صفحات العالم

أوروبا وتغيرات ترامب/ حازم صاغية

 

 

حين انتخب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، تبدى كأن العالم، لاسيما أوروبا الغربية، على وشك ثورة شعبوية ويمينية تأكل الأخضر واليابس. فللولايات المتحدة أثر واضح على المناخ العام الذي يتشكل في أوروبا. فكيف وأن انتخاب ترامب جاء مسبوقاً باستفتاء بريكسيت؟

هذه الوجهة يبدو أنها بدأت تتعرض لانحسار ظهرت بداياته مع الضربة العسكرية الأميركية لمطار الشعيرات في سوريا بعد الجريمة الكيماوية التي ارتكبتها قوات الأسد بحق أطفال خان شيخون. فقد ظهر، مع الضربة المذكورة، أن نهج الانعزال عن العالم لم يعد الخيار الترامبي الأوحد.

صحيح أن ما حدث لا يكفي للقول إن البيت الأبيض بات يملك استراتيجية واضحة ومتماسكة. ولكن الصحيح أيضاً أن التصورات الانعزالية السابقة التي روّجها ترامب نفسه وبعض فريقه لم تعد وحدها على الطاولة.

الأمر لم يتوقف هنا. فالضربة السورية افتتحت خلافاً غير مسبوق منذ انتهاء الحرب الباردة مع روسيا، بعدما كثرت التأويلات بصدد علاقة ترامب وبعض أفراد فريقه بموسكو، ودور الأخيرة في خدمة معركته الانتخابية ضد هيلاري كلينتون. بعد ذاك حصل تطوران كبيران تراجع فيهما ترامب عما كان قد أعلنه مراراً من قبل: أعاد الاعتبار لحلف «الناتو» الذي سبق أن سماه بائداً وأعلن أن سلاح الجو الأميركي سينشر مقاتلات في أوروبا في مهمة تدريبية لبضعة أسابيع. كذلك نفى عن الصين، بعدما التقى زعيمها «شي جينبينغ»، ممارسة التلاعب بالعملات. ولئن تأدّى عن تغيير موقفه من «الناتو» ارتياح واسع بين الحلفاء الأوروبيين، فقد جاء موقفه الصيني ليبدد المخاوف السابقة من اندلاع حرب تجارية العالمُ في غنى عنها، هذا فضلاً عن تماشي الوجهة الجديدة مع النظريّة الأوروبيّة التقليديّة من أنّ روسيا، لا الصين، مصدر الخطر على الأمن العالمي.

ووسط هذه المعمعة، أعلن عن تعزيزات عسكرية أميركية جديدة على الساحل المقابل لكوريا الشمالية، الأمر الذي قوّى حجة القائلين بأن ترامب سينخرط عميقاً في مشاكل العالم وهمومه. وإذ تبدّى أن المواجهة مع كوريا الشمالية قد تنفجر في أية لحظة، خصوصاً مع توجيه نائب الرئيس «مايك بنس» تحذيره الشديد اللهجة إلى بيونغ يانغ، بعد أن ضُربت «أمّ القنابل» في أفغانستان.

مرة أخرى، يصعب استبعاد الارتجال والعشوائية في ما قد يقدم عليه ترامب بالنظر إلى ما بات معروفاً عنه وعن توجّهاته. ولكن ذلك لا يلغي حقيقة أن إحداث هذه التغييرات نجم عن إخفاقات واضحة في السياسات السابقة، أكان في ما خص نزع «أوباما كير» أو في ما خصّ الاقتصاد والبيئة وسياسات الهجرة واللجوء. ومن دون أن تخف الاتهامات المتعلقة بروسيا والصلة بها، تحولت ضرائب ترامب والتهرب من إعلانها إلى مشكلة متعاظمة. وفي مقابل هذا النزيف المتسارع لشعبية الإدارة ورصيدها، بينت ضربة مطار الشعيرات أن سياسات التصلب قد تُكسب الإدارة الأميركية بعض ما تحتاجه من شعبية. وفي الموازاة تراجع نفوذ إيديولوجيي الإدارة، وعلى رأسهم الاستراتيجيّ ستيف بانون لصالح الجنرالات الثلاثة هيربرت ماكمستر وجيمس ماتيس وجو دنفورد.

لقد بدا بعد ضرب الشعيرات أن قادة اليمين الشعبوي في أوروبا غير مسرورين بهذا الخط الجديد، على عكس السياسيين التقليديين في اليمين واليسار. ولعل هؤلاء الأخيرين يراهنون على وجهة جديدة يدشنها تحول ترامب عن سياساته السابقة، وتستفيد منها القوى الليبرالية في القارة القديمة. ولكن المهمة، حتى لو صح هذا السيناريو، لن تقف هنا. ذاك أن وجهها الآخر هو ضبط ترامب وإدخال قدر من التماسك على سياساته الجديدة بحيث لا تفضي إلى كوارث ذات طبيعة تختلف عن طبيعة الكوارث التي كادت تفضي إليها سياساته السابقة.

—————-

محلل سياسي- لندن

الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى