صفحات العالم

سوريا ولبنان والعراق: خريطة حربية واحدة

 

    جهاد الزين

نعيش عملياً في المدى الذي بلغهُ الفيضانُ السوريُّ ديناميّةَ تلاشٍ متدرّجٍ للحدود، جميع الحدود، بين سوريا والعراق ولبنان.

تملك كلمة “الثورة” قوة قِيَمِيّةٌ بل أخلاقية هائلة رغم أن بعض أكبر وأبشع فظاعات التاريخ تحصل خلال الثورات وبسببها.

لم يَحُل أحدٌ هذه المعضلة اللغوية – الفكرية – السياسية بعد: كيف “نهرب” من قوة المصطلح الأخلاقية التي تختبئ فيها بل تطغى عليها لاأخلاقيةُ عنفِهِ الضارية؟

الوضع السوري يطرح مجددا علينا في الثقافة السياسية العربية هذه المعضلة وأظن سيطرحها طويلا على الحاضر والمستقبل العالميّين. ولا أدري كيف سيُنظر إلى هذه الحقبة العربية بعد مائة عام: هل ستُسمّى حقبة الحروب الأهلية البادئة في لبنان عام 1975 ثم في العراق واليوم بصورة أعنف في سوريا بحيث ستتلاشى أمام أحفادِنا في القرن الثاني والعشرين وهم ينظرون إلى ماضيهم أيةُ فروقاتٍ وموضوعاتٍ وقضايا أخرى لتبقى  باعتبارها حقبة الحروب الأهلية في المشرق العربي؟ وكيف سيُنظر إلى إسرائيل : هل ستصبح حقبة ما بعد 1948 إسمَ المرحلة الرئيسي كما لا يزال يعتقد بعضُ جيلِنا وجيلٌ سابق علينا أم ستكون إسرائيل والقضية الفلسطينية عنوانا “فرعيا” مُهِمّا لكن ضمن إطارٍ أوسع: حقبة الحروب الأهلية العربية أو حقبة سقوط أنظمة الاستبداد البادئة في العراق وسوريا وليس واضحا أين ستصل أو ستقف لاحقا؟

عندما رسم الفنان الإسباني فرانسيسكو غويا سلسلته الشهيرة عن الحرب الأسبانية اعتباراً من نهاية العقد الأول من القرن التاسع عشر وبينها لوحتُه عن  الإعدامات التي أسماها “الثالث من أيار عام 1808” ، ثم لاحقا لوحة الرعب الأخرى “ساتورن (الإله الروماني) يلتهم ابنَه” وغيرها، لم يكن يعلم ماذا سيسمّي أوروبيو القرنين العشرين والحادي والعشرين الحروبَ الأسبانية التي أنتجت هذا البؤس الذي حوّله فن غويا إلى أقوى رموز بؤس الحروب وكوارثها قبل أكثر من قرن وربع القرن على لوحة بيكاسو عن الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936 “غرنيكا”. لم يكن غويا يعلم أن تلك الحروب ستُسمّى ثورةً أو حرباً وطنية أو حربَ استقلالٍ أو حرباً أهلية؟ المستقبل لا يتغير عن الماضي  فحسب بل يغيّر هذا الماضي بصفته ماضيا؟ ولا يحوّل الحاضرَ القائم كحاضر بل يحوّله باعتباره “حاضر الماضي” إذا جاز التعبير.

لقد حملتْ الحربُ الإسبانية كل هذه الأسماء دفعة واحدة… فهي: ثورة على الاستبداد، حرب أهلية، غزو خارجي(نابوليوني) وبالتالي حرب وطنية.

في سوريا ثورة شاملة على الاستبداد منذ عامين إلى اليوم. وفي سوريا حرب طائفية. وفي سوريا دولة تتفكّك أو تفكّكت. وفي سوريا … لم يَظهر غويا الثورةِ السوريةِ وقد لا تكون هناك “حاجة” له لأن غويا الإسباني بسبب عظَمةِ نتاجه أصبح رسّامَ كلِّ هذه الكوارث في التاريخ الانساني بل رسام الرعب المرعِب الشاهد على الكوارث الأسبانية وغير الأسبانية.

السؤال طبعا ليس عن غويا بل عن سوريا. سوريا العنف الذي يحدث ولا يوصف في سبع مدنٍ وضواحيها دفعة واحدة. فيضان بشري من مختلف الطبقات على دول الجوار ولاسيما لبنان يليه الأردن فتركيا، فيما تتحول الحدود السورية العراقية خصوصا مناطق الأنبار إلى خط توتّر يومي مع الجيش العراقي في العديد من النقاط الحدودية التي تسيطر عليها المعارضة العسكرية السورية حسب تقرير نشره “معهد واشنطن للشرق الأدنى” بما لا نسمع عنه كثيرا في الصحافة اليومية باستثناء حادث “اليعربية” الأخير ويتحدث عن مناوشات وعمليات “حرب عصابات” بين عناصر من “القاعدة” والجيش العراقي في “الرابية” الحدودية غير البعيدة عن مدينة الموصل وفي منطقة “الرطبة” العراقية القريبة من الحدود الأردنية والسورية… ناهيك عن معلومات ينقلها مطّلعون عراقيون عن مناوشات في منطقة “البوكمال” وتتداخل فيها قوى الصراع على طرفي هذه النقطة الحدودية الممتدة على ضفة نهر الفرات إلى “دير الزور” السورية. إنه خط تواصل وتقاطع وتصادم الحربين الأهليّتين العراقية السورية. فهل هذا إذن تَواصلُ ثلاثةِ حروبٍ أهلية من لبنان إلى سوريا إلى العراق أم هو حربٌ أهلية واحدة في “ولايات” ثلاثٍ متلاصقة مختلفة؟

إننا نعيش عملياً دينامية تلاشٍ متدرّجٍ للحدود، جميع الحدود، بين سوريا والعراق ولبنان بحيث نتّجه إلى وضعية خريطة واحدة متداخلة يهدر( في العامية يقال: يُهمدر) فيها أمام بعضهم البعض ملايين السُنّة والشيعة على خط ممتد من البصرة إلى طرابلس(والعياذ بالله).

في الواقع، مع هذا الوضع في سوريا، قلب المنطقة، تُواجه كلُّ الدول المحيطة بها خطرَ تلاشي الحدود معها. لكن بالنسبة لتركيا والأردن واسرائيل الأمور ممسوكة أكثر لأنها خارج الالتهاب الديموغرافي المباشر للحساسية السنية الشيعية.

يميل العديدون إلى الكلام عن التدهور المصري والتأزم التونسي  بكونهما على مستوى واحد مع الوضع القائم في سوريا أو في العراق: تفكك الدولة. هذا ليس صحيحا. في تونس ومصر لم تنهَرِ الدولة. بل لم تتحوّل الثورة إلى حرب. العنف التونسي والمصري هو “عنف سلمي”، عنف تسيّجه وستسيّجه الثقافة السلمية لمجتمع متجانس في تونس ومتجانس في موروثه السياسي في بلد مثل مصر. أما في سوريا والعراق فقد استحكم الاستبداد في هذين الكيانين إلى حد أنه جعل الخيار بينه وبين وجود الدولة نفسها.

يبدو الآن بمعزل عن التداخل مع الدينامية المشروعة للثورة الشعبية السورية أن الغرب يلتقط وبالتالي يوظّف هذه الثورة التي كانت ستحصل في سوريا عاجلا أم آجلا… يوظّفها لتصحيح “خطأ تاريخي” ارتكبه الاستعماران البريطاني والفرنسي. فهما كانا يعتقدان أنهما يقسّمان الولايات العربية للأمبراطورية العثمانية السابقة إلى دويلات ضعيفة. وإذا بتطورات مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى ونضالات الحركة الوطنية السورية يومها ترغم فرنسا في سوريا على القبول باستقلال كيان سوري ستكتشف فرنسا كما ستكتشف بريطانيا في العراق أنهما- العراق وسوريا- كيانان أكبر بكثير من “المطلوب” الذي يلائم المصالح الغربية الاسرائيلية في المنطقة لأنهما سمحا بقيام دولتين “بسماركيّتين” ذواتي طموحات خارج حدودهما وغيرِ مكتفيتين بحدودهما خصوصا في ظل النظامين البعثيّين الأقلاويّين اللذيْن أحكما السيطرة عليهما تباعا منذ النصف الثاني لستينات القرن العشرين.

“استهلك” الاستبدادان العراقي والسوري البعثيان الطاقة التوحيدية الداخلية لكلٍ من البلدين. كانا يحافظان على وحدة الكيانين… لاشك بذلك. لكنهما في ما آلت إليه قوةُ الاستبداد كانا يقمعان هذه الوحدة ليحافظا عليها! فإذا بالانضمام السوري إلى الثورات العربية يأخذ شكل تفتّت المجتمع والدولة. وتبدو النخب “العلمانية” السورية الثائرة في الخارج غير مهتمة فعلا ولا تريد أن تكون مهتمة بأكلاف الثورة على وحدة المجتمع والبلد… إلا بعد سقوط النظام. لكن المشكلة التي بدأ يعترف بها ذوو الضمائر النقدية في المعارضات السورية هي أن وتيرة تدمير البلد تجاوزت وتيرة تساقط النظام بل تجاوزت الحربُ السورية وتيرةَ بشاعات الحرب الأهلية اللبنانية ووتيرةَ بشاعات الحرب الأهلية العراقية. وقد يكون أصبح بلا جدوى السؤالُ عما إذا كانت “عسكرة الثورة” خطأ “ثوريا” كبيرا. “العسكرة” التي تلاقت فيها النوايا الخَلاصية الحسنة للتيار الراديكالي “العلماني” في الثورة مع النوايا الخبيثة والخطيرة لـ “لعبة الأمم” الدولية.

دعونا نُسَمِّ النقطة التي وصلتها  فظاعة العنف السوري “خط غويا”… حيث الإله ساترن يأكل أبناءَه وحيث “الثالث من أيار” هو كل يوم من الأيام السورية الطويلة.

النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى