صفحات الثقافة

في هجاء البيت ومديح العالم/ هوشنك وزيري

لطالما نفرتُ من البيت ومن كل ما يمثله نظامُه ويرمز اليه من الاستقرار والثبات وتوريث التقاليد وهرمية السلطة التي تتحكم بعلاقاته، وفي المقابل أثار فيّ الخارج، الشارع وفضاؤه المفتوح، نوعا من الارتياح وان كان مشوباً بقلق وحركة انتقال دائمة. وربما كان فوز الخارج في صراعه المتنامي مع الداخل هو الذي دفع بأمي الى ان تتنبأ بمرارة مليئة بالحنان بشكل موتي بقولها بانني سأموت في أحد انفاق بغداد أو تحت أحد جسورها أو على أحد شوارعها. كان ذلك في نهاية الثمانينات حين كنت أرفض طلبها بان أعود في نهاية كل اسبوع من بغداد الى اربيل حين كنت طالباً في جامعة بغداد. لم تتحق نبوءتها، على الاقل حتى الآن! من يدري ربما تتحقق في احد أنفاق بيروت أو أميركا أو حتى اربيل.. فلأربيل وبفضل عمرانها الراهن جسور وانفاق كثيرة.

والبيت في أحد أبعاد دلالاته ليس إلا عملية دشنها الانسان قديما في محاولة لترويض جزء من برية العالم وطبيعيته، محاولة اختراق لبقعة، وان كانت صغيرة، من مجهوليته بهدف استكشافها ومعرفة ما فيها وبالتالي اقتطاعها أو تجريدها من طبيعيتها البرية وبالتالي أنسنتها. فهو احتكار جزء من العالم كان مفتوحا ومن ثم جعله مغلقاً لصالح الانسان. كما انه يمثل، في شكله المادي، سورا صخرياً يتم تشييده بهدف حماية الانسان ليس فقط من قسوة الطبيعة ووحشيتها بل، وهنا تكمن الرمزية العالية للبيت، في حمايته من ألا يعود جزءاً من الطبيعة عبر ترويضه فسور البيت يمنعه من الاندلاق في كل اتجاه العالم مجددا كما كان يفعل بحرية وسلاسة في بدايات تأريخه حين لم تكن هناك اية حدود وفواصل بين البشر والطبيعة. وكأن المحنة قد بدأت حين أدى البيت، بما يقترحه من رمزية التحضر والملكية، في لحظته التاريخية الاولى دور قاطع الحبل السري الذي كان يربط الانسان بمشيمة الطبيعة ليفصله عنها مرة والى الأبد. وهو في سياق هذا المنطق عبارة عن محاولات متكررة يقوم بها الفرد الانساني لاقامة حد بينه وبين كل ما يقع خارجه، بين جوهره الانساني وجوهر الطبيعة المبنية على الغريزة وبالتالي فصل ذاته عنها وتكثيف «انسانيته» والاهم من كل هذا وذاك تحصين ذاته أمام برية الطبيعة وانفتاحها الشاسع بلامحدوديته التي قد تبدو مخيفة ومهدِدة بعض الشيء.

لسبب ما اثار البيتُ فيّ دوماً ضيق قلب ونوعاً من الشجن لم استطع فهمه، لذلك مثل الفضاء البراني، الشارع والرصيف وفضاء المدينة المفتوح أو المكان الآخر الأبعد مكاني الاكثر بهجة وتفضيلاً. لكن ما أود الوقوف عليه هنا مثيرا الكلام فيه هو ما يكمن بين قطبي الداخل والخارج: العتبة!

تقعُ العتبة بين البيت والعالم ولكي تجتاز البيت نحو العالم عليك المرور بهذا اللسان الصغير الذي وبالرغم من انه يحتل مساحة ما فانه لا يمكن تسميته مكاناً. فالعتبة تلك المسافة المراوغة التي بامتدادها نحو العالم تحتل بقعة من برانيته الشاسعة وانفتاحه اللامحدود وبارتدادها في الوقت ذاته نحو البيت تمثل جزءاً من خارطة بنائه المغلق. هي الحيز المكاني الوحيد الذي يستعصي على التصنيف الجغرافي وذلك بسب وقوعها داخل مساحتي الداخل والخارج معاً وإعلانها الانتماء الشكلي الى الاثنين. لكن في الوقت الذي تتطلع فيه نحو خارجية العالم وتنتمي الى داخلية البيت ترفض الاثنين معاً، أو بالاحرى يرفضها الاثنان معاً بسبب تحولها الى صيرورة حركية بين القطبين، مجرد معبر مروري بينهما. ومن يشير الى الباب باعتباره الحد الفاصل بين مكانين مختلفين يتطرف في سطحيته، فالباب ليس إلا أداة عبور بينما تتوسع العتبة في أداء أدوارها لتكون فضاء انتظار تارة لعائد ما لا يعود او تصبح برزخاً بين مكانين وبالتالي بين زمانين وذاكرتين بالنسبة لراحل ما!

بهذا تتحول العتبة الى سفر دائم عبر اكتسابها صفة الخطوة الانتقالية، حركة مرور مستمرة، مثلها في هذا مثل المطارات وترنسيتاتها، ومحطات القطارات والباصات، ومتروات الانفاق، والمقاهي وكل الفضاءات الاخرى التي لا يمكن تسميتها مكاناً بل حركة مرور بين الأمكنة، مجرد فضاء بين الامكنة حيث لا يمكن السكن فيه وبالتالي لا يقترح أي شعور انتماء مطلقاً.

واقفاً على العتبة

وحين ترفض العتبة الهوية المكانية تتحول انتقالاً زمنياً من البيت بنظامه الثابت المستقر المبني على قوانين الاعتياد والتآلف والروتين التي لا تؤدي إلا الى لذة الرتابة وطمأنينة التكرار، الانتقال الى وساعة العالم بنظامه المبني، معرفياً، على الانفتاح واختراق المجهول ولذة الاكتشاف والصدمة. فالخارج من البيت وعليه هو خارج على سهولة المعتقد واليقين السائدين ومنشقاً عنهما ليلتحق بجبهة الشك باعلانه الخروج على قداسة الثقافة الواحدة وأنساقها المتشابهة وأحادية رؤيتها وذلك بهدف الانفتاح والتعرف على أكثر من ثقافة وأكثر من رؤية. وبمعنى آخر هو ان يعرف ما معنى ان يعيش أكثر من هوية وأكثر من مكان في آن واحد.

ولكن ماذا يعني الوقوف على عتبة البيت وعينك على العالم طامحاً في الرحيل اليه واختراق مجاهيله؟

أن تقف على العتبة منتصب القامة واثقاً من اختيارك فعل الخروج من البيت بمحض ارادتك، فهذا يعني فيما يعنيه الوقوف على ذلك اللسان المنبسط عند أقدام البيت ان تقف في مركز البرزخ متهيئاً لأن تفقد بوصلتك الشخصية أو لنقل هويتك الضيقة التي تم تركيبها وصنعها داخل البيت وحوله عبر مراحل تدريجية، وأنت تضع قدميك على خط الحدود الفاصلة بين عالمين متناقضين ومتضادين بعض الشيء: الأول يمثله العالم بغموضه ومجاهيله وعوالمه غير المكتشفة مقابل البيت الصغير بألفته المعتادة ومعرفة زواياه وحميمية علاقاته ورتابة ممراته وغرفه.

ويفشل المرء في هجر البيت أو الخروج منه حين يقف على العتبة محني الظهر من أحمال الذاكرة ووجعها بعد أن يكون قد حشد حقائبه بألبوم الصور والمذكرات وتأريخ العائلة وكل الأدوات الأخرى التي لا تثير وترسخ إلا صورة البيت في المخيلة. ويحدث هذا في حالة الخروج القسري الخارج عن الارادة الفردية. وحين يكتسب فعل الخروج من البيت صيغة قسرية قاسية كالنفي يكون فعل الدخول الى العالم بمثابة وقوف أبدي على عتبة غامضة مؤلمة. فالمنفي بعد اجتيازه حدود البيت لا يعود يسكن المكان، أي مكان، أبداً بقدر ما يقف أو يسكن عتبة العالم وعتبة الأشياء دون الدخول اليها. وهو ان أراد وحاول الخروج من البيت يفشل في دخول العالم ويظل عالقاً في شرك العتبة ولا يستطيع اجتيازها. فأول شروط هجر البيت بهدف العودة في حركة عكسية الى العالم والتحرك باتجاه الخروج الى عوالم مجهولة تمتد شاسعة أمام البصر هو نفض ما علق من البيت وذاكرته بالذاكرة الفردية للمرء، نفض البيت كله وطرده خارج المخيلة. نفي البيت يستحضر أمكنة أخرى تمتد في كل الاتجاهات لكن دون رؤية معالمها او معرفة تضاريسها، فكل الأمكنة خارج المكان المؤنسن الأول الذي هو البيت، غامضة وهلامية بل قد تكون في غاية الوحشية لاننا لم نطأها أو نؤنسنها ذاتياً بعد، وأية حركة خروج نهائي من البيت تعني التخلي التام عن فعل الاحتكار والعودة الى برية العالم والاندلاق كالحيوان الأول بإتجاه الأمكنة كلها.

والعتبة بهذا المعنى ليست مكاناً ثابتاً مطلقاً بل عملية انتقال بين الأمكنة، وهي تمثل أيضاً زمناً يتحرك ذهاباً واياباَ بين ظلال الأمكنة. انها حيرة القدم القصوى أمام حضور انفتاح الاحتمالات المكانية كلها دفعة واحدة وهي تطرح سؤال اي اتجاه تخطو بينما البوصلة تشير الى الاتجاهات كلها، حيرة الخطوة الاولى الى الاندفاع نحو العالم في وقت تكون كل الخطوات متاحة إلا خطوة العودة وراءً حيث الباب ومن خلفه البيت الذي لا يعود له أي أثر إلا ربما في فضاء الذاكرة بعد ان تجتاحك حيرة العتبة!

الخروج الى العالم

لكن لا يمكن تسمية التحرك باتجاه العالم رحيلاً، فكلمة الرحيل تفرض وبشكل مسبق وضوحاً في رؤية المكان المغادر اليه، ونوعاً من التحديد في التوجه الانتقالي من مكان الى آخر محدد سلفاً. لذلك تستبدل العتبةُ وعبر شعور الحيرة والقلق الذي تنتجه كلمة الرحيل الثقيلة بمعاني الحزن بكلمات أخرى ذات دلالات أكثر عمومية تحاول قدر الامكان الابتعاد عن الوضوح والمباشراتية من قبيل «الخروج، ترك المكان، الهروب، الهيام على الوجه، الدخول الى العالم…الخ» من كلمات تحاول الخلاص والتحرر من المكان الأول أكثر من تركيزها على تحديد موقع المكان التالي.

في كتابه «Didascalicon» ديداسكاليكون يصنف هوغو سانت فيكتور وهو راهب وكاتب ساكسوني ألماني عاش في حوالي القرن الثاني عشر، البشر أقساماً في سياق العلاقة بين المكان الأول البيت/ الوطن وكل الامكنة الاخرى في العالم بناء على أساس رؤيتهم للأرض الاولى وعلاقتهم الانتمائية بها، فتعطي مقولته مرتبة الكمال العليا لمن يرى في كل أمكنة العالم وأراضيه مجرد أرض غريبة «ان الذي يجد وطنه حلواً ليس إلا عاطفياً مبتدئاً فأما من وجد في كل أرض أرضه هو فإنه إنسان صلب، ووحده الذي بلغ الكمال هو ذاك الذي كان العالم كله بالنسبة إليه كالبلد الغريب». وقد استعار المفكر تزفتان تودوروف وهو بلغاري منفي يعيش في فرنسا هذه المقولة من أدوارد سعيد الفلسطيني المنفي الذي عاش في الولايات المتحدة والذي استعاره بدوره من إريك أورباخ الألماني الذي عاش منفياً في تركيا والذي وجده عند هوغو سانت فيكتور الذي يقول في أحد كتبه «عشت في المنفى منذ ان كنت صبياً». حسب منطق هذا المنفي القروسطي تتحول كل أمكنة العالم ومن ضمنها المكان الأول البيت الى أرض غريبة عن الذات الانسانية وهنا تصل عملية الاغتراب ذروتها بين الفرد والعالم ويصل الانسان الى اكتماله المثالي.

ان تقف على العتبة وظهرك للبيت بينما يمتد بصرك باتجاه العالم، فهذا يعني ان تفقد البيت مرة والى الأبد بعد الخروج منه دون اي احتمال للعودة، فقليلاً ما يعود العائدون، وحتى ان نجحوا في العودة فانهم يكتشفون بان المكان هو الآخر قد غادر معهم مرة والى الأبد. حينها وحدها يحضر العالم بأمكنته كلها مزيناً ببهاء اغترابه وحينها وحدها يحوز الانسان على صفة انسانيته عبر الانتماء الى العالم بصفته منفى شاسعاً.

(كاتب عراقي)

السفير

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى