صفحات الثقافة

فنانة التظاهرة

 


احمد بزون

لم أعرف اسمها، ولم يكلفها أحد بهذه المهمة التي تأنف منها غالبية المشاركين، ولم تكن تنظر إلى الناس متوسلة شكراً أو امتناناً، حتى إنها لم تكن تستدعي بحركة أو التفاتة مصوّري الصحف أو التلفزيونات. كانت تقوم بمهمتها بجدية وقناعة تامتين، لا تتأفف من الذين يرمون، باستخفاف ملحوظ، ورقة هنا، أو يضعون قنينة فارغة على حافة الطريق.

بقيت صورة تلك الفتاة في خاطري، تلح عليّ، مثلما يلح فرخ مكتمل على قشرة البيضة ليخرج إلى الضوء. كان ذلك منذ أسبوعين، في التظاهرة التي طالبت بإلغاء الطائفية السياسية، وعبرت الطريق من ساحة ساسين في الأشرفية إلى وزارة الداخلية في منطقة الصنائع. لم أكن مشغولاً بأحداث التظاهرة، وبالنساء اللواتي رششن الأرز من الشرفات على المتظاهرين، ولا حتى بارتجاج جسر الخندق الغميق الذي أرعب المتظاهرين، ولا بالهتافات من أمامي ومن خلفي، بقدر ما كنت أتابع ببصري وبصيرتي تلك الفتاة، التي يصح أن نصفها بـ«المناضلة» أكثر مما نصف به أخريات أو آخرين من المشاركين في التظاهرة.

عمل بسيط وهادئ وصامت وممل، لكنه في العمق أصفى من أي عمل آخر. فتاة تلم وسخ المتظاهرين، أو لنقل تلمّ أخطاءهم من الشوارع، بل تعلّم الجميع على أن يتركوا خلفهم أثراً طيباً.

لم يكن مشهداً عابراً، كان مثلاً مهماً، يمكن سحبه على سلوك المتظاهر، أو على قرارات المتظاهرين، أو حتى على التفكير في الأثر الذي يتركونه في نفوس المواطنين الذين يتابعون الحدث، أو في الخطط المستقبلية. على أن المسألة ليست بالضرورة مسألة أخلاق، بل مسألة نموذج، أو فلسفة مبسطة للحياة، إذ تعمل على إزالة الفروق بين التظاهرة والحياة، فسلوك المتظاهرين يدل على وعيهم، تماماً كما ألغى الفنان الألماني الشهير جوزيف بويز الفرق بين الإنسان والفن، معتبراً أن أي إنسان يمكن أن يكون فناناً. وفي أي حال، فإن الفتاة كانت بالفعل فنانة في تظاهرها، ولا غرابة فبين النفايات والفن علاقة أسس لها الفنان الفرنسي مارسيل دو شامب، عندما حول الأدوات العادية الموجودة في الحياة إلى مواد فنية، وتابعها بعد ذلك فنانون كثر، خصوصاً السويدي كلاس أولدنبورغ، والألماني ها شولت الذي صمّم فندقاً من القمامة المجموعة من شواطئ أوروبية، منذ أشهر قليلة في مدريد. ولا ننسى أيضاً ما فعله الفنان الفرنسي الراحل أرمان، الذي بنى نصباً كبيراً لا يزال ماثلاً على مدخل وزارة الدفاع، في الفيّاضية، من السيارات والآليات الخَرِبة.

يحضر مشهد الفتاة إذاً، ليكون مقياس حضارة التظاهر واضحاً، ومثلاً على فن التظاهر، فكل تظاهرة تخلّف في الشوارع أثراً طيباً تكون حضارية، لذا رأينا المتظاهرين المصريين يغسلون ميدان التحرير والشوارع المتفرعة منه قبل أن يغادروه، كي يحافظوا على ما يمكن أن نسميه أدبيات التظاهر، التي هي جزء لا يتجزأ عن الأهداف والأفكار الكبيرة.

السفير

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى