أسنان الفجر


عقل العويط

ثمة سؤال يلحّ على الغالبية العظمى من اللبنانيين والعرب: ماذا لو أن الانتفاضات والثورات الجارية لم تفضِ في القريب العاجل الى قيام أنظمة ديموقراطية على ركام الأنظمة المتهاوية؟ يليه سؤال ثانٍ: ماذا لو أن المرحلة الانتقالية الظاهرة بعض ملامحها المقلقة، ستشهد ردّاتٍ وارتدادات وانقسامات وآلاماً واضطرابات وأعمال عنف والتباسات في شأن المصير السياسي؟

عندي جواب واقعي عن كلٍّ من هذين السؤالين، ربما يصعقان من يتوقع العكس.

الجواب الأول، أن هذه الانتفاضات والثورات، لن تفضي، ولا يمكنها أن تفضي، في القريب العاجل، الى استتباب أنظمة ديموقراطية حقيقية، في الدول المعنية، بما يجعل شعوبها مطمئنة الى مصيرها الآني المباشر.

الجواب الثاني، أن المرحلة الانتقالية لا يمكنها إلاّ أن تكون عصيبة، صعبة، خطرة، وطويلة.

من حقّ الذين يقرأون معطيات هذا المشهد، أن يقرأوه عارياً من الأحلام الوردية غير القابلة للتحقق بكبسة زرّ. من حقّهم إما أن يكرّوا، وإما أن يقيسوا، ويترددوا، ويخافوا. بل من حقّهم أيضاً أن يحجموا.

لكن من واجب هؤلاء جميعاً أن يقرأوا معطيات المشهد من جوانبها كافة، بما لها وبما عليها، معاً وفي آن واحد. كل قراءة ناقصة، مبتسرة، جزئية، لا بدّ من أن تفضي الى نتائج مماثلة.

هكذا لا يملك عشّاق الأنظمة الديكتاتورية، أو المتوجسون “السلبيون” من احتمالات الحراك الشعبي والمصير الثوري، على اختلاف أسباب كلٍّ منهما، وتناقضها، إلاّ التمسك بهذه الأنظمة باعتبارها خشبة احتماء وخلاص متوهمة. في حين أن الشعوب العربية التي تحمّلت ما لا طاقة لبشري على تحمّله، تملك خياراً واحداً لا ثاني لي: أن تكون في الحرية أو أن لا تكون.

قد يكون هذا “الخيار” مفرغاً من القدرة على الاختيار. بمعنى أن العربي، فرداً أو جماعات، يقف أمام الجدار الاستبدادي المحكم، ولا يملك حياله إلاّ أن يواصل الإقامة تحت ظلاله الدموية، أو… يعمل على تحطيمه. مع كل ما يتطلبه اتخاذ الموقف المناسب، أياً يكن، من فهم المسؤوليات الموضوعية واستيعاب النتائج المترتبة عليه.

طوال نصف قرن مضى، لم يقدّم نظام عربي واحد إلى شعبه أيّ بصيص من الحرية والأمل والرفاه، بل قدّم إليه، على العكس من ذلك، فقراً مدقعاً، ويأساً عميماً، وتشييئاً كابوسياً، وإحكاماً للقبضة الأمنية على تفاصيل عيشه الشخصي وعلى علاقته بالشأن العام، بما جعله شعباً من الأرقام والأعداد، مفرغاً من كلّ معنى.

كان النظام العربي “منسجماً” مع ذاته. فقد عرف، بحكم طبيعة تكوينه، وأهدافه، أن لا مكان في الحكم الاستبدادي يتسع للشعوب، أفراداً وجماعات، إلاّ إذا اندرجت كبنى قطيعية، أو كدمى وظلال يحرّكها كيفما شاء.

وكان أتباع الأنظمة “منسجمين” مع ذواتهم، بحكم طبائع نفوسهم وقيمهم وانتفاعاتهم.

أما الشعوب، الساكتة، الرازحة، غير المنتفعة، فكانت تواصل موتها البطيء، “غير منسجمة” مع معاييرها وحقيقة ذواتها وأحلامها في العيش الحرّ الكريم.

في الغالب الأعمّ، هذا ما حصل طوال الخمسين عاماً الفائتة من أعمار دول الاستقلال الوطني عن المستعمر أو المنتدب الأجنبي، التي وقعت جميعها في قبضة الحكم الاستبدادي الأحادي.

وإذا كانت تلك التجارب “الاستقلالية” التي انتظمت دولاً وحكومات، جمهورية وملكية، قد شهدت قيام أحزاب وتكوينات سياسية، غير مندرجة تماماً في الجهاز السلطوي الحاكم، فإن مصيرها كان، رويداً أو سريعاً، إما الى الانصهار الكلياني في بنية الاستبداد، وإما الى “استشهادها” بطريقة أو بأخرى.

خذوا حصيلة الحكم في الدول العربية جميعها، باستثناء لبنان – وهذا لأسباب شتى لا لزوم لاستعراضها الآن – فمن شأن ذلك أن يعطي صورة تفصيلية دامغة للمشهد الاستبدادي العربي، المتواصل، راهناً، على الأرض، قمعاً دموياً لم يكن له مثيل إلاّ في الأنظمة التوتاليتارية، عسكرية أكانت أم دينية أم أحادية الحزب والشخص.

في ضوء هذه الصورة، أخاطب الشعوب العربية القلقة على المصير، عارضاً أمامها السؤالين الأولين، وجوابي عنهما، وداعياً إياها الى اتخاذ الموقف المناسب.

قبل ذلك، لا بدّ من أن أسأل هذه الشعوب المترددة، كيف تستطيع هذه الأنظمة ذاتها التي ألغت شعوبها، طوال خمسين عاماً، ومنعت عنها الكرامات البديهية، أن تعترف فجأةً بوجود هذه الشعوب، أن تعترف بمحض وجودها فحسب كبشر، وبحقّها في العيش الكريم، وفي الحياة الاجتماعية والسياسية؟

كيف تستطيع هذه الأنظمة الديكتاتورية أن تصبح ديموقراطية؟

أيّ آليات يمكنها أن تجعل أجهزتها السلطوية والأمنية الرهيبة أجهزةً قابلة لوجود الآخر، محض وجوده فحسب، و”التنازل” له، بالانتخاب الحرّ، عن حقّها “الإلهي” في السلطة؟

أريد أن أعرف كيف؟

الحاكم الأبدي، هل يستطيع أن يتخلى عن أبد الحكم والسلطة إلاّ بالموت الطبيعي أو العنيف؟ وبعد الموت، إلاّ بالتوريث؟

إذا نعم، أريد أن أعرف كيف؟

فليحرجني أحدهم بجواب. ببرهان.

فليقدّم إليَّ، وإليكم، أحد هذه الأنظمة، برهاناً عملانياً واحداً، من شأنه أن يحمل المنتفضين والثوار على إعادة التفكير المليّ في انتفاضاتهم وثوراتهم، بما يفضي الى وقفها، وحبس الدماء البريئة.

فليقل لنا أحد الرؤساء الأبديين مثلاً إنه لم يعد يريد أن يستمر رئيساً لأنه “انتُخب” رئيساً، لا بعدد الأصوات المستحَقة، ولكن فقط بقوة الخوف والرعب والترويع والتزوير.

فليقل لنا إنه يقبل بأن يخضع للمساءلة القانونية الحرة.

فليقل لنا إنه لم يعد يريد من أحد أن يصفّق له مثلما كان يصفَّق له، حتى الأمس القريب، بل حتى هذه اللحظة بالذات، عندما يدخل الى قاعة مجلس الشيوخ أو مجلس النواب أو مجلس الشورى أو مجلس الشعب.

من يجرؤ على القيام بذلك، قد يجعلنا نغامر بدعوة المنتفضين والثوار الى وقف انتفاضاتهم والثورات.

لكن، من المؤلم والمفجع حقاً أن تكون الطرق مسدودة أمام التغيير الديموقراطي الهادئ في العالم العربي. فالنظام الذي لا يستطيع أن يتحمل تظاهرة سلمية، أو رأياً مخالفاً، كيف يستطيع أن يقبل بالتغيير؟!

من المؤلم والمفجع حقاً أن تكون المرحلة الانتقالية التي تلي سقوط الأنظمة، مرحلة عصيبة، صعبة، خطرة، وطويلة.

لهذا السبب بالذات، لهذا السبب وحده بالذات، لم يعد في مقدور الشعوب أن تظل محبوسة في القمقم الاستبدادي.

صحيح أن العالم العربي مقبل على أن يشهد مزيداً من الآلام والتضحيات، لكن دروب الجلجلة التي تفضي الى القيامة هي هي، هنا وفي كل مكان من العالم.

لم يتخلَّ ديكتاتور واحد عن السلطة طوعاً، لا في الأزمنة الماضية ولا في الزمن الحديث والراهن.

المرحلة الراهنة والمقبلة، تحفّ بالتحديات والأخطار والفخاخ والمغريات والغرائز. الخيارات ليست كثيرة. بل ربما ليس من خيار سوى واحد: إما الحرية وإما استمرار الأبد الاستبدادي بأقنعته المريبة.

ليس أمام هذه الانتفاضات والثورات، والحال هذه، سوى أن تعتمد على قواها الذاتية، وأن تترفع على تناقضاتها وانقساماتها، وأن تواصل كفاحها الديموقراطي السلمي، وأن تستلهم الأمل والصبر والحكمة والبطولة والتعالي على العنف، لتكمل سعيها الى الفجر. ومهما طال ليل الجلجلة، فسينتهي كرهاً أو طوعاً بين أسنان الفجر. وهي أسنان، ولا بدّ، طيبّة.

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...