بكر صدقيصفحات سورية

تسليم جريح إلى مستشفى يعني موته: في تطبيع المجزرة


بكر صدقي

في المجازر النوعية التي يرتكبها نظام بشار الأسد في المنطقة الوسطى من سوريا المختلطة طائفياً، تكرار “تكتيكي” لمجزرتي تل الزعتر وصبرا وشاتيلا في لبنان. يقوم التكتيك العسكري في جميع تلك الحالات على تطويق الجيش السوري أو الإسرائيلي لـ”الهدف”، لتقوم ميليشيات مدنية مسلحة من طائفة بعينها بذبح السكان بصرف النظر عن العمر أو الجنس أو اللون. لا يمكن اعتبار حصائل مجازر جماعية بشعة من هذا النوع انتصارات بالمعنى العسكري. والهدف منها هو خلق ترويع شديد يدفع الخصم إلى الاستسلام أو النزوح. لذلك ترتكب مثل هذه المجازر عادةً في الحروب الأهلية لتحقيق تطهير عرقي، وفرض توازنات ديموغرافية جديدة كأمر واقع على الأرض، من الصعوبة بمكان التراجع عنها.

لهذه المجازر أثمان قد يدفعها المرتكبون يوماً ماً، لكنها لا تعيد ضحاياها إلى الحياة، وتكون الأثمان رمزية وتطال بعض الرموز، ويفلت الباقون من العقاب. والحال أن أحد أهم دوافع النظام السوري لارتكاب المزيد من المجازر الطائفية، إنما هو شد العصبية الموالية له، وطمأنتها بأنها قوية وفي منأى عن المحاسبة.

لكن هناك وجهاً آخر لهذه المجازر البارزة (الحولة والقبير والتريمسة وغيرها) هو أنها تكثيف للمجزرة الواحدة المتصلة ضد الشعب السوري منذ 16 شهراً. فهذه الأخيرة، الممتدة على بساط الزمن، تضمنت أنواعاً من الانتهاكات لا مثيل لها في أي احتراب داخلي آخر، سنعمل في هذه العجالة على تقديم عينات بارزة منها.

يركز إعلام المعارضة عموماً على عدد الضحايا في صفوف المدنيين العزل، أو المسلحين المناهضين للنظام. ويكتفي إعلام النظام برصد جزء صغير من ضحايا قواته المسلحة للتدليل على وحشية خصومه. هناك فجوة ضائعة بين الطرفين هي عدد الضحايا الحقيقي في صفوف قوات النظام وميليشيات الشبيحة المناصرة له، كما في عدد أولئك الجنود الذين يقتلهم النظام بدم بارد بسبب رفضهم الأوامر بإطلاق النار على المدنيين العزل، أو أثناء محاولتهم الانشقاق. معظم هذه الحالات تنتهي إما في مقابر جماعية أو ضحايا مفترضين لعمليات تفجير كبيرة بسيارات مفخخة، أمام مراكز الأمن، كما حدث قبل حين أمام فرع فلسطين في دمشق. فهذه التفجيرات، التي يسود الاعتقاد بأنها من تدبير أجهزة أمن النظام البارعة في هذا النوع من الأعمال الإرهابية، يكون التخلص من بعض جثث الضحايا أحد فوائدها الجانبية بالنسبة للنظام. وبعض هؤلاء الضحايا هم معتقلون تم تعذيبهم حتى الموت، إما لانتزاع اعترافات منهم، أو لإرغامهم على القول بألوهية بشار الأسد وأخيه ماهر.

غير أن الفظاعة السورية إنما تبلغ ذرى سوريالية فائقة في المستشفيات. منذ بداية الثورة اقتنع المشاركون فيها بأن تسليم جريح إلى مستشفى من أجل العلاج، يعني تسليمه للموت. هناك شهادات كثيرة عن تعذيب الجرحى في المستشفيات الحكومية على يد أطباء وممرضات لا يتورعون عن اقتلاع عين الجريح أو بتر أحد أعضائه. فإذا نجا الجريح من تلك الأهوال على قيد الحياة، اقتيد إلى أحد فروع الأمن، حيث تبدأ فصول جديدة من التعذيب الذي قد يؤدي إلى الموت. وفي حالات أخرى تم الإجهاز على الجرحى مباشرةً أثناء إلقاء القبض عليهم في التظاهرات، أو قضوا في إطلاق النار على سيارات الإسعاف التي تقلهم. أما المستشفيات الخاصة، فبعضها يمتنع عن استقبال جرحى المظاهرات خوفاً من الأجهزة الأمنية. ويستقبلهم بعض آخر من تلك المستشفيات، لكن عناصر الأجهزة المسلحين بالبنادق موجودون في كل المستشفيات الخاصة. فإذا غضوا النظر نجا الجريح، لكن المطلوب منهم هو إبلاغ رؤسائهم بكل حالة، لتأتي دورية من الفرع فتلقي القبض على الجريح متلبساً بجرحه.

هذا ما خلق الحاجة إلى المشافي الميدانية. ففي كل مدينة ثائرة تتعرض لقمع النظام، قام السكان، بجهودهم الخاصة، بتأمين بعض التجهيزات، والأدوية الضرورية للحالات الإسعافية، وأطباء متطوعين يفعلون ما في وسعهم لإنقاذ الجرحى. قضى كثير من المصابين بإصابات عادية بسبب نقص التجهيزات أو الأدوية أو بسبب تعرض “المستشفى الميداني” للقصف من قبل قوات النظام (في حمص ودوما وغيرهما من المدن المنكوبة). لكن ما لا يمكن تصديقه حقاً هو تحول الطبيب المتطوع لإسعاف الجرحى إلى مجرم يستحق العقاب في نظر النظام وأجهزته الإرهابية. قبل ثلاثة أسابيع عثر في مدينة حلب على جثث أطباء ومسعفين كانت أجهزة النظام اعتقلتهم بتهمة معالجة الجرحى. ولم تكن عقوبتهم السجن لفترة محددة من الزمن بل القتل وإحراق الجثث.

وسوريا هي البلد الوحيد في العالم الذي تجري فيه عمليات إغاثة النازحين بسرية تامة. أولئك الجنود المجهولين ممن كرسوا وقتهم لتأمين المأوى، وغيره من مستلزمات الحياة، لعشرات آلاف النازحين من المدن والقرى المنكوبة، متهمون تحت الطلب من قبل أجهزة النظام، بتهمة “مساعدة الإرهابيين”. قال لي أحد المتطوعين في أعمال الإغاثة: “نحن نحل مشكلة للنظام. ماذا لو توقفنا جميعاً عما نقوم به؟ ألن يكون النظام مرغماً على أداء هذه المهمة؟”. لا.. لن يكون مرغماً على أي شيء. تصح هذه المحاكمة على أي نظام دكتاتوري أو فاشي دموي، ولكن ليس على نظام بشار الأسد الذي لا يكتفي بإرغام السكان على النزوح أو بتركهم في العراء لمصيرهم، بل كثيراً ما يقتلهم على الحواجز أو يعتقلهم، لمجرد أنهم من حمص أو حماة أو الزبداني أو درعا أو جبل الزاوية مثلاً.

هذه مجرد عناصر من لوحة فظيعة، ربما لم تشهدها أكثر الحروب الأهلية دموية في التاريخ. نظام إرهابي شعاره: “الأسد أو لا أحد”، و: “الأسد أو نحرق البلد”.

ولكن ماذا عن الجيران؟ ماذا عن لبنان الذي يرفض معالجة الجرحى السوريين في مستشفياته؟ وماذا عن العراق الذي أغلق أبوابه أمام نزوح السوريين؟

هذه منطقة ابتلت بشيء رهيب، ألبسته فوق ذلك ثوب “قضية”! حين تعلو القضية ينحط الإنسان. وحاملو القضية يتحولون إلى جزارين ووحوش. حسن نصر الله ونوري المالكي يمنعان معالجة الجرحى السوريين واستقبال النازحين السوريين، في إطار مقاومتهما البطولية للامبريالية والصهيونية! تباً!

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى