بيسان الشيخصفحات المستقبل

طرابلس ليست قندهار» ويجب ألا تكون حمص

 

بيسان الشيخ *

… وفي طرابلس ألقى شبان غاضبون في محلة التل القبض على رجل علوي وجدوا في حوزته بطاقة انتساب الى جهاز المخابرات السورية، فضربوه وعرّوه من ثيابه وربطوه بحبل من عنقه وساروا فيه وسط المدينة قبل أن يتم تسليمه الى الأجهزة الأمنية.

خبر مر على شاشات التلفزة اللبنانية وانتشر على مواقع التواصل الاجتماعي من دون كثير صخب، كأنه مجرد تتمة لأحداث اليوم أو فقرة عابرة في المتفرقات. الصدمة التي تحدثها صور التعذيب الآتية من خلف الحدود السورية في الاوساط المؤيدة للثورة، لم تجد صداها في هذا المشهد المحلي إلا بين قلة قليلة من المتابعين. ففي النهاية، هذا رجل «نصيري شبيح» كما كتبوا على صدره العاري، وهو، وفقهم، يستحق ما جرى له.

بيانات الاستنكار والشجب التي صدرت عن بعض فعاليات المدينة وزعمائها لم تتجاوز الشكليات ومحاولات «النأي بنفسهم» عن الحادثة من دون سعي جدي لتوقيف الفاعلين أو تقديمهم للمحاسبة. فيكفي والحالة هذه أن يكون الجمهور «غاضباً» لغض الطرف عن اعتداء بهذا الحجم، خصوصاً أنه لا يجوز إغضاب الشارع أكثر وموسم حصد الأصوات الانتخابية يقترب. أما الأجهزة الامنية التي يفترض أن تكون خارج الحسابات الضيقة للسياسيين، فهي على ما يبدو استلمت الرجل المدمى من جلاّديه كأنه مجرد طرد بريدي لا أهمية لهوية مرسله.

والواقع أن خطورة اعتداء من هذا النوع لا تقف عند إيذاء انسان وإهانة كرامته وفرض شريعة الغاب في الانتقام مما قد يكون اقترفه أو لم يقترفه، وإنما في القعر الأخلاقي الذي بلغه المجتمع المحلي والتواطؤ الأمني معه. فلنتخيل للحظة ما جرى لذلك الرجل وسط السوق، أو للمارة الذين لم تلتقطهم الكاميرات وعبروا به عارياً، ذليلاً… هل أشاحوا بوجوههم عنه أم توقفوا للفرجة ثم مضوا الى حياتهم؟ هؤلاء الذين «نأوا بنفسهم» عن المشهد، مثلهم مثل الشبان المتحلّقين حول الرجل والذين بدت وجوههم في الصور ضاحكة، ساخرة، متشفية.

وفي حين تسجل يومياً حوادث اعتداء على علويين في منطقة التماس تلك، لا يجد البعض حرجاً في اجتراح الذرائع والمبررات لتلك التصرفات. فهي مرة انتقاماً لما يجري في سورية، ومرة رداً على ما تعرض له شيوخ سنّة في بيروت من حلق لحاهم، وغيــره مما لا يقبله (او يجب ألا يقبله) عقل.

وللمفارقة، فإن هذا الجمهور نفسه، كما قياداته، راعهم مشهد تعذيب جنود علويين منشقين في سورية على يد «زملائهم» النظاميين ولم يستوقفهم أنهم في الواقع لا يختلفون عن هؤلاء الجلادين بشيء. لم ينتبهوا الى انهم هنا مجرد جنود نظاميين يتفننون في التنكيل بجندي منشق.

«طرابلس ليست قندهار» شعار رد به سكان المدينة ذات يوم على اتهامهم باحتضان مجموعات سلفية وجهادية وميل اجتماعي متزايد نحو التدين والتزمت. اليوم يترتب على الطرابلسيين اقناعنا بأنهم لا يحثون الخطى في ذلك الاتجاه، وأن مدينتهم ليست حمص أيضاً.

* صحافية من أسرة «الحياة»

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى