الرئيسية / صفحات الثقافة / أتينا كي نخسرَ أوراقنا كالأشجار/ روبرت بلاي

أتينا كي نخسرَ أوراقنا كالأشجار/ روبرت بلاي

 

 

 

ثلاثة رؤساء

 

 

أندرو جونسون

 

أريدُ أن أكونَ حصاناً أبيضَ!

أريد أن أكون حصاناً أبيضَ فوق الجبالِ الخضراء!

حصاناً يعدو على جسور خشبيّة وينامُ

في الحظائرِ المهجورة….

 

 

ثيودور روزفلت

 

عندما كنتُ رئيساً، سحقتُ الحلزونَ بأسناني المجرّدة.

نمتُ في ثيابي الدّاخلية في البيت الأبيض.

أكلتُ الكوبيين بِالعُوْدِ، وحلمَ بي لينينُ

كلَّ ليلة.

مَحَقْتُ غابةً من شجر الصّفصاف. طَحَنْتُ الثّلجَ

ثم بعتُه.

جبالُ تكساس ستداوي حقولَ ذُرَتِنا،

التي اجتاحَها العرقُ الأصفر.

أما أنا، فأريدُ أن أكونَ حجراً! نعم!

أريد أن أكونَ حجراً مُلقىً منذ آلاف السّنين،

حجراً بالكادِ تُلْمَحُ شُقوقُه!

أريد أن أكون حجراً ينوءُ تحت زاويةِ بيتِ البُحيرة،

حجراً ينتفضُ فجأةً ويركضُ في الليل،

ويجعل أَسِرَّةَ الزّفافِ تتداعى؛ حجراً يقفزُ إلى الماء،

وهو يَشدُّ اللصَّ معه.

 

 

جون ف. كينيدي

 

أريدُ أن أكونَ جدولَ ماءٍ ينحدر-

ماءً ينحدرُ من أعالي الجبال، ماءً

يبدّدُ كلَّ شيء،

ولمّا يُشْربْ، ينحدرُ من نتوءٍ إلى نتوء، من كأسٍ إلى كأس.

أريدُ أن يكونَ الهواءُ من حولي لامرئيّاً، رخيّاً،

قابلاً لأن يغمر الصّخور.

سأعْـتلُ الجلاميدَ حتى الوادي.

ثم سأهوي أثناء صعودي عبر الفراغ من جديد:

متألِّقاً تحت الشّمس، مثل البلّورِ على رفوف التُّحَفِ،

وطاساتِ الحياةِ البدئية، قبل أن تُلْحِقَ بها الكنيسةُ الخرابَ.

وحين أصعدُ في المرّة الثّالثة، فإنني سأهوي للأبد، مُخْطِئاً الأرضَ كُلَّها.

 

 

منزلٌ بين الأعشاب الدّاكنة

 

في عمق النّعاس يتيقّظُ الجسد

لنجد أسوداً على شاطئ البحر-

ليس ثمة ما يبعث على الخوف.

تصَّاعدُ الرّيحُ؛ ينولدُ الماءُ،

مُنْفَرِشاً كأرْدِيَةِ قبرٍ بيضاء على شَطٍّ صخريّ،

ساحباً إيانا من سريرِ الأرض.

 

لم نأتِ لكي نبقى كُلاًّ.

أتينا كي نخسرَ أوراقنا كالأشجار،

الأشجار التي تُقْتلَعُ مرّةً أخرى،

تُنتزَعُ من الجذور الضّاربة في الأرض.

كذلك الرّجال الذين أسَرَهم المغاربةُ

يستيقظون، يُجذّفون في هواء المحيط البارد،

يعيشون حياةً أخرى.

 

إذ علينا أن نتعلَّمَ من الفقر والأسمال،

إذ علينا أن نتذوّقَ حشيشةَ ديلينغَر[1]،

ونسبح في البحر،

وليس أن نسيرَ على اليابسةِ دائماً،

لنجِدَ، راقصين، في الأشجارِ مُخَلِّصاً،

بيتاً بين الأعشاب الدّاكنة،

وزاداً في الموت.

 

 

العيشُ في النّار

 

لا ساجْ[2]، ولا قراصنة رخامٍ

لهم أن يبزّوا هذا الألم،

ليس الألماس ولا الزّعتر

ولا دُخَان زهرة الياقوتيّة

ليس للزّمرّدِ أن يُلمَّ بهذا الألم،

وهو، آه يا إبراهيم!

أكثر من كونه جوقات

من السّاج أو بومِ إسبانية.

 

 

عندما يحكي الأخرس

 

ثمة ليلةُ مسرّةٍ قد ننسى فيها

كلَّ شيء، فننثني

مثل الفجلةِ

ترتفعُ وتسقطُ، وفي النّهاية يُسْلِمُنا المحيطُ

إلى المُحيطِ؛

في ذاك المحيطِ نغوصُ

كما لو أننا نطفو على عتمٍ مديد.

يحتدمُ الجسدُ،

ومرتفعاً بقواه الذاتية، مُتلاشياً في الدّخان:

يتمشّى في مدنٍ كبيرة أواخر الليل،

وهو يقرأ الكتابَ المقدّسَ عند معهد العلوم المسيحيّة،

أو يقرأ تاريخَ بوغينفيل[3]:

ثم تتّضح الصّور-

صورُ الكارثة،

صورُ الجثّةِ ترتعد في القبر،

والقبورُ ملأى بالمتعرِّقين؛

حرائق في البحر،

جثثٌ تختنق بالدّخانِ مثل سفنٍ،

صور حياة أهْرِقَتْ،

حياة ضائعة، خيال مهشَّم،

البيت مُتداعٍ،

وعيدان الذّهب قد تكسّرتْ!

فهلاّ لِزَلِقِ اللسانِ أن يخرسَ

ويحكي الأخرسُ.

 

 

حيث ينبغي أن نبحث عن مُساعد

 

تعودُ الحمامةُ؛ لم تجدْ مُستراحاً؛

كانت تطير طوال الليل فوق البحارِ المائجة.

تحت مزاريب سفينِ نوح

على الحمامة أن تُقَرِّبَ بمِحْرَقِ عدستها سريرَ النّمر؛

ليَحُلَّ على الحمامِ السّلامُ.

السّنونواتُ مشقوقةُ الأذيال تغادر العتباتِ فجراً؛

عند الغسقِ ستعودُ السّنونواتُ الزّرقاء.

في اليوم الثالث سيطيرُ الغُراب؛

الغرابُ، الغراب، الغرابُ بلونِ العنكبوت،

سيجد الغرابُ وحلاً جديداً يدرجُ فوقَه.

 

 

خصام

 

الرجلُ الرّخيّ:

رأيتُ في ما يرى النائمُ أزهاراً.

أزهاراً بيضاء غطَّتِ التّلّ.

عندما دنوتُ منها، رأيتُ

سيوفاً وقدِ انزرَعَتْ وسط الأزهار.

 

الرجلُ المتوتّر:

وأنا قطعتُ النّتوء الصّخريَّ

الذي تمدّدَ أذرعاً حرونةً على المرج،

قد قطعتُه كي أتأكّدَ

أن الطّاقة الخضراء قدِ امّحتْ.

 

الرجل الرّخيّ:

حين يموت الرجلُ الطّيّب، مطعوناً

بأنياب الخنزير، ويُعتمُ دمُه

النّهرَ، تلطمُ الصّبايا

نهودَهنّ الفتيّةَ ويبكين.

 

الرّجلُ المتوتر:

إن يكنِ الحُبُّ، حبُّ البنتِ، مجرّد مشوار،

خريفاً لا ينتهي بربيع،

فمن سيصنع الأرغفةَ

ويصرخ داعياً إلى الصلاة؟

 

الرّجل الرّخيّ:

رأيتُ في ما يرى النائمُ أزهاراً.

أزهاراً بيضاء غطَّتِ التّلّ.

عندما دنوتُ منها، رأيتُ

سيوفاً انزرَعَتْ وسط الأزهار.

 

 

 

ننهض من الرّقاد

 

ثمة في الأوردةِ أساطيل تمخرُ عبابها،

انفجاراتٌ طفيفةٌ عند سطح الماء،

ونوارسُ تحومُ في ريحِ الدّمِ المالح.

 

إنّه الصّبحُ. البلادُ هجعتِ الشّتاءَ بطولِه.

المقاعدُ عند النّوافذِ غُطّيتْ بالفراء، الحديقةُ تحفلُ

بكلابٍ خدرة، وبأيدٍ خشنةٍ تتأبّطُ كتُباً ثقيلة.

 

نستفيقُ الآن، ننهض من الفراش، ونتناولُ الإفطارَ!-

تتعالى الصّيحاتُ من ميناء الدّم، والضّبابِ، وترتفعُ الصّواري، وتقعقع البكرة الخشبية تحت ضوء الشمس.

 

نغنّي الآن، ونؤدي رقصاتٍ قصيرة على أرض المطبخ.

جسدنا بأكمله ميناء عند الفجر؛

نُدرِكُ أنّ مُعَلِّمَنا قد غادرَنا لهذا اليوم.

 

 

[1]  – صنف من الماريغوانا.

[2]  – شجر شديد الضّخامة.

[3]  – جزيرة تقع قرب بابوا نيو غينيا، وتعتبر أكبر جزر أرخبيل جزر سليمان.

المترجم: أحمد م. أحمد

ضفة ثالثة

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...