صفحات سورية

ماذا لو كانت حرباً أهلية؟/ جهاد يازجي

أصبح من الشائع بشكلٍ متزايد لدى الصحافيين والمعلقين الغربيين أن يصفوا الثورة السورية بالحرب الأهلية. لكن السوريين من كل الاتجاهات يختلفون مع هذا التعريف إلى حدٍ بعيد. يطرح التعبير بلا شك العديد من التماثلات مع الصراعات المدمرة في لبنان والعراق المجاورين، وتبنّي هذا التعبير يعني قبولَ أن بلدنا في طريقه إلى مصير مشابه. بالنسبة لمؤيدي الثورة، يحمل التعبير أيضاً الخطر الحقيقي للمساواة بين الطرفين المتحاربين من حيث شرعية النضال.

ولكن الأمر ليس كذلك بالضرورة. ولوتذكرنا أن الصراع الإسباني الذي استمر بين عامي 1936 و1939، والذي شهد الجمهوريين من طرف يحاربون الفاشيين من طرف آخر، يعرَّف بشكل اعتيادي على أنه حرب أهلية، لسهل علينا تقبّل هذا التعريف.

ما لا يستطيع المرء نكرانه هو أن سوريا تشهد نزاعاً تحول صراعاً مسلّحاً إلى حد كبير، وأن الرجال الذين يقاتلون ويموتون على طرفي النزاع هم سوريون رغم أن الأبعاد الإقليمية والدولية للصراع واضحةٌ للجميع، وأن كلا الطرفين يستفيد من دعم أجزاء معينة من السكان.

بالنسبة لنا، مؤيدي الثورة، كان من الصعب أن نفهم كيف يستطيع الكثير من السوريين الاستمرارَ في دعم النظام. أليس النضال من أجل الحرية والعدالة والكرامة نضالاً مشروعاً؟ ألا يجب أن يتم قبول مفاهيم الديموقراطية وحكم القانون من قبل الجميع لأنها تشمل الجميع؟ ألا يرى مؤيدو النظام الوحشيةَ والظلم الذي يمارسه النظام ضد أبناء بلدهم؟

حسناً، علينا أن نعترف أن الصراع الدائر في سوريا لا يتعلق فقط بهذه القضايا، وأنا لا أتكلم هنا عن الأبعاد الدولية للصراع.

من وجهة نظرٍ ما، تعتبر الديموقراطية تهديداً جوهرياً بالنسبة لأفراد الأقليات العرقية والدينية. وفي هذه الحالة، يتم فهم الفكرة على الشكل التالي: الديموقراطية تعتمد بشكل صارم على صندوق الاقتراع؛ وصندوق الاقتراع يعني الحكم الأكيد للغالبية؛ الغالبية هي بالضرورة سنية أو عربية. وبالنتيجة، بقي الكثير من الكرد والمسيحيين والدروز على هامش الثورة.

النضال من أجل الحرية والكرامة يشكل تهديداً مماثلاً لأجزاء أخرى من السكان. دخول المعارضة إلى حلب في صيف عام 2012 مثلاً، أعطى مثالاً واضحاً عن هذه الانقسامات. توضح الصراع بين المدينة الغنية وضواحيها الريفية الفقيرة والأقل تطوراً، وحسب وجهة النظر الذي تعتمدها، حلب إما “تحررت” أو “احتُلت”.

بالنسبة للعلويين، سبق وكتب الكثير عن الموضوع وعن صلات الطائفة بالدولة السورية وبيروقراطيتها وأجهزة الأمن والجيش فيها والخوف من فقدان امتيازاتها.

ما يهم الآن هو أن الثورة كشفت الكثير من صدوع المجتمع السوري وإن أراد السوريون أن يتغلبوا على هذه الصدوع، سيحتاجون إلى طريقة لحل هذه الانقسامات. يجب أن يتم الخوض في المشكلة الآن، وليس لاحقاً، وأن يتضمن النقاشُ حقوقَ الأقليات ودورَ الحكومة المركزية ودرجة اللامركزية الممكنة والأزمة الاقتصادية والاجتماعية وإدارة المرحلة الانتقالية، بالإضافة إلى العديد من القضايا الأخرى.

كل المعطيات السابقة لا تغير حقيقة أن القيم التي بدأت وتستمر الثورة من أجلها هي قيم عادلة ومشروعة بعمق، وأن زوال النظام هو شرط لأي حلٍ حقيقي وباقٍ للصراع.

لكن تقبلنا أن ثورتنا هي أيضاً حربٌ أهلية بدرجة معينة، وفهمنا التحديات السياسية والتسويات التي تتطلبها هي خطواتٌ لا غنى عنها إذا أردنا أن تنتصر الثورة وأن نعيش معاً ثانية.

كاتب سوري

النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى