صفحات الثقافةممدوح عزام

مفاوضات اللغة/ ممدوح عزام

 

 

ذكر المترجم المصري الطاهر أحمد مكي في خاتمة مقدمته لكتاب الناقد الأرجنتيني أنريك أندرسون أمبرت “مناهج النقد الأدبي” أن أسلافنا قالوا قديماً: “من تعلّم لغة قوم أمن مكرهم”. أما هو فيضيف إلى القول التراثي جملة أخرى مماثلة ومزيدة يقول فيها: “فدعونا بالترجمة الواسعة نأمن مكر القوم الكافرين”.

وفيما يتضمن القول التراثي شكوكاً وريبةً في آخر غير عربي خبيث ومتآمر (وهو في الحقيقة حديث موضوع، يجد أنصاراً له في أيامنا بين المتزمتين)، ينهض القول المعاصر على قيمة مضافة أخرى هي أن الآخر كافر أيضاً، ولهذا يرى كلا القولين أن تعلم اللّغات، أو الترجمة عنها جهد دفاعي أو إجراء وقائي يعمل على تحصين الذات القومية، وحمايتها من الخطر الخفي الكامن في مكر الآخر.

يسترضي المترجم العربي هنا قارئاً افتراضياً، أو هو يسترضي نمطاً محدداً من القرّاء الافتراضيين العرب، هم المتدينون أو المتطرفون في التدين، وهؤلاء في العادة لا يقرؤون كتباً في النقد الأدبي، وخاصة تلك التي تتناول موضوعات بعيدة تماماً عن تأهيلهم الفكري والثقافي وهمومهم اليومية.

وسوف يكون محيّراً لنا معرفة المخاطب في نداء الدكتور مكي: “فدعونا” إلا إذا كان هذا الاستئذان يرى أن جميع القراء العرب، بل جميع العرب، يصادقون على أن الآخر غير العربي ماكر وكافر أيضاً.

لا تميل نظريات الترجمة في العالم إلى هذا القول المتشدد، ويرى أمبرتو إيكو مثلاً أن الترجمة عمل تفاوضي، والتفاوض في رأيه مسار تستند إليه الثقافة أثناء الترجمة، كي تتخلّى عن شيء وتحصل على شيء آخر.

بينما يرى أنطوان برمان أن “الهدف الأساسي لكل ترجمة هو إقامة علاقة مع الآخر (المختلف والغريب) على مستوى المكتوب وإخصاب الثقافة الخاصة عبر تلاقحها مع الثقافة الأجنبية”. ويمكن البحث عن عذر للقول التراثي، في المعتقدات العامة التي تشمل كل الشعوب عن الأجنبي. وقد كان الأجنبي دائما محيّراً وملغزاً، كما يقول بول ريكور في كتابه “عن الترجمة”،

وكانت هناك دائما طرائق للعيش غير طرائقنا المعتادة، دون أن نغفل ما أشار إليه عبد الفتاح كيليطو من أنه غالباً ما ينظر إلى الثقافة الأجنبية المهيمنة على أنها نوع من التهديد، “فيتم السعي لتفادي ضررها، وفي أقصى الأحوال تتم مقاومتها”، وهذا ينطبق على العرب وعلى سواهم من الشعوب الأخرى. غير أن هذا كله يولّد ما يسميه ريكور “الفضول لمعرفة الآخر”، حيث تصبح رغبة الترجمة هي مفتاح هذا التعارف.

وهنا يمكن اللجوء إلى الآية القرآنية التي تتحدث عن التعارف كسبب للوجود المختلف للشعوب والقبائل. بل إن الترجمة “ضيافة” حسبما يقول ريكور، ولذلك يدعو إلى استقبال اللغات الأخرى بحفاوة، فيما يرى أنطوان برمان أنها ينبغي أن تكون مقاماً لاستقبال الغريب، وهو يستهل كتابه “الترجمة والحرف” بهذه الجمل المستعارة من قول قديم أيضاً:

“تفتح الترجمة النافذة كي تسمح لضوء النهار بالولوج. تكسر القشرة كي نتمكن من تذوّق الفاكهة. ترفع غطاء البئر كي نصل إلى الماء”.

العربي الجديد

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى