الرئيسية / صفحات الناس / إبرة وخيط.. في حلب/ عزيز تبسي

إبرة وخيط.. في حلب/ عزيز تبسي

 

 

ما من جدوى في هذا المقام، تذكّر وتوثيق عدد أنوال النسيج في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ودور صناعات الخيوط والنسيج والإضافات كما الاقتباسات، التي فكّك غموض أسرارها حرفيو قيساريات مدينة حلب، وهم يجتهدون لإنتاج نسيج من تضافر خيوط القطن والحرير، وخيوط القطن مع الخيوط المذهّبة أو المفضّضة، صباغة الخيوط بخلاصات نباتات العفص وقشور الجوز والرمان والقرمز…

على الرغم من ذلك، تنتقل الأفكار في الطريق المتعرّج المؤدي إلى ورشة “إبرة وخيط”، إلى مصانع النسيج القطني، والأخرى الخاصّة بقماش الجينز والستائر والخيم، المصابغ والمطارز، معامل إنتاج الألبسة بتنوّع وظائفها التي أنشأت في منطقة “البليرمون” الصناعية، والمدينة الصناعيّة في “الشيخ نجّار”، أي تلك الآمال الكبيرة التي لا تزال في وجدان ومصائر البورجوازية الحلبية التي اتخذت من الصناعة مجالاً لاستثماراتها. الرساميل والقروض المصرفية العالية التي أنفقت، تراكم الخبرات العلميّة والتقنية، القدرة على التطوير ومواكبة الجديد.. حتى وصلت السلع القطنية إلى إيجاد مستقر لها في الأسواق العربية والأوروبية.

لكن هناك الشغيلة، لا نستطيع قول “الطبقة العاملة” التي تُعرّف بحزبها ونقاباتها.. لأنه في حين عكفت الأحزاب التي تنسب برامجها للشغيلة خصوصاً، والكادحين عموماً، على خضّ مياه البورجوازية لاستخلاص زبدة

التحولات الثورية منها، التزمت النقابات الصفراء على التواطؤ مع قوانين العمل التي فرضتها البورجوازية وحمتها بأجهزة قمعيّة: رسّخت منع التنظيم المستقل للشغيلة وتجريم حق الاحتجاج بالتظاهر أو الإضراب، وتركت الشغيلة بلا أيّ حماية أو قوّة تدافع عن حقوقهم، وتتعقّب مصائرهم. وتهرّبت البورجوازية من تسجيلهم في التأمينات الاجتماعية التي تشمل التأمين على إصابات العمل، وعقود عملهم التي تستعيد زمن العبودية، والتهرّب الضريبي الذي يضعف الخزينة العامة..

تحضر عبارة أحد كبار الأثرياء، الذي راكم الثروة من صناعة المياه الملوّنة والمحلاة، وتقديمها بوصفها مياهاً غازية حملت أسماء ماركات عالمية: “إن التجارة هي قاطرة الاقتصاد السوري”، التي اعتبرت في حينها بلاغاً غير رسمي لما ينتظر الصناعة. تزامن هذا التصريح مع اجتياح البضائع التي تنتجها المصانع التركية للأسواق المحليّة، والتي بدأت تزيح تدريجياً البضائع المنتجة محلياً من ألبسة وأغذية ومنظّفات وأدوات تجميل وأثاث منزليّ وصناعات هندسية (برادات وغسالات وأدوات مطبخ…). لم يحتج الاجتياح التجاري التركيّ في القرن الحادي والعشرين إلى معركة “مرج دابق”. انتقلت البضائع بقوافل شاحنات على الطريق الدولي من معبر “باب الهوى” إلى واجهات المحلات والمجمعات التجارية.

-1-

أعيدت صياغة مكان المشغل بعد استئجار عدة دكاكين متلاصقة، وتقسيمها إلى مكان لتفصيل الأقمشة وآخر لخياطتها، بينما تتم العمليات الأخرى كالتطريز والطباعة في ورشات أخرى. تشرف على المشغل “الجمعية السورية للتنمية الاجتماعية”، ويعمل فيه خمسون عاملاً وعاملة، قسّموا على ورديتين، تعمل الوردية الصباحية من الثامنة حتى الثالثة بعد الظهر، والوردية المسائية من الثالثة حتى الثامنة مساء.

تراعي إدارة الجمعية ظروف حياة وأماكن سكن العمّال والعاملات في التقسيم. المشغل مصغّر عن المدينة، مسلمون ومسيحيون، عرب وأكراد وتركمان وأرمن، ومصغّر عن الفئات التي لا تملك للعيش سوى قوة عملها، ويبقى من الضروري تسجيل بعض الفروقات بين أوضاعها، بين العائلات التي اضطرت للنزوح عن بيوتها والأخرى التي بقيت فيها، بين التي تستأجر بيوتاً والأخرى التي حصلت على بيوت وفق علاقات التضامن الاجتماعي لأناس غادروا المدينة، بين قوة التضامن العائلي وضعفه وغيابه، بين غياب الزوج أو حضوره، بين عدد الأولاد في كل عائلة بما يشكّله هذا من استنزاف كبير للمداخيل المحدودة. على عكس ما كان يحصل في حكايات دون كيشوت، حيث جاهدت إرادة الفارس للتفلّت من الوقائع الصلبة وإعادة انتاجها بمتخيل فردي، ينكسر الخيال هنا، ويعود خانعاً إلى الواقع.

يتجنبن التوسع بأي حديث عن أسرهن وأماكن سكنها، كيفية تدبر معيشتهن، من أجور بيوتهن إلى تكاليف تعليم أولادهن، يتحرّجن أكثر حين يأتي ذكر أزواجهن.. الوصول إلى الورشات ليس بالأمر الصعب، لكن الدخول إلى تفاصيل عملها والتدقيق في الشغل يحتاج لموثوقية لا تحصل إلا بالتعارف ومدّ خيوط التفاهم والمودة.

اتقنّ دروس ديموقراطية “لا أرى، لا أتكلم، لا أسمع”، كما استعددن لمواجهة المهمّة الشاقة التي تنتظرهن: الانتقال من ترقيع ثقوب نسيج الحياة، إلى ترقيع الحياة برمّتها.

لكن يمكن الاسترسال معهن بأحاديث أخرى، لكسر أنماط الاستجوابات وتشييد حالة ودية.. عن الفروقات بين الفول بحامض والفول بطحينة، وقابليّة قسمة صحن شوربة العدس على أربعة، وعن تخلّي البرغل عن مهمته التاريخية بوصفه مسامير للركبتين، وعجز الشصوص في هذه السنوات عن اصطياد أسماك الفكاهة.

رائحة الأجساد التي لم يلامسها الماء والصابون، تجفاف عرق التعب فوق أطراف الألبسة بعد سير ملهوج في الطرقات الطويلة تحت شمس الصيف الحارقة.. سيطرة القناعات الواقعية على تفكيرهن، اذ لم يعد العمل اليومي يؤدي إلى دخول البيت بأحمال من أكياس الفواكه والحلويات، والتمهل قرب الموقد للتنعم برائحة لحم الضأن المسلوق.

تمرسن منذ زمن داخل الحدود التي رسمتها لحياتهن دساتير البطاقات التموينية، واستظهار فضائل الخبز الحاف في تجفيف اللسان وتعريض الأكتاف. بعد إشاعة الطمأنينة والموثوقية أمكن الدخول بأحاديث في الفسحات الضيقة بين آلات الخياطة، حيث عملهن اليومي.

 

-2-

غصون ج. (مواليد 1975) تعود أصولها العائلية إلى بلدة “دارة عزة” الواقعة في غرب مدينة حلب، غادرت بيتها في حي “قهوة الشعار”، بعد وصول الكتائب المعارضة إليه، وسكنت بالآجار ببيت في “حي الخالدية”، ثم انتقلت للسكن في بيت “إعارة”، وهي الصيغة المتعارف عليها للسكن من دون بدل ايجار. يحصل الساكن على البيت بعلاقات القرابة أو الصداقة، من أسر تركت المدينة ولا تريد أن يبقى بيتها خالياً، أو من أسر تعمل في دول الخليج أو غيرها، وهو مسلك للحفاظ على البيت بعدما كثرت حالات وضع اليد على البيوت الخالية. ويعود اشغال البيت بفائدة مزدوجة لأصحابه، خوفاً من سرقة أثاثه أو وضع اليد عليه، وللعائلات التي فقدت سكنها ولا تملك قيمة الآجار.

بيتها كان من عائلة غادرت إلى تركيا، مما وفّر عليها تكاليف المأوى. توفي زوجها منذ اثنتا عشر عاماً بحادث اصطدام سيارة، وترك خلفه خمس نساء، زوجة وأربع فتيات. اعتمدت غصون قبل هذه السنوات على إسنادٍ من أسرتها، تمكّنت من تعليم ابنتيها في جامعة حلب، تخرجتا من كلية التجارة، الأولى باختصاص مالية، والثانية معلوماتية، تزوجتا وغادرتا المدينة، الأولى إلى المانيا والثانية إلى تركيا.

ماجدة ق. ج. (مواليد 1965) عازبة، امتلكت تجربة واسعة في مجال الخياطة، أعالت أمها لفترة طويلة، والآن تعيل نفسها بعد وفاة أمها. تسكن في غرفة في حيّ “الميدان”، تحصل على معونة نقدية وسلّة غذائية من جمعية مسيحية. تعاني من حزمة أمراض، تدفع شهرياً 16 ألف ليرة ثمناً للأدوية. تعرّضت أعمال أخوتها الذكور للنهب، مما دفعهم لمغادرة المدينة والبحث عن عمل في مدن أخرى، ثم هاجر ثلاثة منهم مع عائلاتهم، وبقي لها أخ، لا يقيم معها أي علاقة.. وأختها الكبرى تعيل زوجها المريض بالقلب، والثانية مطلقة تعيش مع أولادها.

نادية خ. (مواليد 1966) أرملة، توفيّ زوجها بجلطة قلبية عام 2004، لها منه ابنة وحيدة، ستدخل الجامعة هذا العام الدراسي. اضطرت للنزوح من سكنها في قرية “كفر حمرة” غرب حلب، وتسكن في حيّ “الأعظمية” بالآجار. حازت على خبرة في مجال الخياطة، عملت خيّاطة للألبسة النسائية، وتصليحها. تمرست في مواجهة الصعاب وتجاوزها بخبرة وروّية.. كما اعتادت وحدتها. مشترِكة بالمولد الكهربائي العام بأمبير واحد بكلفة 1800 ليرة اسبوعياً، وهو لا يكفي إلا للإضاءة وتشغيل مروحة..

تعود أصول عبير أ. (مواليد 1983) إلى منطقة “عفرين” شمال غرب مدينة حلب، تسكن في حي “صلاح الدين”. قتل زوجها وهو يغادر المنزل برصاصة قناص، تاركاً لها خمسة أولاد، أربعة ذكور وفتاة. خسرت بعده بيتها بقذيفة “مدفع جهنم”، وانتقلت مع أولادها للسكن في بيت يبلغ آجاره عشرة آلاف ليرة شهرياً، وتستجر من المولد الكهربائي أمبيرين، بسعر 1200 للأمبير أسبوعياً. تحصل على سلة غذائية من الهلال الأحمر. تصرّ على تعليم أولادها، وصل بكرها إلى البكالوريا، وشقيقه الثاني في الصف الحادي عشر والثالث في الصف السابع..

يعاني حسين ع. (مواليد 1999) من تشوه خلْقي مع شقيقه التوأم. نزح مع أسرته من قرية “الزربة” جنوب حلب، وسكنوا في بيت استأجره والده في حي “السليمانية”. تعلّم الخياطة في الدورات التدريبية التي تقيمها منظمات الأمم المتحدة. تتكون أسرته من ستة أولاد، يدرس أخواه الأكبر سناً في كلية الآداب بجامعة حلب، تحصل أسرته من الهيئة اليسوعية على سلّة غذائية كلّ 45 يوماً، يأمل أن تساعده إحدى المنظمات الرعائية لتركيب طرف صناعي لساقه اليمنى.

تعود أصول دعاء ك. (مواليد 1995) إلى قرية “العريمة”، التي لم تستطع تحديد مكانها. مطلّقة، لها من زوجها ولدين، صبي عمره ثماني سنوات لم يسجّل حتى الآن في المدرسة، وابنة عمرها خمس سنوات. كانت تقيم في حي “الصاخور” قبل النزوح إلى منطقة جبرين (أبرز مراكز الإيواء، ويقع شرق مدينة حلب، افتتح كمركز لإيواء النازحين بعد استعادة الجيش لمدينة حلب أواخر عام 2016). تعيش مع أسرتها. هي من طالب بحضانة الولدين ولم يعارض زوجها وأهلها. يعود سبب الطلاق لمشاكل بين أسرتها وأسرة زوجها. تتكون عائلتها من الأبوين وخمسة أخوة، الأخوين الأكبرين يؤديان الخدمة العسكرية، الأول في دمشق منذ سبع سنوات، والثاني استدعي لأداء الخدمة الاحتياطية على جبهة “حي الزهراء” غرب مدينة حلب، وهو متزوج.. ترمّلت اختها الأكبر بعد مقتل زوجها على جبهة “الحاضر” جنوب حلب، تعرضت بعدها لحالة انهيار عصبي، مما اضطر “دعاء” لترك العمل لفترة شهرين للوقوف إلى جانبها. عمل والدها عتالاً للذبائح في المسلخ البلدي. أصيب في 2016 بشظية في ذراعه الأيمن، ويعمل الآن سائقاً لسيارة أجرة.

تحدثت عن عذابات الطريق من “جبرين” إلى المشغل، حيث تحتاج لأخذ سرفيسين، الأول من “جبرين” إلى “النيرب”، والثاني من “النيرب” إلى أمام ثانوية “المعري”. أجرة ركوب كل منهما مئة ليرة، وتدفع مثلها في العودة.. يقارب مصروف النقل نصف أجرتها. تحصل أسرتها على سلّتين غذائيتين، لا يزور طليقها ولديه ولا يسأل عنهما، فهو متغيّب عن أسرته التي تعتبره أمام من يسأل عنه مفقوداً، إلا أنها مقتنعة أنه متوارٍ في دمشق بعد سلسلة مشاجرات حيث كان يعمل في مكتب عقارات ومكتب بيع سيارات.

تعايشت سناء ح. (مواليد 1970) مع أقدارها العائلية، تعود بأصولها إلى قرية تابعة لمحافظة طرطوس، زوجها أرمني حلبي. متعلمة، التحقت بدورات تمريض، عملت ممرضة في العديد من العيادات الطبية، تدربت على الخياطة واتقنتها. امرأة عملية، جهدت لتوفير الشروط المناسبة ليدخل أولادها الجامعة. اقتنعت بدور التعليم في تغيير المصائر الشخصية، وفتح طرقات الحياة المغلقة. أتت لتعمل في المشغل لإكمال رسالتها نحو ابنها المتبقي الذي يستعد لدراسة البكالوريا، بعد أن أتم ابنها البكر دراسة التجارة والاقتصاد، وابنها الثاني دراسة الحقوق، وغادرا البلد خوفاً من الخدمة العسكرية.

زوجها عاطل عن العمل منذ ست سنوات، بعد تعرّضه لجلطة قلبية، استنزفت قدرتها المالية المحدودة بعد عمليتي القسطرة وتركيب شبكة قلبية. وتعرّض بعدها لسقوط تسبب بكسر ذراعه وتفتت عظم مرفقها. كانت مسؤولة عن عائلة زوجها بعد وفاة والد زوجها عام 2008 ووالدته عام 2011، إذ لم يعد بالإمكان تخفيف أعباء الحياة إلا بخروج من نعيلهم من الحياة. يحصل زوجها على إعانة مالية من “الجمعية الخيرية العمومية الأرمنية”، وتحصل هي على سلّة غذائية كل ثلاثة أشهر من أخوية “الراعي الصالح”. دخلها الشهري خمس وعشرون ألف ليرة، تعيش في بيت ملك، تأخذ أمبير واحد بسعر 1100 ليرة اسبوعياً.

استجبت لفنجان قهوة أعدته سناء بعد سماحها بالتدخين.. من بعيد ظهرت تحت أضواء مصابيح توفير الطاقة وجوههن اليابسة، أصابعهن الدقيقة تلامس أطراف النسيج، انحنائهن الكسير على آلات الخياطة، ما لم تظهره أضواء المصابيح هو القدرة المخبوءة التي تحوزها النساء في استخراج الحياة من قبورها.

* كاتب من سوريا

السفير العربي

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

في مديح صديقاتي النساء/ رشا عمران

      في معظم مراحل حياتي، كانت صداقاتي النسائية قليلة، وتكاد تكون محدودةً جدا، ...