صفحات الثقافة

«عودة أوليس» لديريك والكوت

عباس بيضون

ديريك والكوت شاعر من جزر الأنتيل في ترينينداد يكتب بالانكليزية، حاز والكوت جائزة نوبل كما حازها زميله الانكليزي شيموس هايني. يحاول والكوت، الذي ترك في الغالب أثراً على محمود درويش، أن يزاوج بين تحديث الشعر وبين دفقه الملحمي، وهو بالتأكيد يجد في التاريخ مصدراً أساسياً للشعر. عودة اوليس هو إعادة كتابة لملحمة هوميروس الشهيرة «الأوذيسة»، هذه الملحمة تتكلم عن تيه عوليس أحد أبطال الحرب الطروادية الكبار الذي كان في الإلياذة عقل اليونان الذين ذهبوا إلى حرب طروادة. اشتهر عوليس بدهائه كما بشجاعته، وهو الذي اقترح على اليونان حيلة

الحصان الخشبي الذي تركوه فيما كانوا يتظاهرون بالاستعداد للرحيل بعد أن عجزوا عن فتح طروادة. تركوه عامراً بالمسلحين في داخله ليظن الطرواديون انهم خلفوه وراءهم هدية للمدينة التي استعصت عليهم. انخدع الطرواديون فحملوا الحصان إلى المدينة وفي الليل خرج الرجال منه وفتحوا الأبواب لليونان وكان فتح طروادة.

تبدأ الأوذيسة بعد مرور وقت طويل على حرب طروادة، فقد عاد الملوك اليونان إلى مدنهم ما عدا اوليس الذي لعن البحر فمنعه بوزيدون إله البحر من ان يصل إلى مدينته وجعله يرحل في تيه بلا نهاية. خلال هذا الوقت الطويل كبر ابنه تيلماكس، وتزاحم الأمراء على زوجته بينيلوب لتتزوج أحدهم فيكون ملكاً على ايثاكا. وقد تحايلت عليهم الملكة حتى استحال عليها ذلك فوعدتهم بأنها ستتزوج أحدهم ما أن تنتهي من نسيجها الذي كانت تنقضه كل ليلة لتؤخر الزواج. ابنها تيلماكس يترك المدينة ويزور نسطور الملك صديق أبيه ومينلاوس زوج هيلين، الذي كان اختطافها مع باريس سبب الحرب الطروادية، أما اوليس فيمضي في تيهه، تعشقه إلهة وتعده بالخلود لكنه يشتاق إلى زوجته وابنه، يغرقه البحر لكنه ينجو. تستقبله حورية في جزيرتها، يواجه السيكلوب ذا العين الواحدة الذي يتلذذ بأكل رفاقه لكنه يطعنه في عينه. يصل إلى مبغى حيث يأكل رجاله عشباً يمسخهم خنازير. إنه تيه ينقطع فيصل عوليس إلى ايثاكا، هناك يتنكر في ثياب متسول ويدخل هكذا إلى قصره. هناك يلتقي بالأمراء الجشعين الذين يتزاحمون ليتزوجوا امرأته ويقتلوا ابنه. يتظاهر بأنه متسول وعجوز. يتعرف على زوجته وابنه وتخرج زوجته لتقول إنها ستتزوج من بين الأمراء من باستطاعته أن يستعمل قوس عوليس. قوس عوليس العصي على الجميع يخذلهم. عندئذ يتقدم المتسول العجوز ويقول إنه سيجرب. يسخر منه الجميع لكنهم يتركونه يتقدم إلى القوس وفي ظنهم أنه سيكون موضع سخريتهم. يمسك عوليس قوسه ويفتحه ويسدد سهماً إلى اطماع هؤلاء الأمراء ويطرد الأمراء الجشعين ويعود إلى بيته وزوجته وابنه. ترجم اوذيسة ديريك والكوت الشاعر الراحل ممدوح عدوان، الذي سبق له أن ترجم «تقرير إلى غريكو» لكازانتزاكيس ترجمة رائعة، وإذا لم تكن ترجمة الأوذيسة بجمال ترجمة «تقرير إلى غريكو» فإنها تبقى ترجمة شاعر وضع فيها قبساً من شاعريته وحمّلها شيئاً من إرثه اللغوي ومهاراته الأدبية.

كان محمود درويش من قبل قد جعل من فلسطين ايثاكا حديثه ومن الشتات الفلسطيني تيهاً أوذيسياً. ومن قبل جعل كافافي الشاعر اليوناني من ايثاكا رمزاً لملاحقة المستحيل الذي يحمله الإنسان أولاً في قلبه.

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى