صفحات مميزةياسين الحاج صالح

كرد، عرب وترك، وأميركيون…/ ياسين الحاج صالح

 

 

النقطة المهمة التي تفوت عموم السوريين العرب حيال الكرد، السوريين وغيرهم، هي أن الكرد لم يتعرضوا للاستعمار. لم تكن لهم دولة أو كيان مستقل وقت بدأ عصر الاستعمار والقوميات، فلم يمروا بالتجربة الاستعمارية على غرار أكثر شعوب آسيا وأفريقيا. في الهوية الكردية ووعي الذات الكردي ليس هناك شيء اسمه الاستعمار والصراع مع الاستعمار، والاستقلال الوطني، ولا تحضر في الثقافة والذاكرة ثيمات تتصل بالتجربة الاستعمارية. مثل كثيرين غيرهم بين خمسينات القرن العشرين وسبعيناته، تكلم مناضلون ومثقفون كرد على الامبريالية ومواجهة الامبريالية، لكن ظل ذلك كلاماً مجرداً، يحيل إلى نظام أيديولوجي لا إلى تجربة حية. وشارك كرد في مقاومة الاستعمار في سورية، من أشهرهم ابراهيم هنانو (لكن كانت العروبة هي أيديولوجية مقاومة السوريين لفرنسا، بما في ذلك عند هنانو نفسه)، وكان كرد عراقيون أول من تعرض لقصف البريطانيين بالسلاح الكيماوي مطلع عشرينات القرن الفائت، إلا أن الواقعة انسحبت من الذاكرة التي تغمرها تجارب لاحقة. وقد يقال اليوم إن معاهدة «سايكس بيكو» الاستعمارية التي قسمت المشرق العربي هي نفسها التي قسمت كردستان بين ثلاث دول أو أربع. لكن الأمر يرِد غالباً في قالب سجالي، ولا يحمل شحنة غضب فعلية على تلك القوى المستعمرة.

بالعكس، للاستعمار في الوعي الذاتي العربي، في سورية والمشرق عموماً، دور كبير جداً، مرده تجربة الاستعمار الفعلية المتفاوتة الطول، وساهم في إبقاء الأمر راهناً على الدوام الكيان الإسرائيلي الذي يشكل في وعي أكثر السوريين والعرب استمراراً للاستعمار الغربي في المنطقة. الدعم الغربي الاستثنائي لإسرائيل يمنع هذه التجربة من التقادم.

تشكل الوعي القومي العربي حول تجربة الاستعمار (أخذ بالتشكل في أيامها)، وحول اعتبار الغرب الآخر الماهوي، الذي يجري تعريف الذات بالتمايز عنه. وعلى رغم تدهور وعي الذات القومي العربي وتفككه، تبقى العلاقة مع الغرب إشكالية في أحسن حال، وعدائية في أسوئها. وموقف الغرب العدائي من الإسلام، وللعرب علاقة خاصة به، يبقي هذه العلاقة أقرب إلى قطب العداء.

وضع العرب هو الخاص في هذا الشأن: نحن لم نخرج من زمن الاستعمار. تواطأت عدوانية الكيان الإسرائيلي ودعم الغرب له، مع مصالح نخب السلطة في منطقتنا وتوسل الممانعة استراتيجية حكم في الداخل، مع توسل الإسلاميين لممانعة خاصة بهم (حضارية أو ثقافية أكثر) استراتيجية للسيطرة أيضاً، تواطأت هذه العوامل على إبقائنا مزامنين للاستعمار، سياسة وسيكولوجية وثقافة.

هذا ليس حال الكرد، ليس لديهم سبب خاص لمعاداة الغرب، وليست لديهم ذاكرة مرة من الصراع مع الغرب. الواقع أن الحال معكوس هنا. أقرب شيء في الوعي الكردي للتجربة الاستعمارية هو وقوع الكرد تحت سيطرة دول تهمين فيها قوميات أخرى، عربية في اثنتين منها، العراق وسورية، فضلاً عن تركيا وإيران، يحصل أن يُسمى ذلك استعماراً أو احتلالاً أجنبياً. وأقرب شيء إلى الاستقلال الوطني في الوعي الكردي هو نشوء كيان كردي مستقل فعلاً. الوعي القومي الكردي مثل نظيره العربي، لديه تطلع إلى الخلاص من السيطرات الأجنبية من جهة، وإلى وحدة كردية عامة من جهة ثانية.

وصحيح أن تركيا أيضاً لم تقع تحت وطأة الاستعمار الغربي، إلا أن كيان السلطنة (وللترك علاقة خاصة بها، إنها سلطنتهم) كان مهدداً من الغرب لوقت طويل، والكيان التركي الحالي هو وليد مواجهة ناجحة لتركيا مع قوى غربية عملت فعلاً على تجزئتها وتمزيقها بعد الحرب العالمية الأولى. وقد قرّ في الوعي القومي التركي أن أعداء تركيا لا يكفّون عن التخطيط لتقسيم البلد (نقطة مشتركة بين الكماليين والقوميين المتطرفين وحزب العدالة والتنمية)، وأن كفاح الكرد في تركيا هو أحد أوجه هذه المؤامرة التي يشتبه أساساً في أن قوى غربية وراءها.

ومثل تركيا، لم تمر إيران بتجربة استعمارية، لكن لها تجارب مرة مع الغربيين، البريطانيين قبل الحرب العالمية الثانية، ثم الأميركيين منذ أيام مصدق حتى اليوم، مروراً بالثورة والحرب مع العراق في ثمانينات القرن الماضي.

ليس لدى الكرد ذاكرة مرة حيال الغرب. هي أقرب إلى ذاكرة حلوة في الواقع. على رغم خذلان كرد العراق عام 1974، إلا أن الأميركيين حموا ما يقارب استقلال كردستان العراق بين 1991 و2003. وفي هذا العام حموا الإقليم نفسه قبل شهور من «داعش»، وتزامنت حربهم ضد «داعش» في سورية مع هجوم هذه على منطقة عين العرب (كوباني)، وهم (الأميركيون) الذين قلما ساعدوا سوريين مقاومين للنظام، حتى حين واجهوا «داعش» مطلع هذا العام.

في حالة العرب من السوريين، خصوصاً المسلمين السنّة، وهم «مادة الثورة»، هناك طبقات من الارتياب والشك حيال الغرب، تبدأ من السياسي وتمتد إلى الثقافي والانثروبولوجي، ومن اليوم إلى أعماق تاريخية قديمة. لا يستطيع الأكثر اعتدالاً القفز فوق هذه الطبقات، لأنها محفورة في الذاكرة والمخيلة، ولأن الحفر مستمر. في حال الكرد، الارتياب أقل بكثير، والتوترات والارتيابات العارضة تمحوها مساعدات فعلية، كالجاري اليوم في سورية، وهو يبدو حرباً أميركية ضد «داعش» من أجل الكرد.

ذاكرة الكرد المرة تتجه إلى دول المنطقة. ضد تركيا أولاً التي يتركز فيها الثقل البشري الكردي، وكانت حركة المقاومة الكردية المستقلة أنشط فيها من غيرها حتى وقت قريب مضى. وضد العراق ثانياً في وقت سبق، قبل أن يجرى إسقاط نظام صدام ويتمتع الكرد بوضع يجمع بين شبه استقلال وبين موقع مؤثر في العراق الفيدرالي. في البلدين عانى الكرد تمييزاً نشطاً ودموياً مديداً، ومورست في حقهم مجازر كبيرة.

أما الساحة السورية فلم تكن مركزية يوماً، كانت عيون الكرد السوريين موجّهة نحو العراق أو تركيا، وهذا حتى سقوط نظام صدام. كانت احتجاجات آذار (مارس) 2004 الكردية، وقد شملت معظم مناطق وجود الكرد في سورية، بما فيها دمشق، نتيجة التقاء حرمانات حقيقية، سياسية وثقافية وحقوقية قديمة ومتجددة، مع توابع الزلزال العراقي وقتها. سقط في المحصلة نحو 30 شخصاً، للمرة الأولى في تاريخ سورية التي لم تشهد قط تفجر مقاومة كردية مسلحة.

فقط بعد الثورة، ظهرت «وحدات الحماية الشعبية» المرتبطة بالتنظيم السوري المرتبط بدوره بحزب العمال الكردستاني في تركيا وزعيمه السجين عبدالله أوجلان. لم تخض هذه الوحدات معارك مع النظام. بالعكس، استفادت منه ومن أوضاع الثورة عموماً كي تفرض نفسها فاعلاً أوّل في مناطق الكثافة الكردية، وضد مجموعات كردية أخرى. لكن عملت تركيا في أوقات سابقة على استخدام مجموعات من «الجيش الحر» ضد الكرد في محافظة الحسكة (أقصى الشمال الشرقي السوري)، ولعلها تهاونت في ضبط حدودها الجنوبية مع سورية وتسهيل مرور جهاديين إلى البلد من باب الضغط على الكرد السوريين.

في النتيجة، الآخر الذي يعرف الكرد أنفسهم قباله اليوم هو الترك والعرب، وليس بحالٍ الغرب. وهذا يسهل درجة من التماهي بالغرب على المستوى السياسي والثقافي. يحصل أن يدافع ناشطون كرد عن إسرائيل، وهذا ليس مصدره عدم فهم الحساسيات، بل هو تعبير عن الدوس عليها. ولا يُظهر ناشطون عرب، وذوو الهوى الإسلامي بخاصة، انتباهاً لحساسيات الكرد النفسية، وخصوصاً عداءهم لتركيا الذي يقارب عداء العرب لإسرائيل. يتماهى أولئك الناشطون العرب بتركيا أرودغان تماهياً أعمى، مسيئاً الى القضية السورية، وليس فقط الى حساسيات مواطنيهم الكرد.

هذه أوضاع مفتوحة على كل صنوف التباعد والخصام والذاكرات المسمومة. الأمل ليس قوياً بلملمتها بضرر قليل، لكن لا بد من بذل الجهد.

* كاتب سوري

الحياة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى