صفحات العالم

أزادي.. حرية الشعب الفدائي

 


مهنا الحبيل

أزادي هي الكلمة المطابقة لمصطلح الحرية في اللغة الكردية اختارته تنسيقيات قيادة الثورة السورية الميدانية في كل مدن القطر ليردده العرب مع الأكراد في جمعة “أزادي الحرية” في العشرين من مايو/أيار، وهي رمزية تُجسّد على الأرض قضية مركزية مهمة أكدناها مرارا وهي حيوية الوحدة الوطنية السورية بين الشعب، أكراداً وعربا، مسلمين ومسيحيين.

وفي ذات الوقت عكست هذه الصورة التلاحمية حين نُقلت بكثافة من مظاهرات مدن القطر فتُكتب على لوحاتهم وتردّد في مظاهراتهم الحاشدة, إذن النظام يواجه حركة التحام وطني عنيدة وصلبة تُعزّز فشله المتنامي في محاصرة الثورة وهزيمته التدريجية المتلاحقة.

الطاحونة تتقدم والنظام عاجز

ولنعود هنا لإعادة رصد المشهد السوري بدقة ومتابعة تطوراته وخاصة في رسائل جمعة “أزادي الحرية” وما سبقها من مذبحة تلكلخ على الحدود اللبنانية وانعكاساته في خريطة الزحف القوي للثورة السورية على الأرض الجغرافية والأرض النفسية للشعب السوري التي باتت تُعطي دلائل قاطعة على أن حركة التغيير السوري وإيمانها باستحقاقها لعهد الحرية لا مجال لتقسيطه فضلا عن المساومة عليه.

ولقد شكّلت تلك اللوحة المقسمة على شاشة الجزيرة والمنقولة أيضاً في قنوات أخرى عالمية وعربية، إعلاناً نوعيا إضافياً سجلته جمعة أزادي لحركة التوسّع في مضمار الثورة السورية وانضمام بلدات صغيرة وكبيرة وأحياء رئيسية ومهمة في دمشق وحلب فضلا عن صمود مدن الحصار وقوة إصرارها على المشاركة في تقديم قرابين الشهداء لمشروع الحرية الكبير.

فذلك المشهد الذي يحاول أن يلاحق المظاهرات عبر تقسيم الشاشة إلى عشرين مشهدا من كل بلدة ومدينة سورية ومع ذلك لا يحصيها, ثم لا يستطيع أن يُغطّي تلك الآلاف من الرسائل المصورة والموثقة بالفيديو على كامل مدن القطر توثّق المسيرة وتكشف عملياً القمع والتخريب من الأمن و”الشبّيحة” في الشوارع الخلفية وتنقل حركة الاستشهاد وتهليل الناس وتدفق الدماء، في دلالة واضحة قوية تؤكد قوة الدفع الفدائي في الشارع السوري.

إذن هذا المسار المشهود الموثّق أمام العالم في وقت يضطرب ممثلو النظام في وسائل الإعلام حتى يُكرر أحدهم مشاتمته للجزيرة، أو اشتباكهم مع مقدمي القنوات الأخرى, وحين يستشعر ممثل النظام الأمني المُكلّف بالمتابعة الإعلامية عجزه عن مواجهة الحقيقة المروعة للوجدان من وحشية القمع، فهي في ذات الوقت تُترجم هزيمته بقوة في مواجهته لنقل حركة التغيير السوري الديمقراطي إلى مرحلة الثورة الشاملة وقرارها الصلب في وحدتها الوطنية وشعاراتها الشعبية, وهو ما يعني ما أكدناه من فشل النظام منذ الدورات السابقة وخاصة دورة أزادي في حركة الثورة السورية والدليل المعاكس المهم جدا للمراقب السياسي وهو قوة قيادة الثورة وتنسيقياتها وثباتها في الميدان.

تلكلخ اللوحة المهمة

قبل اشتعال جمعة أزادي الحرية تعرّض النظام لانتكاسٍ نوعيٍ عنيف اضطره لاستخدام أقصى أدوات حلفائه في لبنان ومع ذلك ارتدت الصورة عليه بقوة, كان العالم يشهد صورة الشابين الممددين المدنيين بعد قنصهما في تلكلخ وحليب الأطفال المنسكب مع دماء الشهيد الذي كان يحمله, وكان هذا المشهد مقدمة لاجتياح الجيش والأمن بلدة تلكلخ التي اضطّر أهاليها لأن ينزحون إلى بلدة وادي خالد الملاصقة لتلكلخ في الداخل اللبناني.

كان العالم هذه المرة مع مشهد متتابع من زحف الأهالي وجرحاهم وشهادات مباشرة تحت القصف لما تعرضت له تلكلخ وكان واضحاً أن إطلاق الرصاص على الحدود اللبنانية باتجاه الأهالي ومسعفيهم اللبنانيين يعكس مدى فزع النظام من مشهد الفرار الجماعي للعجزة والنساء الذين وجّه سلاحهم وقصفه إليهم.

ولذلك رصد المراقبون حركة الضغط التي مارسها حلفاء النظام من القوى الإيرانية داخل لبنان على هيئات الإغاثة لمنعهم من إسعاف وإغاثة النازحين, وكان تهديد هذه القوى لمؤتمر المجتمع المدني اللبناني الداعي للتضامن الإنساني مع الشعب السوري ومع هذه الحالات المأساوية, ثم تهديد الفندق المُضيف مما أدى لإلغاء المؤتمر، صفحة مهمة للغاية من حركة الاختناق التي بات يعايشها النظام في دمشق, ويتصرف معها باضطراب وهستيرية عدائية أضّرت بحلفائه من حزب الله وحركة أمل وحلفائهم, وسجّلت تقدما مركزيا يَشهد لمصداقية الثورة وما طرحته ابتداءً عن وحشية النظام ونزعه لمسار واحد هو حوار السلاح والقنص والقصف العشوائي ضد الشعب.

الحقيقة الفدائية تنافس الأساطير

وأمام هذه المشاهد ستتلخص لنا صورة هي حقيقة إستراتيجية بنظر التحليل السياسي أو التاريخ الإنساني لصناعة الحرية عبر الفداء المنقطع النظير, لتُبرز أمامنا مجددا سّر نجاح الثورة السورية أمام كل هذه المسارات وحلقات الخنق والتقاطع الدولي الإقليمي الذي اضطر للاعتراف بحركتها وملامة النظام بعد فترة من الحديث الليّن الذي أعطى النظام مساحة أكثر منه رسائل ضغط.

وهنا نحن نتحدث عن صور من حشود تنتظر الجمعة تلو الجمعة تكاد توقِن بل هي توقِن بأن قربان الشهداء المُسجّل في قوائم الشهداء لحرية الشعب مساء انصرام كل جمعة قد يكون اسمه في طليعتهم، أكان هذا الفدائي الشاب أو الصبيّة أو الشيبة أو العجوز أو الطفل.. المنتظِر بتلهف وفي يده راية سورية وقرار الاستشهاد لا غير.. فقط لقد قرر الفداء.

ثم تَعجب من ذلك الشاب الذي تقدم حتى يصوّر القنّاص وهو يحتمي بالحشود الأمنية وتأخذك الرهبة الوجدانية حتى في قراءتك السياسية بأن الشاب الذي أصيب في التصوير أهم ما يهمه دفع الصورة إلى صاحبه لتنجح عمليته وينطق الشهادتين لرحلة الخلود الكبرى, وتراهم ينوعون لوحاتهم ويعرضون بطاقاتهم حتى يتعزز التوثيق وتتحدّى عزائم الثوّار بصدورهم العارية صلف الإرهاب, كالذي صوّر الشيبة الذي قنص في وسط الطريق واندفعت عجوزه تحاول جذبه منطرحة على الأرض حتى دنا منها ولدها فكرر القناص قذائفه نحوهم, غير أن قذائف المشهد لقوة العهد الثوري السوري كانت أقوى فهَزمَت القنّاص ورفعت صورة المشهد.. لمعركة انتصار الدم وأزادي الحرية.

ما الذي يعنينا في قلب التحليل السياسي في هذه الصورة التلاحمية الإلهامية؟

نقول إن هذه المشاهد من الفدائية والتضحية والعزيمة الشعبية في التاريخ الإنساني كانت تُروى أساطير تتحدث بها الشعوب والتراث على أنها قيم بطولة سيّدت الأمم ونصرتهم معنويا وسياسيا, في حين نحن نرقبها في الشام حقائق مجسدة, وهذا الأمر يعني بوضوح لقراءة المشهد إستراتيجيا أن المرحلة الفدائية التي وصل لها الشعب السوري هي فقط من يقود المشهد، وأن النظام أو أي قوى دولية أو إقليمية لن تستطيع أن تحاصره ولا حتى محاولات النظام الهزلية بإعادة طرح حوار الطرشان في حين حوار القناصة يتسيد الساحة.

المشهد العالمي ينحني

ولذلك فإن الاضطراب الذي جرى للقوى الإقليمية وارتباك أردوغان وشعور المحيطين به بالخجل من تردد خطابه في حسم الدعم للشعب السوري بعد أن أيقن أن الشعب تجاوزه بفدائيته الذاتية كانت الرسالة الأولى.

وكانت الثانية اضطرار أوباما لكي يُعلن موقفاً جدياً يجعل له مبررا مستقبليا أمام حركة الاندفاع الشعبي لحرية الشعب السوري وإعلان انتصارها الذي بات يتردد توقعه في ذهول داخل الأوساط الأميركية, ودلالة ذلك تصريح أوباما الأخير في استقباله لنتنياهو بأن واشنطن ستلتزم بتأمين أمن إسرائيل إذا تغير المشهد السوري, كإشارة واضحة لتجاوب واشنطن مع مخاوف الساسة والإعلام الإسرائيلي من وصول حكومة حرة ومنتخبة في دمشق, والتنصيص على سوريا يبرهن على هذا القلق وأيضا يؤكد حجم ضمانة نظام الأسد للأمن الإسرائيلي تاريخيا.

في كل الأحوال بدء أوباما إعطاء إشارات بإعلان العقوبات الرمزية, وهذا يُشير إلى أنّ البيت الأبيض بدأ يستشعر حجم حراك الثورة على الأرض وقوة إرادتها وعزيمتها, وهو ما يعني بجلاء ووضوح أن هذه الثورة هي من يفرض على الأرض التغيرات تجاه مستقبل الوطن السوري أكان تغيرا مضطرا أم مراوغا أو متآمرا.

وهذا يعني أن هناك مشروعا كبيرا يتجسّد، يعلن أنّ نهر الدماء العظيم في سوريا لن يذهب سدى.. إنه يُقرر حرية الشعب بدمائه ليخضع العالم المتوحش مضطراً لأسطورة الفداء والشهداء.

الجزيرة نت

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى