مراجعات كتب

توماس ترانسترومر: طفل في عذاب بيرغمان/ سارة عابدين

 

 

الكتاب النثري الوحيد للشاعر السويدي توماس ترانسترومر (1931 – 2015) هو مذكراته التي تحمل عنوان “ذكريات تراني”، وقد صدرت بالعربية مؤخراً عن “الهيئة العامة للكتاب” بترجمة طلال فيصل، الذي أنجزها بعد مقابلة طويلة مع الشاعر في منزله.

كان من المفترض أن يكون الكتاب 16 فصلاً، لكن الوقت لم يسعف صاحب “النظر في العتمة” في إتمامه، وذلك وفقاً لزوجته في حوار مع المترجم.

يمر الكتاب، بفصوله الثمانية، على حياة ترانسترومر من الطفولة حتى سنوات مراهقته، وفي الفصل الأول المعنون بـ “ذكريات” يحكي الشاعر وهو في الستين عن طفولته وسنوات تكوينه، ثم يتذكر جده وذكرياته معه وعلاقته العميقة به رغم فارق السن الكبير جداً بينهما (71 عاماً).

في فصل “متاحف”، يوري افتتانه بالمتاحف وارتباطه، طفلاً، بمتحف التاريخ الطبيعي ثم تحوّل اهتمامه في ما بعد إلى متحف القطارات وكيف كان يحب تلك الأماكن التي لا يتذكر أنه وجد بها زواراً غيره، وكأن هذه المتاحف فتحت خصيصاً من أجله. كما يتذكر ترانسترومر تعلقه بهواية صيد الحشرات وجمعها ويقول “استطعت أن أقبض على جزء من العالم وقمت بتثبيته في صناديقي، والتي ما زلت محتفظاً بها”.

في فصل “مدرسة ابتدائية” يتذكر ترانسترومر لوحات الحائط القديمة المصنوعة من الورق المقوى، وكيف كان يحاول صنع بعضها في منزله في حدود إمكاناته. يحكي أيضاً عن هلعه عندما تغيّب عن المدرسة ليومين وأخبرت المدرسة زملاءه بأن يتوقفوا عن مضايقته لأنه بلا أب وكان يرفض الاعتراف بأنه شخص غريب بالرغم من تأكده في أعماقه من غرابته تلك.

في الفصل الرابع يسترجع صاحب “للأحياء والموتى” ذكرياته، صبياً بعمر التاسعة في عام 1940 وقت قيام الحرب ويحكي عن متابعته للجرائد اليومية وخريطة الحرب، يقول: “كنت أعتبر نفسي واحداً من أعداء هتلر. ويكمل: لم أمارس التزاماً سياسياً أكثر إخلاصاً مما عشته في تلك الفترة”.

في “مكتبات” يستعيد الشاعر شغفه منذ الصغر بالمكتبات، وكيف أن رفوف تاريخ أفريقيا المجهولة والمهملة هو ما جعلها أكثر جاذبية بالنسبة إليه، حتى إنه كان يحلم حلماً مستمراً يرى نفسه فيه يقود حملة استكشافية في قلب أفريقيا، وفكّر وقتها أنه يرغب في أن يكون عالم حشرات فيها.

ينتقل بنا ترانسترومر إلى “مدرسة النحو” ويصفها بأنها كانت مثل دير للرهبان أو ثكنة عسكرية؛ حتى إن المخرج السويدي الشهير إنغمار برغمان كان قد خلّد الجو العام للمدرسة في تصوير فيلم “عذاب”، وكان ترانسترومر ضمن مجاميع الطلاب التي تظهر في أجزاء عديدة من الفيلم.

في فصل تعويذة يسترجع مؤلف “الجنّة النصف منتهية” إصابته بنوع مفرط ومرضي من القلق، جعله يخشى العتمة والليل: “لم أكن أنام إلا قليلاً؛ أجلس في السرير، وأمامي كتاب سميك. قرأت عدة كتب سميكة في تلك الفترة، ولكني لا أستطيع أن أقول إني قرأتها بالفعل لأنها لم تترك أي أثر في ذاكرتي. كانت الكتب مجرد حجة لإبقاء النور مضاء”.

يقول إن التجربة انتهت والمخاوف بالتدريج أصبحت هامشية لكنها تظل التجربة الأكثر أهمية على الإطلاق. كان يعتقد أنها جحيم إلا أنها كانت مطهراً.

أمّا الفصل الثامن والأخير فجاء بعنوان “لاتينية”، وفيه يسرد علاقته بالشعر وكيف بدأ في كتابة الشعر الحداثي، وعلاقته بألفاظ اللغة اللاتينية عند ترجمة أبيات الشعر اللاتيني التي تعلم من خلالها قواعد الشعر والحياة.

في نهاية الكتاب يورد المترجم جزءاً مما كتبه ترانسترومر عن طنطا عند زيارته لمصر وسؤاله: هل الناس هناك لا يزالون تعساء وفقراء كما شاهدناهم عام 1959، أم أن ظروفهم تحسنت قليلاً؟

العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى