صفحات سوريةهوشنك أوسي

بعد انتخاب معصوم: أربع مهمات عاجلة تنتظر طالباني/ هوشنك أوسي

 

 

الجلطة الدماغيّة التي ألمّت بالرئيس العراقي وزعيم الاتحاد الوطني الكردستاني «مام» جلال طالباني، نهاية 2012، وأجبرته على السفر للعلاج في ألمانيا، لم تدخله وحده غرفة العناية الفائقة وحـــسب، بل أدخلت معه العراق والاتحاد الوطني الكردستاني أيضاً. فالوضع العـــراقي وتأزمّ العمليّة الســـياسيّة واشتـــداد الافتـــراق الوطني بين السنّة والشيعة، مع غزوة «داعش» للموصل، وتفاقم الصراع وأزمة الثقة بين بغداد وأربيل، كلها باتت معروفة، وليست بحاجة لتبيان وشروح.

وهذا فيما الأزمة البنيويّة – الوجوديّة التي تعصف بحزب طالباني، لا تقتصر نتائجها وتبعاتها على مصير الحزب ومستقبله، بل تطاول مجمل المشهد الكردي العراقي. وعليه، فعودة طالباني من ألمانيا إلى السليمانيّة، من دون الهبوط في هولير (أربيل)، عاصمة الإقلــيم، وعلى رغم مشـــاعر الـــفرح التي رافقتها، لن تـــغطّي على الأزمة الحقيقيّة المتفاقمة ضمن الاتحاد الوطني.

ذلك أن هذه الأزمة، بدأت تظهر للعلن، حتّى قبل مرض طالباني وغيابه. صحيح أن الأخير يحظى بوزن وتأثير معنوي وسياسي كبيرين على المتبقّي من الوطني الكردستاني، إلاّ أن شعبيّة طالباني وحزبه فقدا الكثير من بريقهما وحضورهما، حتى في مدينة السليمانيّة الكرديّة التي طالما اعتبرها طالباني المعقل الرئيس لحزبه، بعد انشقاق نائبه نيشيروان مصطفى عام 2009 وتشكيله حركة التغيير (كوران)، وانتزاعه السليمانيّة من حزب طالباني في الانتخابات البرلمانيّة التي شهدها إقليم كردستان في أيلول (سبتمبر) الماضي، وفي الانتخابات المحليّة والبرلمانيّة التي جرت في العراق نهاية نيسان (ابريل) المنصرم أيضاً. ولئن حقق حزب طالباني نتائج جيّدة في محافظة كركوك في الانتخابات الأخيرة، فإنه خسر السليمانيّة مرّتين، ما زاد حدّة الصراع داخل الحزب، بين جناح زوجته، يؤازرها القياديان ملا بختيار وعادل مراد، وجناح نائبه الثاني برهم صالح، يسانده نائبه الأوّل كوسرت رسول علي، عبر التراشق بالاتهامات، وتحميل كل طرف مسؤوليّة الخسارة للطرف الآخر!.

ويمكن تلخيص الأزمة الداخليّة في الاتحاد بأنها تضارب بين مشروعين مقدّمين إلى قيادته: الأوّل، طرحه برهم صالح، ويركّز على ضرورة إجراء إصلاحات جذريّة وجديّة داخل الحزب، وتعيين شخص لقيادته، من دون وصفه بالأمين العام، فيما يبقى طالباني سكرتيراً فخريّاً للحزب لا يُمس موقعه. والثاني، يتبنّاه تيّار الرئيس طالباني، وبالنيابة عنه، عقيلته هيرو إبراهيم أحمد، عضو المكتب السياسي والممسكة بالمقدّرات الماليّة للحزب، ويرفض هذا التيّار تعيين شخص آخر، بديلاً من طالباني، معـــتبراً إيّاه سكرتيراً إلى الأبد، ويقترح اعتماد صيغة المشاركة في رئاسة الحزب، بتعيين رجل وامرأة للرئاسة، بالإضافة إلى المماطلة في عمليّة الإصلاح والتغيير في الحزب، ما يرفضه صالح أيضاً.

وكان من المقرر أن يعقد المؤتمر الرابع للاتحاد أواخر كانون الثاني (يناير) الماضي، إلاّ أن القيادة أرجأته إلى أجل غير مسمّى، مع منح كل من برهم صالح وكوسرت رسول علي وعقيلة طالباني، صلاحيّات الأمين العام، فيما رفض صالح استلام أيّ منصب قبل انعقاد المؤتمر.

وكي يجنّب طالباني حزبه وإقليم كردستان تبعات ازدياد حدّة الصراع، وإبطال الأسباب التي دفعت نيشيروان مصطفى إلى الانشقاق، والتي يمكن أن تتسبب في حدوث انشقاقات جديدة، يبدو أن أمامه أربع مهمات عاجلة لا تقبل التأجيل:

1 – إيقاف مساعي عقيلة طالباني لتوريث نجلها قباد منصب والده في رئاسة الحزب، ثم رئاسة الدولة. والعديد من المصادر يشير إلى أن اختيار قباد طالباني لمنصب نائب رئيس حكومة إقليم كردستان العراق، يأتي في سياق تهيئته ليصبح عضو المكتب السياسي للحزب في المؤتمر العتيد المنتظر عقده، ما يخوّله الوصول إلى منصب الأمين العام. وعليه، بعد بقاء طالباني الأب في منصب الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني منذ تأسيسه عام 1975، لن يكون التوريث سوى «رصاصة رحمة» على الاتحاد الوطني، بل ضربة قاصمة تصيب التجربة النضاليّة لجلال طالباني ايضاً.

2 – دعم ترشيح برهم صالح لقيادة الحزب، بعد موافقة «التحالف الكردستاني» مساء يوم 23/7/2014 على ترشيح عضو المكتب السياسي في الاتحاد فؤاد معصوم لمنصب رئاسة الجمهوريّة، وهذا علماً أن صالح كان الأنسب لهذا المنصب، لما يتمتّع به من خبرة وتجربة ومؤهّلات علميّة وسياسيّة وعلاقات دوليّة وإقليميّة، تجعله الأوفر حظاً لإجراء نقلة نوعيّة في الحزب وإعادة التوازن إليه.

3 – السير بالحزب نحو الشفافيّة والإصلاح الحقيقي الذي يكفل إبعاده عن ذهنيّة الإقطاع والتملّك العائلي والقبلي ومكافحة الفساد والمحسوبيّة المستشريّة في الحزب ومحاسبة الفاسدين، أياً كانوا.

4 – دعم ومساندة مــوقف رئيس إقليم كردستـــان مســـعـــود بارزانـــي، في ما يتعـــلّق بالأزمة بين أربيــل وبغداد، ورفض تهديدات واتــــهامات نوري المالكي للإقلــيم والقـــيادة الكرديّة. ذلك أن الخطأ الاستراتيجي الأبرز الذي وقع فيه طالباني على المستوى الوطني، هو دوره في تعطيل مساعي حجب الثقة عن المالكي، نزولاً عند رغبة طهران، ورضوخاً لضغوطاتها، ما ساهم في وصول العراق إلى ما هو عليه بسبب سياسات وممارسات المالكي.

بإنجاز هذه الخطوات – المهمات العاجلة الأربع، يكلل مام جلال تجربته النـــضاليّة والســـياسيّة المهمّة بـ«حسن الختام» بعد عمر طويل، ويجنّب حزبه المزيد من التشـــنّج والـــصراع الــداخلي، الذي سيفضي إلى الانشقاق لا محالة.

الحياة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى