الرئيسية / صفحات مميزة / أزمة كيان وصراع هويات ؟!: د. هدى زين

أزمة كيان وصراع هويات ؟!: د. هدى زين

ـ سوريا ومعركة الوجود ـ

د . هدى زين

إن اندفاع الطاقة الشعبية الكامنة من جوف التناقضات الاجتماعية التي ولدتها سياسة الاستعباد والقهر واقتصاد الإفقار والنهب بعد أربعين عاما من حكم الإلغاء والنفي سيكون تاريخا فاصلا بين حقبتين متصارعتين إحداهما أصبحت تنتمي إلى الماضي والأخرى تتجه نحوالمستقبل بغض النظرعن الطابع التحرري أو المضاد للحرية الذي يمكن أن تحمله رياح التغيير الثورية ..

إن هذه اللحظة التاريخية الفاصلة بين الحقبتين التي تشهدها سوريا منذ عامين ـ وستعيشها لسنوات قد تطول بعد انهيارالبنية العليا لهرم السلطة ـ تصطحب معها أخطر مايمكن أن يهدد المجتمع السوري والدولة السورية : مثل الصراع المتوحش على السلطة ، الفوضى القانونية والاجتماعية ، فقدان الأمن وغياب الدولة والخوف من عمليات الانتقام ، الجمود الاقتصادي المدمر لشروط الحياة المعيشية ، غياب الرؤية المستقبلية وانتشار حالة الضياع ، فتح ملف المحاسبة وآليات التعامل معه ، الهلع من احتمال عمليات تهجير جماعية ، ظهور تصدعات وتحولات في معضلة الهوية وغيرها . كل هذه الظواهر ستشكل تحديات هائلة أمام صيرورة التغيير الثوري وإعادة بناء هيكلية المجتمع السياسية والاقتصادية والمجتمعية ، فدرجة السقوط الإنساني والفوضى السياسية والانهيار الاقتصادي لم تعد تسمح بإيجاد حلول سريعة لمواجهة كل هذه المخاطر المهددة للبنية التحتية والفوقية للمجتمع بعد سقوط سقف السلطة . فالمجتمع يحتاج من قواه السياسية والمدنية إلى برنامج عمل مجتمعي تكاملي وإدارة واقعية لهذه المخاطر.. ولم يعد يخفى على أحد أنه كلما طال بقاء النظام في السلطة كلما ازداد العنف والدمار وازداد معه المجتمع والدولة انزلاقا إلى هاوية الضياع وتآكل الذات : ذات المجتمع والفرد ، خاصة أن الثورة دخلت المرحلة التي تفترس فيها أبناءها بل وجزء من كينونتها ..

إن مايجري في سوريا اليوم معقد ومركب ومتداخل لدرجة كبيرة .. وغياب الحل السياسي يفضي كل يوم إلى مزيد من التدمير والتفكك .. وهذا يعني فيما يعنيه أن سوريا اليوم تعيش أزمة كيانية حقيقية .. وسيكون عليها أن تعيد إنتاج وجودها بكل ماتعنيه كلمة الوجود من معنى .. لأن الإنسان والمجتمع في سوريا اليوم يقاومان الموت بكل أشكاله وأنواعه .. فالطبيعة التدميرية للنظام السوري باتت تهدد كيان سوريا ـ شعبا ودولة ـ .

إن الانسان عموما والمقاوم خصوصا في سوريا يتحدى كل يوم وكل ساعة عملية الهدر والنزيف الإنساني بأبشع صوره ويخوض أعسر ولادة وجود جديد عرفتها البلاد .. فمع انحسار سلطة الدولة وعجز القوى السياسية عن القيام بمهامها الثورية وقصورالمعارضة المسلحة عن وضع استراتيجيات وتكتيكات القتال الموحدة ذات الطابع المنظم والإلزامي لجميع المقاتلين وتدخل أطراف اقليمية ودولية في تحريك الأحداث حسب مصالحها إضافة إلى انعدام أبسط شروط الحياة المعيشية في المدن والقرى المقاومة .. مع كل هذه العوامل تواجه الذات الفردية والمجتمعية من ناحية صراعا مؤلما يبحث في تناقضاته وازدواجيته عن إثبات الهوية الاجتماعية والجماعية التي تدافع فيها عن حياة مشتركة لكل السوريين ومن ناحية أخرى ظهور ذوات جديدة كانت دفينة لم تتبلور ماهيتها بعد وإن كانت تشكل خطرا حقيقيا ومهددا للهوية الكلية العامة .

تكمن أهمية الثورات في التاريخ في أنها الفعل الأقوى والأوضح والأكثر جذرية في التعبيرعن تناقضات المجتمع بمجملها : تناقضات العلاقة الاقتصادية بين من يملك المال والثروة ومن لايملكها .. تناقضات العلاقة السياسية بين من يحتكر السلطة ومن يرزح تحت نيرها .. وتناقضات العلاقة مع الهوية بين الانتماء للوطن والانتماء المذهبي أو الاثني أوالمناطقي ، هذا هو بكل بساطة وعمومية مايعكسه الفعل الثوري أو الثورة وهو تفجرالتناقضات الاجتماعية المتراكمة والمضغوطة بفعل الاستبداد والقمع ..

ولعل الحالة السورية هي النموذج الأمثل للثورة من بقية بلدان مايسمى بالربيع العربي لأنها الأكثر جذرية وبالتالي الأكثر تفجيرا وتعبيراعن حقيقة التناقضات الاجتماعية المخفية في المجتمع ولهذا فهي الأكثر عنفا وتدميرا .. لذلك تعتبر الثورة السورية أكثرالثورات العربية تعرية ونبشا للتناقضات المخفية تحت سطح الاستقرار الحاصل بفعل الاستبداد .. فالطابع الوجودي للصراع بين النظام والقوى الشعبية الثورية كان منذ بدايته صراع حياة أوموت .. حيث أن العقل المفكر للنظام السوري تميز عن بقية الأنظمة العربية التي ثارت شعوبها ضدها بأنه لم يحمل في طياته بذور التنازل أوفكرة التخلي عن جزء من السلطة .. أي كان الخيار الاستراتيجي له إما الربح الكلي أو الخسارة الكلية .. لهذا مارس النظام السوري العنف في أقصى درجاته وصوره وكان مصرا على إنكار ثورة الشعب إنكارا كليا كحل وحيد لاسترتيجيته في عدم التخلي عن أي موقع في السلطة .. وهذا فتح باب العنف المضاد على مصراعيه وجعل من القوة التدميرية لأساسات المجتمع المادية والانسانية والقيمية الدور الأكبر في استخراج ماهو دفين من التناقضات وأشكال التشظي في العلاقة مع الهوية والوطن والدين والقومية أي العلاقة مع الذات الفردية والجماعية للمجتمع السوري ..

إن الطاقة التدميرية الهائلة لكل شيء والاستنزاف اليومي المتصاعد للأرواح البشرية وللقمة العيش وقطرة الماء والبنى التحتية للمجتمع نقلت حدود الصراع وجبهاته إلى كل سوريا .. فباتت جبهة الصراع مركبة ومتشابكة .. وتشظت إلى مجموعة صراعات: عسكرية وسياسية واقليمية ودولية .. ثم امتدت إلى صراعات ذات طابع ديني مذهبي حينما اتبع النظام سياسة التدمير والتجويع والتعطيش والإفقار الممنهج معاقبا فيها مدن المقاومة والثورة بالتحديد ..

كل هذه الطاقة التدميرية الشاملة والارتجاجات والصراعات الناشئة عنها لايمكن لها إلا أن تمس عمق الإشكالية الوجودية وتوقظ سؤالا كان يبدو أنه راكد ومستقروهومعضلة الهوية والانتماء . إن سوريا المجتمع والدولة والفرد تعيش اليوم صراعا وحراكا هوياتيا مازالت تحاول معظم الأطراف السورية الهروب من مواجهته خوفا من حالة الضياع والتشتت التي تستدعيها حالة البحث عن الذات وإعادة النظر في الهوية الذاتية للفرد والمجتمع .. فمن ناحية تحاول معظم الأطراف التأكيد على أن الشعب السوري واحد وأن الانتماء للوطن والتاريخ والمجتمع والحياة المشتركة هو التعبير الحقيقي عن الهوية السورية ومن ناحية أخرى تجري عملية الزحف الخفي واللاشعوري في كثير من الأحيان إلى القوقعة الأضيق والأقرب التي يختبئ فيها الفرد لحماية وجوده وذاته كفعل ناتج عن العجز والخوف ، ومن هنا تبرز قوقعة الفرد في سنيته أوعلويته أومسيحيته أوكرديته أوعشيرته أو منطقته ولائحة القوقعات تطول ..

لهذا كله : ليس هناك ماهو طبيعي أكثر من حالة الاغتراب التي تصبغ العلاقة بين المجتمع والفرد في سوريا اليوم .. فكل منهما أصبح مغتربا عن نفسه وعن الآخر، إن حالة اغتراب المجتمع اليوم عن نفسه تدفعنا إلى إعادة إنتاجه بالفكر والفعل تحليلا وحلولا .. فالجميع معني في خضم الوجع الأسطوري للوطن أن يلبي الحاجة التي تعبر عنها أزمة الهوية في الواقع السوري .. ومن لايفعل شيئا فقد اختار أن يكون ريشة تحملها رياح التغيير حيث تريد ..

إن إشكالية الهوية سؤال كبير وعميق ولاأعتقد أن أحدا من كل الأطراف السورية لديه إجابة جاهزة وشافية عليه ..

لهذا أصبح من الملزم لنا كسوريين ـ قوى وأفراد ـ مواجهة الهدر الوجودي ـ الخارجي الدولي والداخلي السلطوي ـ من خلال إعادة إنتاج الحصانة الذاتية ضد الهدرين .. وتجارب الشعوب تعلمنا أن تحرر شعب من سلطة الاستبداد التي تحكمه ليس ضامنا لإنهاء الاستبداد والقهر والتوزيع غير العادل لثروات البلاد .. فالقضاء على نظام الأسد المدمرهو نصف المعركة الوجودية هذه .. وترميم الذات المجتمعية والفردية وتجديد هويتهما بالعقل والعدل هو النصف الآخر من المعركة .. لن تنجح الثورة السورية في تحقيق أهدافها إلا إذا خاضت المعركتين بقوة وصلابة ووعي وإرادة .. فكم من استبداد أُسقط ليحل محله استبداد لايقل عنه سوءا .

خاص – صفحات سورية –

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...