مراجعات كتب

مدارات التنميط في الأخيلة الكولونيالية: قراءة في كتاب آنيا لومبا/ رزان إبراهيم

 

الأصل في الكتابة الأدبية هو ذلك البعد الإنساني المنحاز للضعيف بغض النظر عن عرقه وجنسه، أو حتى البقعة الجغرافية التي يعيش فيها. إلا أن هذه الوجهة كما تكشف العديد من الدراسات النقدية غابت عن آداب كولونيالية حملت وجها عنصريا قبيحا متعاليا مناهضا للقيم الإنسانية. ذاك ما تكشفه على نحو تفصيلي آنيا لومبا في كتابها «الكولونيالية وما بعدها» الصادر بنسخته العربية عام 2013 عن دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر.

أشد ما يلفتك في الكتاب تمثلات أدبية متنوعة هي الشاهد على طروحات عنصرية متعالية تتناقض وصورة للأدب يكون بها أداة نبيلة للتقارب بين الأمم والشعوب، فالكتاب بصفحاته التي قاربت الأربعمئة، يبرز مخيالا غربيا يتحرك في إطار إيديولوجيا كولونيالية، همها تنميط شخصية الشعوب المستعمَرة، بما يدفعنا للتفكير بأديب شارك في استعمار البلدان، وكان وجها من وجوه تبرير طروحات ساسة عسكريين لم يؤمنوا بحق الشعوب في حياة كريمة.

في العديد من صفحات هذا الكتاب تلفتك فكرة للشاعر والكاتب المسرحي المارتنيكي إيميه سيزير، مفادها أن الكولونيالية لا تكتفي باستغلال الذات المستعمَرة وحسب، وإنما تقوم بالحط من قدرها وتجريدها من إنسانيتها، وهو ما نطقت به معادلته الشهيرة ( التشيؤ) أي تحويل الذوات إلى أشياء، أو ذوات متخلفة بالرجوع إلى رمز مانوي ينتج عنه تعارض ثنائي بين الأعراق، يمنح الآخر غير الأوروبي صفات ثابتة ( الهمجية والحسية والكسل واللاعقلانية) كما سبق لإدوارد سعيد أن كتب في «الاستشراق» و»الثقافة والإمبريالية» وغيرها من مؤلفات فضح فيها نظرة عنصرية قديمة يعود بعضها إلى حقبات يونانية ورومانية كان الآخر فيها هو البربري الغريب، ويعود بعضها الآخر إلى حقبة كشوفات جغرافية كان فيها غير الغربي الأسود نموذجا شيطانيا بدائيا.

غير خفي أن صورا ومفاهيم على الشاكلة التي ذكرنا، حضرت على نحو خطير لتسويغ كل أشكال الاستيطان الأوروبي والممارسات الكولونيالية المتسلطة، وهو ما كان العلم في القرن الثامن عشر قد لعب دورا فيه، حين ربط البشرة السوداء بالدماغ الصغير والوحشية، بما يعد محددا بيولوجيا تحولت معه الوحشية والحضارة إلى ظروف ثابتة ودائمة، ما يناقض على نحو صارخ ادعاء إمبرياليا بتمدين السكان المحليين، إذ كيف يمكن لوحشية أن تتحسن بوسائل اجتماعية ما دامت ناجمة عن أسباب بيولوجية؟ ليبدو الأمر كمن يرجو أن يتعلم القرد الكلام من خلال التدريب، أو كمن يتوقع من أشجار الحور أن تثمر خوخا. ليبدو الثابت في هذا كله أن الأعراق الدنيا حينما تنتهي صلاحيتها لصالح الرجل الأبيض، يصبح التخلي عنها إلى عالمها الوحشي أمرا حتميا، ليس هذا وحسب، بل يصبح لحروب الإبادة ما يسوغها كلما وقفت الأنواع الدنيا في طريق الرجل الأبيض. من هنا تأتي أهمية كتب من شأنها رفع درجة وعي البشر تجاه تصنيفات عنصرية تلعب دورا في قمع الناس، كما حين يغدو تفوق للجنس الأبيض حافزا للإبقاء على الرجل الأسود وإلى الأبد عاملا وعبدا رخيصا. لا يفوتنا هنا التذكير بأن تفوقا على هذه الشاكلة المنحازة قد يدفع المقهور والضعيف إلى تبني نظرة الرجل الأبيض نفسه، بل تبجيله، ومن ثم استخدام أقنعة بيضاء، تجعل حقيقة السواد تتلاشى وفقا لفرنز فانون، في ما يمكن احتسابه حالة فصامية بائسة تصيب المستعمر في هويته، ومعها تقترب الكولونيالية من مشهد أوديبي للرغبة المحرمة.

يلفتك في الكتاب ما يطرحه من تشابه مدهش بين دراسات الخطاب الكولونيالي والدراسات النسوية، حيث تجري مناقشات عميقة حول غريزة المرأة مقابل عقلانية الرجل في إطار إيديولوجيات علمية تناولت كلا من العرق والجندر على نحو مريع يدعم بعضها بعضا. جدير بالتنويه في هذا السياق أن المرأة في الآداب والفنون الكولونيالية كثيرا ما تحضر بصفتها أرضا جديدة، أو لقمة سائغة يوعد بها الرجل الأوروبي. في حين يحضر الأسود أو حتى الهندي في هذه الآداب نفسها مغتصبا للنساء البريطانيات، وهو ما يتم بقصدية توطيد سلطة غربية تطرح نفسها هنا جزءا من المهمة الحضارية لتأديب الناس وتحضيرهم. وتعجب هنا إذ ترى صورة المغتصب الأسود أو الهندي نفسها تحضر بالمثل في نصوص ما بعد كولونيالية، اختارت أن ترد عن طريق حرف عنف اللقاء الكولونيالي من المستعمِر إلى المستعمَر، وعليه يصبح بإمكاننا فهم شخصية المغتصب الأسود من مفهوم معاكس، بوصفها ردة فعل قومية على الاغتصاب الإمبريالي. وبالمثل أيضا فإن وجودا بريطانيا أنتج خطابا عن أكلة لحوم البشر، قوبل بخطاب يوازيه يتظاهر، بل يؤكد صفة أكل لحوم بشر من أجل ترويع الأوروبيين، في سياق القوة غير المتكافئة، بما يعد ردة فعل على عنف كولونيالي كان لا بد أن يرد عليه بعنف يقابله.

من بين الصور الأخرى التي تتكرر في الأدب الكولونيالي، صورة المرأة المحلية الراغبة في الرجل الأوروبي، بكل ما تحمله من تعبير عن خضوع للشعوب المستعمرة، ومن أبرز هذه الصور تحضر( بوكوهانتس) الملكة الهندية التي تهجر شعبها من أجل رجل أبيض، وكذلك تبرز المرأة التي تنتمي للطبقة الراقية التي يتواطأ معها الرجل الأوروبي ويحميها- كما صورة الأرملة الهندية التي تحرق جثتها مع جثة زوجها المتوفي- التي أضحت سمة من سمات السرد الكولونيالي من القرن السابع عشر إلى الوقت الحاضر. أما أن يتشبع المستعمر بالآداب والعلوم الإنكليزية، فإن للأمر وجهين، أحدهما أنه سيخلف مواطنا إنكليزيا في الذوق ووجهات النظر، وفي الحس الجمالي والتفكير الأخلاقي، ليصبح هو ومن على شاكلته طبقة تحمي المصالح البريطانية، أما الوجه الآخر فيتجلى في واحدة من مسرحيات شكسبير يلعن فيها بطله اللذين منحاه لغة يقول عنها «وفائدتي منها هي أنني تعلمت كيف ألعن، فليتخلص منكما الطاعون الأحمر، لأنكما علمتماني لغتكما».

نخلص إلى أن دراسات ما بعد كولونيالية من شأنها الكشف عن ممارسات كولونيالية خطيرة عن طريق ما يطلق عليه ريموند وليامز «التجاهل» بمعنى التشكيك بمسلمات من مثل الادعاء بأن الكولونيالية كانت قناة من قنوات التواصل مع الحضارات، وهو ما ينفيه إيميه سيزير في قوله: «لا، لم يحدث أي تواصل بشري، وإنما كانت ثمة علاقات هيمنة وخضوع». حتى إن تفسيرا لعالم خارجي قابله الرحالة الأوروبيون لم يكن ليخرج عن صور عدوانية هدفها تقديم كل المسوغات لتوسع إنكلترا في الخارج واستعمار الشعوب واستعبادها. وهو ما ينطبق على أدباء يكشف الكتاب أنهم قاموا بالترويج للفكر الاستعماري.

عند هذه النقطة أنهي بالتشديد أن لا عذر لهؤلاء مهما علت قيمتهم الفنية، فأي عذر لألبير كامو حين ألغى التاريخ الجزائري مختبئا وراء شرط إنساني يدافع فيه عن الإمبريالية الفرنسية باعتبارها قوة اقتصادية؟ وأي عذر لموباسان حين لم يبد في كامل رحلته إلى الجزائر أي تعاطف مع المظلومين، قبالة تعاطف كلي مع محتل جاء الجزائر معتديا على حقوق شعب وأرض ليست له؟

كاتبة أردنية

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى