الرئيسية / صفحات الثقافة / أيّ زمن نريده لثوراتنا؟

أيّ زمن نريده لثوراتنا؟


بقلم روجيه عوطة

من أسئلة الثورة الكثيرة، سؤال الزمن بمقاييسه ومفاهيمه وأبعاده وتجلياته داخل اللحظة الراهنة أو خارجها، التي تمتاز، تحت تأثير ثوريتها، بلا أحاديتها الامتدادية وبديناميكيتها في الأمكنة المتعددة التي تزداد كل يوم في فضاء البنى الديكتاتورية المتصدعة أمام تجمع الظواهر المتنافرة وغير المتجانسة علناً. لو كان هذا الظهور العلني قد حصل من قبل، لكان وصف بالهرطقة أو بالوقاحة الطفولية، لكن اليوم وفي اللحظة الراهنة، وبسبب تراكم الأحداث في العالم العربي والجرأة الثورية التي يتصف بها كل منتفض في مجتمعات الثورة المتنقلة من بلد إلى آخر، ما عاد أحد يسمح لنفسه بأن يتبع أنماط الماضي الفكرية أو أن يهرب إلى قوقعة صمته وحياديته تاركاً الزمن يجري ويتبدل من حوله. يعرف الكثيرون منا، وخصوصاً في الوقت الحالي، أن قوقعة الصمت والحياد، لها دلالاتها وقيمها العنصرية الفاشية أو الرجعية الدينية، ومن المعروف أن واقع الإثنين يناقض خطابهما غير المفصول عن الخارج المعولم وكل مؤسساته، حتى لو حاولا تلقيح نظرتهما للإنسان، الدينية أو العنصرية، بالزمن الحاضر الذي تخطى هذه النظرة بأشواط عدة.

تفرز المنظومات المؤسساتية أزمنة خاصة بها وتسقطها على المجتمعات الغارقة قي تقديس الأبدية المتموقعة في الماضي، وغالباً ما يشكل التوقف في ما سبق بعداً وحيداً لمناقشة الظاهر من الأشياء في اللحظة الراهنة، وهذا البعد يربط بين الحاضر والأبدية بنسق لغزي، له في الخوف من الموت حصة أساسية، فتمحو الأبدية الزمن الحاضر لتحافظ على جوهرها الخلاصي في الماضي، وعلى شكلها الدائري الذي يهتم بتدمير اللحظة الآتية. تبدو فترة الحاضر وجيزة وناقصة ولا تجد مكاناً ترخي أطرافها فيه، فمن الضروري القول إن الحاضر من الزمن لا يقع إلا على أطراف الفضاء الاجتماعي وعلى هوامشه التي تطور زمنها على شكل خطوط تخرج منها وتعود إليها، وفي حال احتكاكها بدائرة الأبدية تعي أنها، كفضاء، تتصف ببنية زمينة غير محصورة في فرضية الزمن الثابت وغير محددة في التفتيش المستمر عن مكان تتكرر فيه، فكل بحثها الدؤوب يصب في الانعتاق من الأبدية.

تتحمل الديكتاتوريات مسؤولية تشويه الزمن وإدراكه دائرياً من قبل الناس في الفضاءات الاجتماعية، وذلك بقدر تحملها مسؤولية صنعها الذاكرة الهدامة التي تصنف ذكرياتها التاريخية بحسب منافعها الشخصية ومصالحها الممتدة إلى خارج فضاء الممكن زمنياً. وصار معلوماً أن مصالح الأنطمة والسلطات تستلزم مؤسسات قمع وعنف دعائية تتحدث عن الماضي وتكرره لتستفيد منه في الحاضر، وفي الكثير من الأحيان تغض النظر عن أحداث آنية قد تهز كيان أبديتها وتكشف التناقض الهدام في فكرها. لذا نصل، في هذه الأيام، إلى التشكيك في ذكرياتنا إلى حد الإنفصام عن حاضرنا الثوري بحجج ينتجها فكر السلطة ليتبرأ من جرمه الزمني. من شأن التقوقع في الماضي وغلق الباب على الحاضر والمستقبل، دفع المجتمعات إلى الظلام الفكري البعيد عن الانسانية، وتكون بذلك قد أثبتت عدم كفاءتها بتنظيم نفسها بنفسها وأكدت للسلطات جدوى إلغاء الحاضر واستحضار الماضي دائماً.

يتجلى الإدراك الدائري للزمن الثوري في مواقف البعض من المثقفين والمتابعين للثورات في العالم العربي عبر ثنائيات إيديولوجية بثتها الأجهزة الدعائية التي تغطي ثورة دون أخرى، وتعطي صبغة طائفية لثورة وتتغاضى عن الثورات الباقية. لذا حاول أصحاب الإدراك الدائري التسلح بخطابات الأنطمة الدعائية لتبرير رفضهم لثورة وتأييدهم لأخرى. هم أنفسهم الذين وقفوا إلى جانب الثورة في تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين، اليوم يدافعون عن نظام الأسد بطرح عدد من الإشكاليات لا لشيء سوى لنسف الحاضر الثوري وردّه إلى الفكر الماضوي وما يحمله من مفاهيم سقطت جميعها في أحد حماة الدامي.

من الإشكاليات التي يطرحها الماضويون أو الخائفون من الثورات، من الثورة السورية تحديداً، إشكالية خروج المتظاهرين من الجامع، ما يدل، بالنسبة إليهم، على منحى الثورة الديني، وهذا ما يرفضه الفكر الثوري والتغييري الذي عليه أن يكون تنويرياً ونهضوياً. في المبدأ، يتوقف الزمن في الجامع لأنه عمارة من عمارات الأبدية، ما يسمح بالتواصل بين المصلين والقدرة الإلهية، ولكن في اللحظة الثورية وبعيداً عن هوية المتظاهرين الدينية، يتحوّل الجامع من بناء الأبدية العمراني إلى مكان يتجمع فيه الناس ليخرجوا بتظاهرة، ما يسمح لنا بالقول إن التفاعل بين الحاضر الثوري والأبدية العمرانية ينتج ما سمّاه الفيلسوف الألماني والتر بنيامين بـ”ديالكتيك اللاحركة”، بالإضافة إلى أن بعض المتظاهرين غير متديّن لكنه يدخل إلى الجامع كي يلتقي بأمثاله ويواصل احتجاجه من يوم إلى آخر. وإذا كانت المراكز الثقافية هي البدائل من الجوامع، وعلى التظاهرات أن تخرج منها، فليعرف أصحاب هذه الإشكالية أن المراكز الثقافية تحتلها السلطة وإيديولوجيتها، وفيها يتوقف الزمن عن سيرورته وينطوي على أبدية لا تسمح إلا بالتواصل مع صورة القائد الخالد وفكر نظامه العنفي. في الثورات التي نشهدها في عالمنا، يخلق الناس فضاءهم الخاص في قلب عمران الثبات ليشيدوا حاضرهم اللانهائي.

¶¶¶

لأن الصورة وإدراكها شيء واحد، يختلف معناه بحسب المرجع الذي على أساس معاييره يتم فك رموزه الزمنية، تصلنا الصورة الثورية من الشارع بمرجع بصري جديد، وبزمن موثّق في مكان التظاهرة التي يتخللها إطلاق نار أو اعتداءات أمنية بشعة. نشاهد الفيديوات على مواقع التواصل الاجتماعي كأننا داخل الحدث وزمنه الحاضر، إذ يعلن المصوّر، عادةً يكون متظاهرا من المتظاهرين، اليوم والساعة والمكان بدقة شديدة، لأنه يعرف مدى زيف الصورة التي تنقلها لنا المحطة الرسمية، حيث يتداخل الماضي والحاضر فيها ويتضاعف الزمن لينقطع عن حاضره ويحافظ على ماضيه. أما الصورة الثورية، فتشاركنا حيويتها وإدراكها وحركتها والتفكر فيها، لنصبح على علاقة مباشرة مع حاضرنا، تتساوى فيها كل الأبعاد الزمنية المشتتة في هذا المكان أو ذاك. تأخذ الصورة الثورية مكان الصورة الرسمية الجافة وتلقي الضوء على حقائق غير مرئية، وتضع يدها على اللحظة الحاضرة المستأصلة من ماكينة الصور الأبدية، لترينا ما لا نراه في الصور الرسمية المتراكمة في ذاكرتنا.

في ثوراتنا نبحث عن زمن ضائع ونفتش عن حقيقة تظهر في زمن مرَ واجتاز واقعنا، او في زمن نسعى لإيجاده بدفع الثمن من دمنا، وهو صورة الأبدية في الحاضر. أيّ زمن نريد في تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين وسوريا وفي كل المجتمعات العربية؟ هل نعود إلى الوراء، إلى الماضي ونتشبث بفكره الرجعي والسلفي أم نصنع حاضرنا من دائرة الأبدية كأي إنسان متحرر من النظرة الماضوية ومن عين السلطات؟ أعتقد أننا كلنا ثقة بالشارع وبزمن الشارع، ومن يتحدث عن عودة الماضي الديني وأبديته الماضوية إلى شوارعنا لا يثق بأحلام الناس ولا بقدراتهم، وهذا ما تحتاجه الأنظمة لتواصل قمعنا. لا صلة بين الشارع والماضي، فلحظته لحظة الحاضر فهو الذي يقرر آنيته الثورية بحدود صموده أمام آلات الزمن الأحادي.

للواقع الثوري “زمن ثالث” ومكان جديد تلتقط الذاكرة علاماته وتتفاعل معه لتخلق فضاءً ووعياً لا تُمجد المقصلة فيه ولا تُقدس هاويته، فلم يعد بؤرة دم، وزمنه ليس زمن السكوت والصمت على أطرافه وهوامشه التي تبني شبابها من جديد من دون خوف من شيخوخة فكرية أو اجتماعية. قالها ذلك الرجل في تونس: “لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية”، هرمنا ولكننا عدنا شباباً، عدنا إلى الحاضر الأبدي.

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

95 − = 94

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...