الرئيسية / صفحات الرأي / الإصلاح السياسي

الإصلاح السياسي

 


د. طيب تيزيني

في 8 فبراير 2011، نشرت صحيفة “الاتحاد” مقالي تحت عنوان “العالم العربي والحاجة إلى التغيير”، وكان بمثابة محاولة لرصد أهم المسائل التي تدخل في خانة (الإصلاح الوطني الديمقراطي). وكنت منذ سنين غير قليلة تمتد إلى عشرين، ألمِّحُ إلى ضرورة إنجاز هذه المهمة اليوم وليس غداً. وقد عنيتُ بذلك أن إنجاز هذه الأخيرة ذو ضرورة وجودية قصوى، بحيث يتماهى ذلك بأهمية بقاء العالم العربي واستمراره تاريخياً. بالرغم من نجاح الثورتين (الانتفاضيتين العظيمتين) في تونس ومصر وفتحهما مبادرة عظمى للتغيير العربي، فإن دولاً عربية أخرى (مثل ليبيا وسوريا) ترفضان الاقرار بضرورة التغيير الجذري وبالانخراط فيه.

وفي الحقيقة، من المؤسف والمستغرب أن يكون الأمر على النحو الأخير، وإذا حاول الباحث ضبط الأسباب الكامنة وراء ذلك الموقف، يجد أمامه حزمة منها، يتصدرها القول التالي: إن “عصابات مسلحة” هي التي تكمن وراء ذلك. أما مصدر هذه الأخيرة فيتمثل في “العدو الخارجي”، الذي لا يروق له أن ينعم هذا البلد العربي أو ذاك بالاستقرار والأمان والازدهار.

وحين يتحدث المرء عن أن أحد البلدان العربية على هذا النحو، فإنه يرى أن العدو الخارجي المذكور يتحدد إما بإسرائيل وإما بالولايات المتحدة وإما بهذين كليهما معاً. وقد جرى تسويق هذا الخطاب، من دون أي حدّ من التدقيق في بنيته المنطقية والأيديولوجية السياسية. فمن الناحية الأولى يمكن القول بأن شعباً يعيش في ظل نظام أمني استخباراتي لا يمكن أن ينعم بتلك النعم الثلاث، مستقراً وآمناً ومزدهراً. لهذا يصح القول به فقط من باب المفارقة والخطأ. أما من الناحية الثانية -الأيديولوجية السياسية، فالقول المذكور خاطئ وزائف سياسياً علمياً، إذ نعتقد أن إسرائيل -العدو الأكبر للعرب- تسعى إلى الوقوف في وجه من يعمل على إفقارهم وإذلالهم والاستبداد بهم، إنما هو اعتقاد خاطئ. فعلى سبيل العكس من ذلك، ما تمَّت عملية التأسيس لإسرائيل في فلسطين العربية، إلا لتكون -بكيفية غالبة- عثرة كبيرة في وجه التحرر والتقدم العربي، أو -بتعبير أدق وأكثر شمولاً- لتكون عائقاً بالاعتبار المعرفي التأسيسي (الإبيستيمولوجي) للمشروع العربي في النهضة والتنوير والتحديث الشامل.

ولعلنا نضيف إلى ذلك، أن من يدقق في المسألة تاريخياً، خصوصاً مع هزيمة 1967 أمام إسرائيل، سيهتم بالواقعة التاريخية “الضخمة”، التي تمثلت في شعار ما بعد الهزيمة المذكورة، وهو التالي: لا صوت يعلو على صوت المعركة! فبمقتضى هذا الشعار، كان يتعين على البلدان العربية المحدَّدة بمصطلح “بلدان الطوق” أن تُنهي هذا العدو أولاً، لتتفرغ بعد ذلك للبناء الداخلي. ولكن الذي ترتب على هذا وذاك هو تعملق العدو عسكرياً واقتصادياً وثقافياً…إلخ. ولكن من طرف أول، وتقزُّم دواخل الدول العربية عموماً، ومن ضمنها خصوصاً دواخل بلدان الطوق تلك المذكورة من طرف آخر. هذه المداخلة قد تضع بعض النقاط على الحروف، التي تهمنا هنا: إن المماطلة في الدخول الحقيقي والعميق ضمن مشروع فعلي في الإصلاح الوطني الديمقراطي، إنما تمثل حالة خطيرة تمس هذا البلد العربي أو ذاك، ونضيف إلى ذلك، أن النظر إلى ذلك المشروع على نحو مُجتزأ وملفَّق، سيكون خطوة إلى الوراء. فثمة حُزم حاسمة من عناصر الإصلاح المذكور، تمثل الإصلاح السياسي والآخر الاقتصادي والقضائي والثقافي وغير ذلك. ولعلنا نكثف الأمر بعدة ملفات إصلاحية تبرز في مقدمتها التالية: إلغاء مفعول قانون الطوارئ والأحكام العرفية، والإفراج كلياً عن السجناء السياسيين، وإنتاج قانون أحزاب ديمقراطي وعصري، وتفكيك الدولة الأمنية، وحل مشكلة العمل والتعليم وقانون التداول السلمي للسلطة وما ينجم عن ذلك من حرية التعبير.

الاتحاد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...