حسين العوداتصفحات سورية

معارضتان سوريتان ووجهتا نظر/ حسين العودات

 

 

اجتمع ممثلون عن أكبر فصيلين في المعارضة السورية وهما «هيئة التنسيق للتغيير الوطني والديموقراطي» و «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة» في بروكسل، وأصدروا بياناً قالوا فيه إنهم اتفقوا على برنامج سياسي موحَّد وخريطة طريق لحل الأزمة السورية تتضمّن وجهة نظر مشتركة وموحّدة لهما، لكنهما ربطا ما اتفقا عليه بتصديق الجهات المسؤولة أي القيادة لدى كل منهما. وما لبثت «هيئة التنسيق» أن أعلنت بعد أيام على الاجتماع أن مكتبها التنفيذي درس نتائج اجتماع بروكسل، وأصدر بياناً ضمّنه ثلاث نقاط هي: أولاً ضرورة إضافة اعتماد مقررات مؤتمر القاهرة الذي عقد قبل ما يقارب الشهرين ولم يحضره «الائتلاف» وأصدر وثائق مهمة جداً منها الميثاق الوطني وخريطة الطريق، واعتبر المكتب التنفيذي لـ «هيئة التنسيق» أن هاتين الوثيقتين هما أساس لبرنامجه وموقفه الحالي والمقبل وهذا لم يتعرّض له اجتماع بروكسل، وثانياً أن المكتب قرر التحقيق مع أعضائه الذين شاركوا في اجتماع بروكسل متهماً إياهم بارتكاب مخالفات لأنهم، بحسب رأيه، شاركوا في الاجتماع من دون موافقة صريحة وتفويض كامل منه، وتصرفوا وكأن لديهم مثل هذا التفويض. وحقيقة الأمر، على رأي المكتب التنفيذي، هي غير ذلك. وأخيراً أجّلت الهيئة موافقتها على اجتماع بروكسل لمدة شهر، أي أنها بصريح العبارة لم توافق صراحة ومباشرة على مقررات اجتماع بروكسل وبيانه الختامي، وهذا ما يزيد من تشاؤم المتشائمين حول إمكانية وحدة فصائل المعارضة ووحدة برامجها ومواقفها، خاصة أن اجتماع بروكسل الذي تحدث عن خريطة طريق لم يُعلن محتواها، أكد ضرورة إسقاط النظام السوري بكل رموزه بشكل مباشر وصريح وهذا ما كانت «هيئة التنسيق» تتجنّبه عادة حيثما أمكنها ذلك.

في واقع الأمر، نحن أمام موقفين وبرنامجين لفصيلي المعارضة الرئيسيين سواء في الداخل («هيئة التنسيق») وهي الأكثر اعتدالاً أم في الخارج («الإئتلاف الوطني») وهو الأكثر تطرفاً. فـ «هيئة التنسيق» مازالت على موقفها الثابت الذي أقرته في مؤتمرها الأول في حلبون داخل سوريا العام 2011 والذي رفع لاءات ثلاث هي: لا للعنف والحل العسكري، لا لتدخل القوات الأجنبية، لا للطائفية. هذا من حيث المبدأ، ويتفرّع عن هذه اللاءات مواقف أخرى مختلفة عن مواقف «الائتلاف»، فـ «الهيئة» تحرص على إبقاء هيكلية الدولة ومؤسساتها، لكنها في الوقت نفسه تنادي بنظام مدني ديموقراطي تعددي تداولي، وبعزل ومعاقبة المسؤولين عن العنف والدمار الذي حصل في سوريا. وقد رفضت «هيئة التنسيق» مؤخراً التوجه لإقامة المناطق العازلة في شمال سوريا الناجمة عن شبه اتفاق تركي ـ أميركي، إضافة إلى مواقف عديدة تصرّ عليها وعلى رأسها رفض قبول مساعدات مالية أو تسليحية من أي جهة إقليمية أو دولية. أما «الائتلاف» فيكاد يكون موقفه عكس ذلك تماماً فهو يؤمن بالحل العسكري للأزمة السورية. وله موقف أقل عداء من جبهة النصرة، ويؤيد التدخل العسكري الأجنبي لحل الأزمة السورية، وفي هذا المجال أيد مشروع المناطق الآمنة التركي ورحب به واعتبره مشروعاً يساعد على إيجاد منطقة ينتقل إليها ويشكل حكومة موازية فيها. وهو في الوقت نفسه يصغي جيداً لحلفائه الإقليميين والدوليين، ويتلقى منهم المساعدات صراحة ويأخذ آراءهم بعين الاعتبار عندما يريد أن يقرر سياسة ما أو يتخذ موقفاً من قضية سورية. وبطبيعة الحال ليست هذه الآراء هي آراء جميع أطراف الائتلاف، وإنما هي آراء معظم هذه الأطراف، حتى أن الدول الحليفة ذهبت بعيداً فأصبحت تقرر ما يتعلق بالأزمة السورية من دون أن تستشير الائتلاف أو تستشير حلفاءها فيه.

من الملاحظ إذاً وجود رأيين أو موقفين متباعدين مختلفين يكادان لا يلتقيان بين «الائتلاف» (وهو الأكبر في المعارضة الخارجية) وهيئة «التنسيق» (وهي الأكبر في المعارضة الداخلية). ولذلك ربما كان من المتعذر أو على الأقل من الصعب جداً التوفيق بين الرأيين والخروج برأي واحد صالح لوضع ميثاق وطني وخريطة طريق تحل الأزمة السورية وتخلص السوريين مما هم فيه، كما جاء في بيان بروكسل. ولا شك في أن المراقبين استغربوا ما جاء في ذاك البيان من وصول الطرفين إلى خريطة طريق موحدة، فأي خريطة طريق مشتركة أمام كل هذه الخلافات بين الطرفين؟ وفي هذا المجال يرى بعض المراقبين أن مَن كانوا يمثلون «هيئة التنسيق» في الاجتماع هم في الأصل أقرب بمواقفهم من مواقف «الائتلاف»، ولذلك ليس غريباً أن يطلق عليهم المكتب التنفيذي لـ «هيئة التنسيق» أنهم مثلوا أنفسهم ولم يمثلوا «الهيئة»، وعبروا عن مواقفهم من دون أن يعبروا عن مواقف «الهيئة». ومن المتوقع أن يتخذ المكتب التنفيذي إجراءات بحق هؤلاء بسبب ما يرى أنها تصرفات فردية، وبسبب عدم التزامهم بمقررات «الهيئة»، لأن القسم الأكبر من أحزاب «الهيئة» يرفض هذه المواقف.

خلال السنوات الأربع الماضية، كانت المشكلة أن طرفي المعارضة كانا يرفضان اللقاء والبحث المشترك عن حل للأزمة السورية. وعندما اجتمعت المعارضة السورية العام 2012 تحت رعاية الجامعة العربية وتوصلت إلى بيان مشترك يضم خريطة طريق، رفض «الائتلاف» بعد يومين (وكان اسمه «المجلس الوطني») التوقيع على البيان المشترك. وبقيت المعارضة تتحمل نقد الآخرين لها والاتهامات الإقليمية والأوروبية التي وجهت إليها بأنها مشرذمة ومفككة وعاجزة عن الاتحاد أو التوافق. ومع أن هذه التهم ليست بعيدة عن الواقع، إلا أن بعض أسبابها يعود إلى المواقف المتناقضة للطرفين في حل الأزمة السورية، والتي لم يعلن أي منهما عنها. ولقد عوّل كثير من السوريين على وحدة المعارضة من دون أن يدخلوا في عمق الخلافات القائمة بين فصائلها، ولذلك كانوا يعتبرون أن عدم وحدة هذه الفصائل يعود لمواقف ذاتية من قبل قادتها أو لتحريض من حلفائها الإقليميين والدوليين الذين لا يريدون وحدتها. وقد تبين الآن أن هناك سبباً إضافياً لعدم وحدة المعارضة وهو تناقض أهدافها.

يتهم «الائتلاف» وبعض فصائل المعارضة الآخرين «هيئة التنسيق» بأنها لا تريد إسقاط النظام بل تعمل على التحالف معه وأنها تعمل لعقد تسوية مع السلطة القائمة تتضمن موقف اللاغالب واللامغلوب، وبالتالي فإن عدم موافقتها على إسقاط رأس النظام أو رموزه الأخرى، وعلى التدخل العسكري الخارجي، وعلى المناطق الآمنة، وإصرارها على الموقف المعتدل من السلطة السورية إنما تأتي في هذا السياق. وبطبيعة الحال فإن «الهيئة» ترفض هذه التهم كلياً وترى أن الموقف الوطني والواقعي يقتضي مثل هذا الاعتدال، وأن الأزمة معقدة إلى درجة يستحيل حلها بالتطرف. وتتهم «الهيئة» في الوقت نفسه «الائتلاف» بأنه ينطق بلسان حلفائه، وأنه فاقد الرأي المستقل، ولا يستطيع الخروج عن رأي هؤلاء الحلفاء، وإن خبرات بعض فصائله السياسية متواضعة وبالتالي تعوض نقص هذه الخبرات بالتطرف، وأن المتطرفين في الائتلاف لا يرغبون في الواقع إلا بحل عسكري يكسر عظم النظام، وهم يتأثرون بمواقف «الإخوان المسلمين» الذين يريدون أن يثأروا للمظالم التي أوقعها النظام بهم، والذين أصبحوا جزءاً من صراع التيارات السياسية والحكومات في المنطقة. وعلى ذلك، فمن الصعب الاطمئنان إلى موقف «الائتلاف» بنظر بعض أطراف «الهيئة»، وبطبيعة الحال، لا بد من أخذ أمور أخرى بعين الاعتبار ذات أثر كبير على العلاقة بين أطراف المعارضة، منها قصر النظر أحياناً، وقلة التجربة أحياناً أخرى، لأن فصائل المعارضة بقيت تحت الأرض أكثر من خمسين عاماً، وبالتالي فإن محاكمتها السياسية ينتابها بعض الشوائب لأنها ناقصة التجربة، وكانت علاقتها طوال نصف القرن الماضي مع النظام علاقة عنفية بعيدة عن الحوار والتأثر والتأثير بالآراء والمواقف.

السفير

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى