الرئيسية / صفحات الحوار / أنطونيو غامونيدا: مستمرون في وصف الأكذوبة

أنطونيو غامونيدا: مستمرون في وصف الأكذوبة

 

 

حاوره: خالد الريسوني

إذا كان الشاعر الإسباني أنطونيو غامونيدا (1931) يصنّف، شعرياً، باعتباره من جيل شعراء الخمسينيات، إلا أن أسلوبه ومواضيعه وتجربته مختلفة كلياً عن جيله، الأمر الذي أكسب أعماله فرادة وإدهاشاً، جعلت النقّاد يضعونه خارج التصنيف الذي قد يخضع للتجييل على أساس الزمن.

في حديثه إلى “العربي الجديد” يرى غامونيدا أنه باستثناء أولئك الذين يركّزون على التسلسل الزمني التاريخي “من الطبيعي ألا يتم إلحاقي بما يسمى “الجيل الخمسيني” الذي يتكون من شعراء معاصرين لي ومن ذات العمر والجيل. وأنا متّفق تماماً مع ذلك. أنا شاعر من الأرياف وما زلت أرغب في أن أستمر كذلك. لقد كنت شاعراً مغموراً، مجهولاً ومتجاهلاً خلال سنوات عديدة، وهو أمر لا يزعجني بتاتاً، لكن إضافة لما سلف أعتقد أن ما يسمى بـ: “الجيل الخمسيني” لم يكن له وجود كجيل، وخايمي خيل دي بييدما الذي يعتبر نظرياً مؤسسه، اعترف في مناسبة ما، كتابة ونشراً، أن المسألة كانت تتعلّق بعملية تسويق منتوج أدبي”.

خمسمئة أسبوع، أي قرابة عشرة أعوام، صمت فيها غامونيدا عن الكتابة، وكأنه بهذا الانقطاع قد قسم سيرته الشعرية إلى نصفين، عن هذه الأعوام سألناه إن كانت ذاكرة ونسياناً أم رقابة ومراجعة ذاتية أم عجزاً عن الكتابة، أم احتجاجاً ضدّ الرقابة؛ يوضح صاحب “وصف الأكذوبة” أن الأسباب كانت مزدوجة، فهي احتجاج على الرقابة التي كانت تمارسها الديكتاتورية وعانى منها في مجموعته “بلوز قشتالي”، الكتاب الوحيد الذي نشره ما بين 1960 و1975، كما أنها احتجاج على الديكتاتورية نفسها.

يقول “دون أن أكون طرفاً هاماً في كل هذا، فإن مهام وانشغالات المقاومة لم تكن تترك وقتاً ولا فسحة ذهنية للإبداع، وليس صدفة أن أسترجع شعري تحديداً بعد موت الديكتاتور، بعد ذلك كنا نعلم أن ما كان قد بدأ هو ديمقراطية زائفة”. ويتابع “كتابي الشعري الأول في المرحلة الثانية “وصف الأكذوبة”، لم يكن إلاّ ذاكرة للديكتاتورية بما في ذلك الحرب الأهلية، وحالة الكآبة تجاه الإخفاق التاريخي الذي بلغناه مع ما سُمِّيَ بالمرحلة الانتقالية. لكن مهمتنا في المقاومة كانت قد انتهت”.

يعتبر غامونيدا أنّ كتابه “وصف الأكذوبة”: “ليس فقط الكتاب الأول لمرحلتي الشعرية الثانية وربما الأخيرة، وإنما الكتاب الذي يبرز بشكل ما صوتي الشعري الخاص، متحرراً من كل الآثار، وهو أيضاً موقف تاريخيٌّ وأتوبيوغرافيٌّ: فيه ألخِّصُ الماضي وأحدّد موقفي الوجوديّ وسلوكي تجاه تجليات وأبعاد الموت”.

كان أنطونيو الأب، والد الشاعر الإسباني شاعراً، وقد ترك مجموعة يتيمة بعنوان “حياة أخرى أسمى” (1919)، ثم ترك طفله الوحيد يتيماً أيضاً ولم يكن قد تجاوز الرابعة. لجأ أنطونيو الصغير مع والدته إميليا إلى مدينة “ليوُون” الإسبانية هرباً من الحرب الأهلية، يقول غامونيدا “تعلّمت القراءة في كِتاب أبي سنة 1936، كانت المدارس مغلقة، وهو كِتاب أعدّني لاكتشاف الشعر، وهذا ليس بالقليل، لكنه لم يزد على ذلك”.

يعتبر غامونيدا أنه وفي عمليه “وصف الأكذوبة” و”كتاب البرد” مثلما في كتب أخرى، كان “المرتكز الوجودي المُسلَّم به لدي ليس شيئاً آخر غير أن “الإنسان كائنٌ مُعَدٌّ للموت”، لكن في هذه الأحوال العبثية الخاطئة (الذهاب من اللاوجود إلى اللاوجود) يجب أن نختار سلوكاً. وإلى ذلك السلوك تنتمي وظيفة الشعر”.

لكن ماذا يستطيع الشعر أن يفعل اليوم؟ يجيب “في اعتقادي (وباتفاق مع سارتر) أنه لا يستطيع أن يُغيِّر الأسباب والبنيات الموضوعية. الشعر لا يستطيع ذلك مباشرة. لكنه قادر على ممارسة تأثيره على الإحساس والوعي الفرديين، وإنشاء قابلية للتأثر وحساسية عاطفية تحدد الإدراك بشكل أكثر كثافة وعدلاً لهذه الأسباب والبنيات الموضوعية ذاتهما. هذا الدعم الذاتي لا يُبرر أن يكون للشعر “شحنة صريحة” من صنف أيديولوجي، أو أن يكون ذا ثيمة محدّدة باعتبارها ثيمة اجتماعية. الشعرُ فعَّالٌ عبر آلياتٍ خفية تبتعد كليّاً عن مثل هذه المواضعات والتحديدات”.

وحول حروب وهزائم ومنافي وبؤس هذا العالم الذي لم يتغير كثيراً منذ الحرب الأهلية، وعن مآسيه التي تعيد نفسها دوما مع تغيير مسرح الأحداث فقط، عالم معولم كان نصيب العالم العربي فيه أن يدفع ثمن الصحون المكسورة، بدءاً باحتلال فلسطين، ومروراً بالحرب على العراق، واليوم مأساة اللجوء السورية، يرى غامونيدا أن العولمة لم تفعل شيئاً سوى إتمام وضع كان من قبل قائماً، ليس فقط في العالم العربي وإنما أيضاً في أفريقيا، وفي جزء هام من آسيا وأميركا اللاتينية”.

ويضيف “القوى الغربية مارست خلال زمن طويل استعماراً شاملاً كان يفرض تملّك الموارد وممارسة الحكم السياسي في هذه القارات. وحَمَلَ مَقْدَمُ القرن العشرين استقلالاً زائفاً، أقول زائفاً لأن الاستعمار واصل استنزاف الموارد الاقتصادية والسيطرة عليها. وضمن هذا الصنف الثاني من الاستعمار (أي الاستعمار الجديد) تم الحسم في إقامة منطقة نفوذ لليهود من طرف الغرب الذي ما زال يحدّد أي الدول تلج مسار التنمية الثقافية والتكنولوجية وأيها لا يمكنها ذلك، يفرض عليها قوانينه للسوق، ويهيمن على سوق العمل أو يحاول ذلك، لضمان يدٍ عاملة رخيصة تحت تصرفه وحيويةٍ في الموارد الطبيعية وخصوصاً البترول، إضافة إلى مساهمته ورعايته للحروب الداخلية”.

حول أزمة اللجوء السورية يقول غامونيدا “تحزنني كثيراً المأساة الكبرى التي يعيشها الهاربون من جحيم الحرب من السوريين، وتغيظني أكثر وقاحة ووساخة أوروبا وهي تدفع لتركيا المال لتأخذهم إلى حياة الشقاء وعذاب الموت هناك. ومن جهة أخرى فإن حرب الإرهاب التي تشنّها داعش وفصائل أخرى مرعبة، يدفع فيها الثمن مواطنون لا حول لهم ولا قوة، ويمكن حتى أن يكونوا ضد قرارات الحكومات الأوروبية. في إسبانيا يقال إن رئيس الحكومة راخوي “وقع معاهدة العار” وأغلب الإسبان يلعنون أثنار الذي ذهب إلى جزر الأزور لدعم الحرب ضد العراق”.

ويضيف “لكن هناك حقيقة أخرى أيضاً، وهي أن اعتداءات قطارات الضواحي في أطوشا بمدريد خلفت مئات الضحايا، كانوا عمالاً فقراء ذاهبين إلى عملهم، الإرهاب الديني المتطرف مرعب، لأنه يتخذ من الدين تبريراً ودعامة له، وهو ما يجعل منه لا محالة حركة مغالية في التطرف. لكني لا أتراجع عما قلته ولن أسقط في تناقضٍ كلاميٍّ، أصل الداء يكمن في استراتيجية الغرب الاقتصادية التي تتأسّس على الظلم والقسوة”.

وعمّا يستطيعه الشعراء أمام هذه الكارثة، إذ هناك دوماً من يختار موقف الحياد بدعوى البقاء بعيداً عن السياسي، وغالباً يكون الحياد خوفاً من اللوبيات السياسية أو طمعاً في مكاسب مادية، يعقّب غامونيدا “نحن الشعراء يمكننا أن نكون جبناء أو فاقدين للحساسية، أنا الآن عجوز لكني لم أتعب بعد من القول بأننا كشعراء لسنا كائنات استثنائية، ولكن إضافة إلى واجباتنا وحقوقنا العادية، من الممكن أن تكون لدينا إمكانية أكبر من الغالبية العظمى للمساهمة في بناء وعي وأخلاقيات وقدرات نقدية فعالة، وإرادة أخوية تبدو مثالية إلى حد ما مقارنة بالآخرين. وأن هذا يعتبر شيئاً مهماً في هذه اللحظة التاريخية من هذه الأزمنة البائسة التي كان من حظنا أن نحياها”.

العربي الجديد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...