صفحات الثقافة

قفا نبكِ/ أمجد ناصر

 

 

لا أظن أنَّ هناك شعرية في العالم ألحَّت على المكان كما فعلت الشعرية العربية الكلاسيكية، فمعظم تلك الشعريات ولدت في مكان متعيّن (قرية مثلاً)، لا تجري مبارحته مع فصول السنة بحثاً عن/ أو ارتحالاً إلى/ مكان آخر. أقدم الشعريات الأوروبية، على سبيل المثال، كانت لصيقة بالطبقة الأرستقراطية في أزمنة الإقطاع، التي تستمد ثروتها وهيبتها الاجتماعية من امتلاكها الأراضي والفلاحين الذين يعملون فيها (عبيد الأرض)، بينما ولدت الشعرية العربية، التي لا تزال مقروءة حتى الآن، في مكان يفتقر الى هذا النوع من الاستقرار في المكان، كما أنها لم تكن حكراً على الوجهاء، مثلما هو الحال في المثال الأوروبي، بل إن من أربابها صعاليك، كعروة بن الورد، وعبيداً، مثل عنترة. إذا كان المكان في الشعريات الأوروبية مسلَّماً به، ليس قابلاً للتبدّل أو الزوال النهائي، فإن الأمر عكس ذلك في الشعر العربي الكلاسيكي. كلمة “الأثر”، أو ما يرادفها، أصيلة، متكرّرة، في شعرنا القديم، لأنَّ الأثر هو كل ما يبقى من المكان، أحياناً. بهذا المعنى، نفهم “الوقفة الطللية” باعتبارها لازمة شعرية عربية، لم تكن تبدأ قصيدة إلا بها.

ويتحمَّس الناقد الراحل، يوسف سامي اليوسف، إلى حدّ القول إن الوقفة الطللية، في الشعر العربي، قد تعود إلى زمن انهيار سدّ مأرب، أو إلى حقبةٍ من تاريخنا، توافرت على حضارة زاهرة!

أنا أشكُّ في ذلك.

الفكرة مغرية، ولكنَّ اليوسف لم يستطع دعمها بشواهد، ولا شعرنا الكلاسيكي فعل.

ومن نافل القول إن عربية المعلقات، وما يسمى “الشعر الجاهلي” عموماً، تمثل انتصاراً تاماً للغة العربية الشمالية على العربية الجنوبية التي لا نعرف فيها شعراً وشعراء، بل التي لم يصل إلينا منها سوى بعض النقوش. ثم إن هذا الشعر العربي، الأقدم حتى الآن، يتحدث بوضوح عن ترحّل، وليس عن إقامةٍ ثابتةٍ، ولا عن حنين مضمر إلى إقامة ثابتة. فهناك خيام ومضارب وبيوت من سعف النخيل، وليست هناك أبنية ثابتة. وعندما لا يبقى من آثار القوم، التي يتحدث عنها الشاعر، سوى “البعر” وحفر النار وأثافي الطعام، فنحن نتحدّث، إذن، عن حياةٍ بدوية لم تخلف وراءها، غبَّ الارتحال، سوى الأثر الحائل “كوشم في ظاهر اليد”.

لا يشقُّ عليّ اعتبار الوقفة الطللية مزيجاً، غير واع، من رثاء الشكل البسيط للعمران الذي عرفه عرب الصحراء، بوصفه مثالاً على الزوال والفناء، والرغبة في استمرار الحياة عبر “التشبّب”، كما يذهب إلى ذلك اليوسف… الذي كان قدره أن يموت شريداً عن فلسطين، وشريداً عن مخيم اليرموك، مكان إقامته، بعدما صار ساحة معركة مع النظام السوري. فقط أمام الزوال تتبدّى الرغبة في الحياة على أشدّها، وليس هناك “وسيط”، على هذا الصعيد، أفضل من المرأة… بل ليس هناك سوى المرأة. فمن رحمٍ، وليس من حجر، تولد الحياة. من لحم ودم وأنفاس تبقى وتستمر. هذا أمر مفروغ منه، لذلك قدَّمه الشاعر العربي على أي أمر آخر، حتى المكان لا يقصد بذاته ولذاته، وإنما لمن أقاموا فيه. هكذا علينا أن نفهم انفراد العرب في اعتبارهم “السطر الشعري” بيتاً عن سائر غيرهم من الأمم. لا تسمي الشعريات الأخرى، على حد علمي السطر الشعري بيتاً، يسميه الأوروبيون سطراً. فهل تضمر هذه التسمية حنيناً دفيناً إلى البيت الواقعي الذي زال واندثر، لأنه، أصلاً، ليس بيتاً راسخاً في الأرض، بسبب الاضطرار إلى الترحال حسب الفصول، أو الحروب القبلية التي تضطر قبيلة إلى أن “تجلي” إلى مكان آخر؟

لا معنى للتسمية غير ذلك، فهو “يضم الكلام كما يضم البيت أهله”، وإلى ذلك، له “أسبابه” و”أوتاده”!

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى