صفحات سورية

أصداء الثورة السورية على المنطقة والعالم/ فاضل الحمصي

بات واضحاً لجميع المتابعين لتطورات الثورة السورية أنها الحدث السياسي الأهم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، متجاوزة بذلك أحداثاً عالمية كبرى كحربي الخليج وأحداث سبتمبر/ايلول 2001 وغزو العراق، فقد اتسعت تأثيراتها لتشمل العالم بأسره، بدءاً من الدول الإقليمية وصولاً إلى أصقاع الأرض المختلفة، ولتشعل صراع المحاور مجدداً وتحشد دول العالم في تكتلات جديدة، وتكون كما يقول خبراء، المنطقة الحقيقية للبدء بمشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يعتقد أنه مشروع (بلقنة) وتفتيت للمنطقة وتقسيمها على أساسات عرقية وطائفية.

حركت الثورة السورية المياه الراكدة في السياسة العالمية، فقد اشتعل الصراع مجدداً بين القطب الواحد ومنافسه السابق، الذي نزعت أنيابه بداية تسعينيات القرن الماضي، فالتأثيرات التي بدأت إقليمية وصلت إلى أوكرانيا وفنزويلا، ولا ننسى بالتأكيد تأثيرها الكبير في الملف النووي الإيراني.

إرهاصات الثورة

عاشت سوريا 50 عاماً من الركود السياسي، سيطر خلالها حزب البعث على جميع مفاصل الدولة، بدءاً بالأمن والجيش، وصولاً إلى تعيين مخاترة الأحياء وعمال النظافة! ولم يكن الهدوء الذي عاشته سوريا حقيقياً، بل كانت النار تشتعل وتتوقد تحت الرماد بانتظار اللحظة السانحة. خلال 30 عاماً من حكم الأسد الأب لم تكن بوادر الثورة في الحسبان، فعلى الرغم من بطشه وقسوته إلا أن حافظ الأسد لم يسمح لعائلته والموالين لها بالسيطرة على جميع مفاصل الحكم، وبقيت هيبة الدولة محفوظة، كما لم يسمح حافظ الاسد بالاستفزاز الديني، فقد كان داهية حقيقياً وسياسياً بارعاً يحسب حساباً لكل شاردة وواردة.

بعد وصول الابن إلى الحكم تغيرت الأمور بالكامل، تغيرت أولاً ظروف العالم، وسمحت التكنولوجيا بوصول مزيد من المعلومات إلى كل بيت، وأصبحت الحقائق بمتناول الجميع، واعتمد بشار الأسد على الرعب والخوف فقط للاستمرار بالحكم، من دون القدرة على تغييب الحقائق كما كان في عهد والده. وفي عهد بشار تجرّأ آل الأسد ومخلوف وغيرهم على فعل ما منعهم منه أبوه، فباتوا بحق عائلة مسيطرة تنهب خيرات الوطن من دون أي رادع أو محاسبة.

النقطة الأخطر التي أهملها بشار كانت الاستفزاز الديني لمشاعر السوريين، فبعد غزو العراق ارتمى بشار في أحضان إيران، وتقرباً منها سمح لحملات التشييع بالعمل في طول البلاد وعرضها، وأنا هنا لا أتكلم من منطق ديني، بل اعتراضي على تسخير موارد الدولة بطريقة مستفزة لمشاعر مواطني البلد.

انطلاق الثورة

بعد انطلاق الربيع العربي، كان ينقص السوريون تلك الشعرة التي تقصم ظهر البعير، أو تلك الشرارة التي توقد النار في الهشيم، وكان ما كان في درعا، لتنطلق الثورة محملة بعذابات السنين وآلام 50 عاماً من الظلم والقمع. لم يكن السبب الرئيسي لانطلاق الثورة محدداً، فهو مزيج من أسباب اجتماعية واقتصادية ودينية، اجتمعت هذه الأسباب جميعاً لتشعل الثورة في وجه النظام، وطالب السوريون بالحرية والكرامة قبل كل شيء، ولسنا هنا بصدد ذكر الانحرافات التي تعرضت لها الثورة، ولكن مبدأها الأول كان الحرية والكرامة، شاء من شاء وأبى من أبى.

التأثيرات السياسية للثورة

لم تقتصر تأثيرات الثورة على سوريا فحسب، فقد أرعبت هذه الثورة العالم بأسره، وبدأ بالتآمر ضدها، حتى اكتشفنا متأخرين، أن أصدقاء الثورة المزعومين هم أعداؤها أيضاً!

انتقلت تأثيرات الثورة إلى دول الجوار أولاً، فلبنان يعيش أوضاعاً أمنية تجعله على شفير الهاوية، التفجيرات تنتقل من مكان إلى آخر، وحزب الله ومعارضوه قد تشتعل بينهم الحرب في أية لحظة، ما قد يجعل لبنان معرضاً لمحرقة أسوأ ربما من المحرقة السورية الحالية. أما الأردن فأوضاعه لا تقل سوءاً، فالنظام الأردني بات يرى في اللاجئين شراً يخشاه ويحسب له ألف حساب، والتأثيرات الاقتصادية تجعل الأردن على فوهة بركان لا يدري أحد متى يثور ليحرق الأخضر واليابس هناك.

أما في العراق فقد استغلت حكومة المالكي الثورة السورية لتحول ملامح بداية ثورة عراقية إلى صراع مسلح مع داعش، وقد انطفأت النار هناك، ولكن إلى متى؟ وفي شمال العراق، حيث الأكراد، الذين بدأوا بإعداد العدة لإنشاء دولتهم الحلم، خصوصاً بعد أن تمكنوا من السيطرة على المناطق السورية، التي يسمونها غرب كردستان، فالموقف هناك لا يبشر بخير أبداً، فدولة كهذه تهدد سوريا والعراق وتركيا وإيران، ومن المستحيل أن تسمح هذه الدول باقتطاع أجزاء منها، ما ينذر بحرب دموية طويلة يكون الشعب الكردي الضحية فيها كما كان عبر التاريخ!

وفي تركيا تعاني حكومة العدالة والتنمية ما تعانيه من خصومها بسبب موقفها المناصر للثورة، ومعارضو الحكومة يتربصون بها، محملين سياسة أردوغان وحزبه مسؤولية انخفاض سعر الليرة التركية، وما قد يتبعها من تأثيرات اقتصادية، وباتت البلاد فعلاً على صفيح ساخن، وأصبح المشهد معقداً إلى درجة يصعب تفسيرها.

أما إسرائيل، محور السياسة العالمية، فما زالت تحسب الحساب لسقوط عميلها (الممانع)! وتخشى فعلاً ممن تعتبره ‘الشيطان الذي لا تعرفه’، تخشى وصوله إلى الحكم، وترسم الخطط البديلة لعشرين سنة قادمة، فسياستها ليست اعتباطية أو وليدة لحظة تحت تأثير حدث. وقد دأبت إسرائيل منذ بداية الثورة على منع الولايات المتحدة وروسيا للحفاظ على المقاوم والممانع، منعتهما من أي عمل قد يؤدي إلى اهتزاز نظامه أو انهياره.

والخليج العربي يشهد اليوم أحداثاً عصية على التفسير، وقد كان للثورة السورية الدور الأكبر في التغييرات التي حصلت، فمن المناقشات للوصول إلى الاتحاد الخليجي إلى أزمة دبلوماسية تعصف بدول الخليج وتجعلها على خلاف! ومن استقالة أمير قطر وتسليم منصبه لولده، إلى سحب بعض السفراء من قطر نفسها. أمور قد لا تكون عابرة أو مؤقتة، وستتسع تأثيراتها وتستمر لعقود قادمة، ومن شأن هذه الأمور تغيير الاصطفافات والتحالفات الإقليمية، بما لا يخدم العرب ويمزق صفوفهم الممزقة أصلاً.

على المستوى الدولي كان الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى أحد أهم تأثيرات الثورة السورية، الاتفاق الذي غيّر سياسة تلك الدول مع إيران وجنّبها حرباً كانت كفيلة بإحراق المنطقة، ومخطئ كل من يعتقد ألا علاقة للثورة بما جرى في هذا الملف، وستثبت الأيام أن الدول الكبرى باعت سوريا لإيران مقابل ملفها النووي.

وعلى صعيد آخر، فأزمة أوكرانيا وما حملته في طياتها من صراع بين روسيا والولايات المتحــــدة كانت أيــضــاً امتداداً للصراع بين الدولتين في سوريا، وكذلك كانت الأحداث التي شهدتها فنزويلا.

المشهدان الإقليمي والدولي قبل الثورة السورية مختلفان تماماً عما بعدها، ومن لا يرى ذلك الفرق الهائل في السياسة العالمية فهو لم يدرك بعد تأثير الثورة في مسار السياسة العالمية، وتبقى كلمة السر في تلك السياسة منذ الحرب العالمية الثانية هي أمن إسرائيل وبقاؤها بعيدة عن أي خطر.

‘ كاتب سوري

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى