الرئيسية / صفحات الناس / أنْ لا تكونَ أحداً ﻷحدْ/ ديمة الحرستاني

أنْ لا تكونَ أحداً ﻷحدْ/ ديمة الحرستاني

 

 

أعتذر مسبقاً عن كل التشتُّت واﻷخطاءِ فأنا لست رفيع الثَّقافة ولم أعتد التَّعبير عن نفسي ولا على توضيح أفكاري في أسطرٍ وكلمات.

أنا مراد عز مواطنٌ سوريٌّ من مواليد حلبْ. ولمن لا يعرف حلبَ فهي تغفو على الجمال في شمال سورية. ولمن لا يعرف سورية فهي تغفو على وسادةٍ على شاطئ قلبي.

مراد عز من مواليد 7 يونيو/حزيران 1967 حلبْ

وبحدسٍ لا أرادي أخطأ موظَّف الهجرة والجوازات في كتابة اسمي باللاتنية على جواز السَّفر، فأصبحت بفضله: Mrat Ez وكما لو أنّ هذا لم يكفه فغيَّر تاريخ ميلادي، فأصبحت من مواليد الخامس من حزيران 1967. أكان ذلك نذيراً لتاريخٍ مليءٍ بالنَّكسات؟ أنا مراد عز سوريٌّ من مواليد حلبْ، أبٌ لثلاثِ جثثٍ وزوجٌ لجثةْ.

آخر عهدي بمدينتي كان منذ عامين برائحة شواءٍ بشريٍّ ومشهد هدمٍ إسمنتيٍّ على صفيحٍ من الجثث. أعتقد أن هذا يكفي.

في هذا العالم المجنون أحتاج كثيراً أن أُعيد وأكرِّرَ من أنا ومن أكونُ ومن أين أتيت، إذ يبدو أنَّني ضِعت في الزُّحام، والحقيقة أنا لا ألوم أحداً، فإن كنت أنا نفسي قد أضعتني، فلا ملامة حين يضيِّعني أحد. حين حزمت يأسي وأتيت إلى هنا كنت مكلَّلاً بالغضب واﻷمل. أتعثّر بالكلمات اﻵن ولا أعرف ماذا أقول. لنقل إنَّني كنت كائناً حيّاً، لنقل إنساناً يبحث عن قشّةٍ بعد أن غمر عالمه الطوفان. كنت بسيطاً، مواطنا سوريا مليئا باليوميِّ، مليئا بالتَّعب والهمِّ واﻷمل. كنت جملةً بسيطةً مليئةً بالحياة.

حين اجتزت آسيا الصُّغرى مارّاً ببسفورها ومن ثمَّ خضت أوروبا سيراً على اﻷقدام، لم أكن لأتصوَّر كم من الصُّور ستلاحقني؟ وكم من الصُّحف ستكتب عنّي؟ كنت محمّلاً بحقيبة ظهرٍ وكثيرٍ من الدَّمع والذِّكريات.

حين وصلت إلى هنا كُنتُني مراد عز .أبٌ لثلاثِ جثثٍ مليءٌ بالحقد واﻷلمِ والغضب. لم أتخيَّلُني بعد أن تعلَّقت بقشَّتي أنها ستُصَيِّرُني إلى: مرات إتس كما يحلو للجرمانِ لفظ اسمي ومن مواليد النَّكسة. في كلِّ مرةٍ أملأُ فيها الاستمارات الرسميَّة عليَّ أن أتذكر أنَّني ورغم اعتقادي بأنَّ مراداً قد ركب معي البحر ونجا من الغرق معي، إلاَّ أنَّني خنته وتركته هناك، معلَّقاً في الفضاء المملوءِ بمقبرةِ الجثث. هنا أصبحت شخصاً آخر لا أعرفه وأتجنَّب النَّظر إليه في المرآة، شخصا أطال شعره وربطه وترك لحيته تطول.

أنا مهندسٌ.. أجل أنا مهندسٌ مدنيٌّ ولكن ما يهمُّ في هندسة المدن حين لا تكون المدن مدنك؟ أنت ببساطةٍ لا تعني شيئاً ﻷحد. أصبحت أُعرف بأشياءٍ كثيرةٍ لم تكن تعني لمرادٍ شيئاً في يومٍ من اﻷيَّام. أصبحت أُعرف برقم الملف، بتاريخ الميلاد ومركز اللُّجوء. أتحوَّلني بسرعةٍ إلى كائنٍ لا أتخيَّله، كائن يدعى «مرات إتس» بعينين غائرتين ولحية. لم أعد أشبهني. أبحث عنِّي في الوجوه الَّتي أمرُّ بها ولا تلحظُني.

حين أخلد إلى النَّوم، أدعو الله أن أشاهد أطفالي في أحلامي. أشعر بالخيانة ﻷنَّني مازلت على قيد النَّفس وأنَّني لم أتمكَّن من جمع أجزائهم ﻷدفنهم في قبر. تحوَّلوا مع زوجتي إلى شاهدة. أحاول كثيراً أن أؤجِّل ساعات النَّوم فهي تعيد مراداً إليَّ ككابوس.

أنا أتأرجح كلَّ يومٍ بين «مرات إتس» الذي يريد أن يثبت بأنَّه مراد عز المهندسٌ السوريُّ اللاجئُ القويُّ القادرُ الصَّامدُ المثابرُ المناضلُ المهاجرُ الميتُ الحيُّ المتفائلُ المثابرُ المندمجُ المتحضِّرُ الشَّاكرُ المنَّانُ وبين «مرات إتس» المنكسرُ الحزينُ الوحيدُ الضَّائعُ الكئيبُ الكسولُ النَّؤومُ القائمُ السَّائرُ الضَّائعُ الباحثُ الممنونُ المفعولُ المتأملُ المنتظرْ. أنا اللَّا أحدْ أصبحتُ أُعرفُ بالغريب الجالس على ضفة الراين يُطعم البجع المسافر خبزاً يابساً فأنا هكذا فقط .. أشعر بأنَّني أحدٌ ﻷحدْ.

٭ كاتبة سورية

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...