صبحي حديديصفحات سورية

اعتداء وستمنستر: الرموز هائلة والإرهابي «ثانوي» والدروس هزيلة/ صبحي حديدي

 

 

أعلنت تيريزا ماي، رئيس الوزراء البريطانية، القليل من التفاصيل حول شخصية الإرهابي الذي نفّذ اعتداء وستمنستر، وهذا سلوك منتظَر، بالطبع، تقتضيه الاعتبارات الأمنية. لكنها، في الآن ذاته، تعمدت كشف النقاب عن تفصيلين حاسمين قد يكون لأيّ منهما، أو كليهما معاً في الواقع، دلالات بالغة الأهمية في الأيام القليلة القادمة: أنّ منفّذ الاعتداء بريطاني الولادة (أي أنه يحمل الجنسية البريطانية، على الأرجح)؛ وأنه كان عرضة لرقابة الأجهزة الأمنية خلال فترة سابقة، بسبب ميوله الإسلامية المتشددة، وخُففت مراقبته تدريجياً، ثم رُفعت عملياً، فبات «هامشياً» في عرف تلك الأجهزة.

والتفصيل الأول سوف يرتدي أهمية إضافية حين ستتضح جنسية الإرهابي الأصلية، أو جنسية أسرته بالأحرى؛ وما سيقترن بهذا الكشف من تبعات «ثقافية» و«تربوية» تخصّ بلد المنشأ، عموماً، ومذهب الإرهابي، وأسرته، وموطنه، خصوصاً (إذْ نعرف، للتوّ، أنه مسلم الديانة بالطبع). وأمّا أهمية الاكتشاف فإنّ توظيفها لن يقتصر على أجهزة الأمن، بل سينتقل على الفور، ولعله سوف يتضخم أكثر، لدى الساسة، و»خبراء الشرق الأوسط»، و«نطاسيي» علوم الإسلام الجهادي، والصحافة (البيضاء والصفراء، على حدّ سواء!)، وكلّ ذوي المصلحة في استغلال هذا التفصيل الأوّل. ولسوف يسيل مداد كثير في قدح ضعف الاندماج لدى الجاليات المهاجرة، و»الآخر» إجمالاً؛ مثلما سيُراق مداد مماثل في التباكي على «قِيم» الحضارة الغربية التي يستهدفها الإرهاب (وهذا ما سارعت إليه رئيس الوزراء ماي، وكان العجيب ألا تفعل!).

التفصيل الثاني سوف يفضي إلى استنتاجات شتى، طبقاً لذهنية المستنتج: أنّ الإرهابي سيظلّ إرهابياً، طال زمان مكوثه في صفة «الهامشي»، أم قصر؛ أو أنّ خلايا التطرف الإسلامي لا تنام في المجتمعات الغربية، إذا نامت، إلا لكي تستفيق أكثر وحشية وعنفاً و»بربرية»؛ أو أنّ «القيم» الحضارية الغربية ذاتها، وخاصة حرية الاجتماع والتعبير والحياة الشخصية، يجب أن تخلي المكان لإجراءات رقابية قصوى (أشدّ حتى من قانون التلصص على الهواتف والكومبيوترات، الذي أقرته الحكومة البريطانية الخريف الماضي، ويُعدّ الأقسى على نطاق الديمقراطيات الغربية قاطبة)؛ وهذه على سبيل الأمثلة فقط، إذْ يمكن للمرء أن يحدّث ولا حرج حول استنتاجات أخرى.

وبين هذا التفصيل أو ذاك، وحين تبلغ أسماع العالم أنباء القصف الوحشي على مدنيين عزّل في مدينة الرقة السورية مثلاً، فإنّ سقوط عشرات القتلى هناك لا يعادل دقيقة بثّ عابرة، أو حتى مجرد إشارة سريعة على شريط الأخبار. صحيح أنّ من غير الواقعي أن يطالب المرء ـ خاصة إذا كان سورياً مثلاً، أو عراقياً ـ بأن توضع دماء ضحايا جسر شهير في العاصمة البريطانية، على قدم المساواة مع جسر على نهر الفرات؛ ولكن من الصحيح، في المقابل، أنّ معظم وسائل الإعلام الغربية تؤمن أنّ الإرهاب ضرب في لندن، ولا ترى أنّ عمليات القصف التي تمارسها طائرات بشار الأسد وفلاديمير بوتين، تدخل في خانة الإرهاب أصلاً!

هذا ـ أي كيل مفهوم الإرهاب بمكاييل عديدة ليست متناقضة ومتضاربة، فحسب، بل فاضحة في خيانتها لمفهوم الضحية البريئة أينما كانت ـ هو أوّل الدروس الهزيلة التي اعتادت الديمقراطيات الغربية أن تستمدها في أعقاب أيّ عمل إرهابي؛ يقع على أرضها، بالطبع، وليس في أراضي «الآخر»، الغريب والنائي. ولكن الدرس الهزيل الثاني، والمعتاد بدوره، هو تناسي الجذور السوسيولوجية خلف عمليات إرهاب عمياء بشعة، مثل هذه التي ارتكبها منفذ الاعتداء في وستمنستر؛ وتعمية الأعين والأبصار عن الأسباب التي تجعل هذا الفرد إرهابياً في قلب لندن، وذاك… عمدة لها، منتخباً ديمقراطياً! فإذا صحّ التذكير، مجدداً، بأنّ يد الإرهاب عمياء غالباً في ما يخصّ الضحايا، لأنّ البطش عشوائي لا يكترث بإقامة أية موازنة بين الغاية والوسيلة؛ فإنّ من الضروري، تالياً، التذكير بأنّ المنخرطين في مختلف مستويات الإرهاب ليسوا دائماً قتلة بالغريزة، ولدتهم أمهاتهم محترفي ترهيب، تخرّجوا من مدارس الجريمة المنظمة والعنف وسفك الدماء. الأرجح أنّ غالبية كبيرة من هؤلاء ليست مصابة بمسّ من جنون متأصل، تجعلها في حال من البغضاء المطلقة ضدّ الإنسانية جمعاء (كما يوحي هواة التنميطات المسبقة، العنصرية منها تحديداً)؛ أو ضدّ «النموذج الحضاري الغربي»، كما يساجل دعاة صدام الحضارات، ممّن يستهويهم حصر مشكلات الإرهاب في جذور عقائدية ـ دينية تخصّ الإسلام أوّلاً.

وحتى تتكشف تفاصيل أخرى عن حياة إرهابي وستمنستر، ثمة أمثلة سابقة ودالّة، عند مايكل أديبولاجو، البريطاني من أصل نيجيري، والجريمة الإرهابية البشعة التي وقعت في ضاحية وولتش، جنوب شرقي العاصمة البريطانية لندن، صيف 2013: لقد ولد في بريطانيا، ودرس في مدارسها، وانتسب إلى إحدى جامعاتها، حتى ساقته الأقدار (في سنّ البلوغ!) إلى اعتناق الإسلام، ثمّ التطرّف في فهم التباس العلاقة بين الغرب والمسلمين؛ وصولاً إلى اعتبار كلّ جندي بريطاني مسؤولاً عن «قتل المسلمين كلّ يوم»، كما ردد على الملأ، حاملاً ساطوراً يقطر دماً.

تلك، أيضاً، كانت حال ياسين حسن عمر ومختار محمد سعيد إبراهيم ورمزي محمد وحسين عثمان، البريطانيين من أصول مسلمة، والذين حوكموا وأُدينوا بالتخطيط لأعمال إرهابية واسعة النطاق في لندن، صيف 2005. فهل كان سقوط هؤلاء في حمأة الإرهاب والكراهية والقتل العشوائي وهستيريا الاستشهاد الزائف، بمثابة مآل حتمي لتعاليم الديانة التي اعتنقوها؟ أم جرّاء تفسير، متطرّف وجائر، لمصائر تلك الديانة في الأحقاب المعاصرة؟ أم لأسباب تربوية ذات صلة بهذه الاعتبارات، وغير منفصلة عن وضعية الالتباس ذاتها، بين الغرب والعالم المسلم؟ أم، كما يستدعي المنطق البسيط، للأسباب هذه كلّها، مجتمعة ومتكاملة ومترابطة؟

وتلك، في مثال ثالث، لعلّه المستوى الأقصى في توصيف الإشكالية، حال الازدواج الانكساري العميق التي كان يعيشها حسيب صادق وشاهزاد تنويري ومحمد خان، إرهابيو عمليات تفجير أنفاق لندن، صيف 2005؛ التي أوقعت 52 قتيلاً، ومئات الجرحى: الهوّة الفاغرة بين اندماج كامل، أو شبه مكتمل، في الحياة البريطانية والحضارة الغربية إجمالاً؛ وبين انسلاخ إرادي عن هذه الحياة، استجابة إلى اعتبارات عقائدية صرفة، لا تغيب عنها السياسة دون ريب. وبهذا المعنى تصبح التفسيرات الأحادية لسلوك هؤلاء الإرهابيين مجرّد لغو، لأنهم لم يرتكبوا تلك الفظائع احتجاجاً على هذه أو تلك من قيم الحضارة الغربية وأعرافها، أو هذا أو ذاك من الأسئلة التي تكتنف واقع الإسلام في بريطانيا.

لافت، أيضاً، أن ردود أفعال متطرفة مضادة صدرت عن ساسة وقادة أحزاب بريطانيين، يمثّلون نقائض عقائدية وخصومات سياسية؛ كما حين توافق النائب جورج غالوي (زعيم تيّار «ريسبكت» اليساري، والناقد المزمن للسياسة الخارجية البريطانية)، مع نك غريفين (رئيس «الحزب القومي البريطاني»، اليميني المتطرف): الأوّل اعتبر النيجيري أديبولاجو نظيراً لمقاتلي المعارضة السورية، فكتب: «الوحشية المقززة التي حدثت في لندن تشبه بالضبط ما ندفعه لبعض الناس كي يفعلوه في سوريا»؛ والثاني استدعى حيوان الخنزير، دون حيوانات الأرض جميعها، لكي يقترح التالي: «يجب أن نلفّ قتلة هذا الجندي البطل في جلد الخنزير، ونطلق عليهم النار ونفجر رؤوسهم مرات عديدة»!

وهكذا، لا جدال حول رمزية مبنى مجلس العموم البريطاني (أو ساعة بيغ بن، أو برج إيفل في باريس، أو ساحة بوتسدام في برلين، أو مبنى التجارة الدولية في نيويورك…!)؛ ولكن ثمة جدال، واسع ومتشعب ولا مفرّ منه، حول هزال الدروس المستمدة في كلّ مرّة، وقبح التمييز بين دماء البشر التي تريقها أنماط الإرهاب كافة.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى