من الاحتلال الاسرائيلي المتوغل بجواسيسه، لما نجحوا’.

توفيت تيتا بلاجيا في 18 كانون الاول 1978، اسبوع قبل عيد الميلاد المجيد والذي حرمنا من الاحتفال به بعدها، وكانت قد مارست عملها كمديرة مؤسسة لمعهد النساء العربيات الذي اقامته في يافا لغاية اخر ساعات في حياتها رغم دخولها سن الثمانين.

كل مرة اتحدث مع اخي وشقيقاتي نتهم بعصنا دائما ان كل ما هو بريء منا وفينا ويتسم بالسذاجة ما هو الا نتيجة جيناتنا وتربيتنا الحمصيةô وبالتحديد عندما يدور الحديت عن سذاجتنا فيما يتعلق بموضوع المالôحيث توفيت جدتي الحمصية والتي وفرت لنا المدخول الكبيرôدون ان تترك توفيرا واحدا لا لإبنتها ولا لاحفادهاô فكان شعارها: ‘اصرف ما في اجيب ليأتيك ما في الغيب’ وقد كان بيتها ‘مضافة مدام خوري’ لحل المشاكل الاجتماعية حيث ضرب المثل بكرمها وبالتحديد لقيامها بتبني بعض البنات في بيتهاôô.الا انه وعندما اقترب الموضوع من اراضي المرحوم زوجها في فلسطين، ابت الا ان تحافظ على ما تبقى منها رغم وبعد المصادرة الاسرائيلية لغالبيتهم. فالكرم والكرامة والصمود والحكمة والتروي اتو الى بيتنا من حمص وسورياô كما اتى استقلال الشخصية ورفض تدخل الآخر مهما كان في شؤوننا الداخلية.

رغم زيارة الآلاف من الفلسطينيين حملة الجوازات الاسرائيلية لسوريا قبل عقد من الزمن (خاصة الذين كانوا محسوبين على تيار سياسي معين انذاك وقبل انشقاق بعضهم ورحيلهôلكن هذا موضوع اخر) لم يتسن لي ولا لعائلتي زيارة سورية او حمص مدينة جدتي ومدينتي الثانية وراثيا بعد يافا.

في مطلع العام 2011 ومن خلال حديث عائلي قلت لأخي اديب انني اريد ان اعيد لحمص شيئا من الكثير الذي اعطتنا اياه والذي كان متجسدا في جدتنا المثال، وانني اريد تكريس منحة جامعية سنوية على اسم جدتنا لطالبة من حمصô واخبرت سعادة السفير السوري في لندن الدكتور سامي الخيمي عن مشروعيô وكان ما كانô وها نحن هنا. فشرعت افكر بجدتي وجديô وقلت ان جدي كان محظوظا لأنه لم يشاهد بأم عينه ما حصل لفلسطين بسبب تقاعس ‘القيادات’ العربية الرجعية وتأمر بعضها مع الصهاينة وممثلي الاستعمارô واقول اليوم ان جدتي كانت ‘محظوظة’ انها لم تعش الى يومنا هذا لترى كيف يقتل الحمصي اخيه الحمصيô وكنت قد خرجت عن صمتي مسطرا المقالة الوحيدة (في القدس العربي) بعد ان فرضت على نفسي عدم الكتابة في الصحف العربية منذ قدومي الى بريطانيا في ايلول 1999 عندما قتل الفلسطيني اخيه الفلسطيني في غزة في عام 2006. فكم انا ‘محظوظ’ لضرس مشاهدة النكبة ووقعها ودفع الثمن وقتال الأخوة الذي لم يكن ليحصل لولا متاجرة اباطرة ‘الدول العربية’ بدم الأبرياء في قطاع غزة او حمص والذي آمل ان يوقفه الحكماء من اهل حمص الحبيبة رافضين التدخل الاجنبي والعربي الأناني لكي ازورهم من يافا واعيد لهم في وعاء شامي حفنة من تراب رفاة ابنتهم – جدتي بلاجيا، والتي سميت على اسمSaint Pelagia) ) القديسة السورية بلاجيا فقط لأن معنى الاسم في العربية: بريئة.

‘ اكاديمي فلسطيني مقيم في بريطانيا

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى