صفحات سوريةفايز ساره

مصير دموي للإعلام في سورية


فايز سارة *

قالت رابطة الصحافيين السوريين، وهي كيان نقابي مستقل، إن تسعة من الصحافيين والنشطاء في مجال الإعلام قتلوا في آب (أغسطس) الماضي في سورية، وهو تطور رفع عدد من قتل من الصحافيين والنشطاء الإعلاميين هناك في العام ونصف العام الماضيين إلى خمس وستين شخصاً، وهو رقم غير مسبوق حتى في ظل أزمات وكوارث حدثت في مختلف دول العالم. وتمثل الأرقام بعض مؤشرات ما أصاب الصحافيين والنشطاء الإعلاميين سواء منهم المحليين أو العرب والأجانب في هذا البلد، وقد أصيب بعضهم بجروح، فيما تعرض بعض آخر للاعتقال والتوقيف، وجرى طرد كثيرين منهم خارج البلاد بعد توقيفهم.

ويعكس ما حدث في جانب منه قسوة وضراوة ما حصل ويحصل في سورية من جهة، كما يعكس في جوانب أخرى، قسوة تعامل السلطات السورية مع المشتغلين في الإعلام، حيث أن ما يصيب الصحافيين والنشطاء الإعلاميين، يعكس طبيعة ما تقوم به السلطات السورية من عمليات حصار وقصف واقتحام لمدن وقرى، يسقط بسببها قتلى وجرحى، ثم يعقب ذلك القيام باعتقالات وتوقيفات، ثم عمليات تهجير، يأخذ بعضها مساره إلى مناطق سورية أخرى، فيما يتجه بعضها الآخر نحو الخارج عبر دول الجوار، وفي سياق هذه السلسلة، يقع الصحافيون والنشطاء الإعلاميون ضحايا ما تقوم به السلطات من ممارسات تنتمي إلى السياسة والممارسات الأمنية والعسكرية التي تتابعها منذ آذار (مارس) 2011 وتداعياتها.

لقد صاغت السلطات السورية سياستها في التعامل مع الإعلام والعاملين فيه على مبادئ الشك والحذر وصولاً إلى حد العداء، ومنع تسرب أو شيوع المعلومات، التي ينظر لها من زاوية أمنية، حتى وإن كانت تقع خارج هذا السياق، وفي ضوء تلك السياسة، كانت علاقة السلطات السورية متشنجة مع الإعلام والإعلاميين، وعجزت كل الجهود التي بذلت في العقد الماضي إلى جانب تطورات علوم الاتصال وتقنياته عن تغيير تلك العلاقة، بل إن الإعلام السوري الخاص الذي أقيم على أساس التحولات الإعلامية والتقنيات الجديدة، تحول بفعل السيطرة الرسمية الشديدة إلى تابع خاضع للنظام وأداة رخيصة له على نحو ما هي عليه قناة الدنيا مقارنة بما هي عليه المحطات الرسمية ومنها الفضائية السورية، والسبب الرئيس لذلك هو التحكم بالإعلام والإعلاميين وفق الضرورات السياسية للسلطة.

والجانب الثاني المكمل في سياسة السلطات هو الحد من دخول الإعلام والإعلاميين إلى سورية، ومنه ولدت حالة تقييد حضور وحركة الإعلاميين العرب والأجانب، ويتلقى الزوار منهم نصائح ترقى لمستوى التعليمات حول ما ينبغي الاشتغال عليه من موضوعات، والأشخاص الذين يمكن الاتصال بهم والتواصل معهم، ويتم تعيين مرافقين رسميين لهم، وغالباً ما يتم تقييم محصلة عملهم، ليتحدد في ما إذا كان سيتم السماح لهم بزيارات لاحقة للقيام بمهمات إعلامية جديدة.

لقد ساهمت تلك السياسة إلى جانب التطورات الميدانية في العديد من المحافظات ولا سيما المتاخمة لتركيا ولبنان إلى تسلل إعلاميين عرب وأجانب إلى مناطق وسط وشمال سورية لتغطية الأحداث، فيما كانت ظاهرة الإعلامي المواطن تتفشى في كل المدن والقرى، حيث ظهر إخباريون ومصورون ومحللون لم يكونوا في الإعلام سابقاً، مما ولد سيلاً لا ينقطع من الأخبار والمعلومات والتحليلات والصور والأفلام، وشكلت خرقاً فاضحاً لسياسة النظام الإعلامية وتعرية لممارساته، فجعل الإعلام والإعلاميين بين أهدافه، وقد سقط أغلبهم في مناطق المواجهات وفي خلالها، وتم إلقاء القبض على آخرين وإبعادهم، فيما جرى اعتقال بعضهم بمن في ذلك صحافيون أجانب.

لقد حولت تلك السياسة سورية إلى واحدة من أكثر البؤر سوءاً في تعاملها مع الإعلاميين ومن أكثر المناطق خطراً عليهم، وهو أمر شائع منذ زمن طويل، وقد زادت الأحداث السورية الراهنة ولا سيما مجريات الحل الأمني العسكري الذي تتابعه السلطات خطورة الوضع السوري في تأثيره الدموي على الإعلاميين سواء المحترفين أو النشطاء الإعلاميين الذين لم تمنعهم معرفتهم بالواقع السوري واحتمالات الخطر فيه من الانخراط في تغطية إعلامية غير محدودة لما تشهده مدن وقرى سورية كثيرة من أحداث تستحق أن يطلع العالم على محتوياتها ومجرياتها.

* كاتب سوري

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى