الرئيسية / كتاب الانتفاضة / سمر يزبك / الأبناء يلدون الآباء

الأبناء يلدون الآباء


سمر يزبك

عام واحد يمرّ على الثورة السورية، يستقبله النظام السوري بالمجزرة تلو المجزرة.

عام واحد يلد الأبناء الآباء، ويقف العالم متفرجاً! كيف لا يفعل ذلك واليُتم الذي حظيت به أكثر الثورات وعورة ورومانسية، يتجلى بأسوأ ما يمكن لخيال متوحش تصويره عن الإجرام!

ثورة الشعب الفقير، الهامشي، المتروك، المطرود من الحياة، لذلك لا ضير أمام ضمير من يراقب ويتفرج بصمت، مديرا ظهره للمجزرة.

المجزرة تتناسل، تتحول إلى جغرافيا، منذ أن استطاع النظام بجرائمه دفع الناس لحماية أنفسهم، ومن ذلك الحين، خونة الضمير يطلبون من الضحية الصمت عن صراخ الذبح!

عام واحد كفيل بتحويل السوريين في مجتمع ضيق تحكمه الولاءات الدينية والنفعية الفاسدة وضيق الأفق والفرص، إلى كائنات عنيفة تتناهش القتل والخوف، القتل المعنوي، قبل القتل الملموس.

العنف ينتج ثقافته، ينتج اقتصاده، وأخلاقه. العنف يحوّل أحلام الشباب الذين خرجوا لتحقيقها قبل سنة، وهاجس السلم والعدل والحق يتقدمهم، يحولها إلى شعارات هزيلة الآن أمام لغة الصواريخ والسكاكين والذبح الممنهج. لغة العقل تتراجع أمام لغة الرصاص.

أنا، أو أجعلكم تغرقون في دمكم، يقولها نظام الأسد. والعالم العاهر يعطي له المزيد من الوقت، ويتفرّج. سوريا الصعبة، سوريا القاسية، سوريا الجديدة التي تخرج يوماً بعد يوم من طمأنينة الموت إلى قلق الموت!

السوريون المطعونون بإنسانيتهم يتحوّلون إلى فرق كراهية، المتحذلقون والخونة، يحولون الدم السوري إلى شرائط زينة في المحافل الدولية، يربطونها على جباههم، خونة الدماء. لكن المفاجأة تشبه بدايات هذه الثورة التي يراد تحويلها إلى وهم، هكذا بدأت من وهم فقط!

أذكر ما قاله أحد الشباب يوماً، قبل سنة من هذا التاريخ بقليل. كنا في دمشق، نقف أمام السفارة الليبية دعما لثورتها، عندما قلت له: الشعب السوري سيتحرك. حينها قال لي: هذا وهم، أنت واهمة. قلت له: بل حالمة.

وتحول الحلم إلى حقيقة. التاريخ يتغير بإرادة واهمين وحالمين، لكن الدماء تأتي لاحقاً. الدماء التي ستبقى نصب أعيننا لنتابع الطريق الحلم، كل حالم له طريقة في استمرار هذه الثورة، وبرغم الانقسام الأهلي الذي صنعه النظام، وبرغم الخراب والدمار، وبعد سنة من إبادة ممنهجة لشعب حر، ما زلت واهمة وحالمة، وكثر في سوريا، ما زالوا يحلمون بتلك المفاهيم العادلة عن الحياة، أو على الأقل يتمرنون على عدالة نسبية، ويقولون إنهم لن يستطيعوا جرّ ثورة شعب يتيم إلى حرب. نعم، تتغير وسائل المقاومة، ومن حق الناس الدفاع عن أنفسهم، ونحن ما زلنا نحلم مع قلوبنا السوداء الحزينة.

كاتبة سوريّة

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...