الرئيسية / صفحات الرأي / الاستبداد والإمبريالية… علاقة التكامل محليّاً ودوليّاً/ محمد ديبو

الاستبداد والإمبريالية… علاقة التكامل محليّاً ودوليّاً/ محمد ديبو

 

 

إن تأمل النقطة التي وصلت إليها ربيعات العرب التي استقرت بين نموذجي حربٍ أهليةٍ، أو عودة الثورة المضادة، إذا استثنينا النموذج التونسي الذي مازال يصارع وسط تحدياتٍ إقليميةٍ تنظر بعين الريبة إليه، وتعمل على إفشاله، وتموجات داخلية تعكس عدم قدرة قوى الثورة على تجذير مطالبها الاقتصادية خصوصاً، أي أن الانتقال من ضفة الحرية كشعار إلى ضفة الديمقراطية كمؤسسة، بما ينعكس عدالةً اجتماعيةً وحرية رأي وتحسّن الوضع المعاشي والأمني، لم يزل متعثراً أو من دون الطموح على الأقل، ما يطرح أسئلةً عن أسباب هذا الانسداد، ويدفع إلى البحث في آليات اختراقه.

بينت التحولات والانعطافات التي أحدثتها القوى الكبرى (وخصوصاً واشنطن) في أثناء مسار الربيع العربي في ملفات كثيرة (مصر، اليمن، سورية …)، أن التحرّر من الدكتاتوريات المحلية بمعزل عن النضال ضد الدكتاتوريات العالمية (سمها ما شئت، الإمبريالية أو النظام العالمي أو العولمة أو قمة العشرين..) شبه مستحيل، فما بالك حين يضع المناضلون ضد الاستبداد المحلي بيضهم في سلال الإمبرياليات، أو الاستبدادات الإقليمية، لتخلصهم من استبدادهم المحلي؟

أول الدروس التي نستخلصها من الانسداد الذي نعيشه، اليوم، أن انتصار الثورات أمر صعب جداً، من دون قدرة القوى الثائرة على فهم موازين القوى الدولية والإقليمية، وفهم ألاعيب القوى الكبرى، وسعيها إلى استغلال الثورات، وإدخالها بوابة الطاعة، بعد أن تكون قد تمكّنت منها، لإعادة تكوين النظام العالمي من جديد، وفق الرؤى التي تطمح لها، لا وفق رؤية الشعوب الطامحة للحرية، والتخلص من هيمنة الاستبداد محلياً، ومن رأس المال العالمي الباحث عن الربح بأية وسيلة دولياً.

يعطينا تأمل الحالة السورية جيداً فكرة واضحة عن كيفية تعاضد الاستبداد المحلي مع الاستبدادات الإقليمية مع الإمبرياليات الدولية (واشنطن، موسكو، أوروبا جزئياً) لتعمل كلها ضد مطالب السوريين، حتى في اللحظة التي يدّعي بعضها أنه “صديق” لهم، إذ لا صداقة في عالم السياسة، وما تحويل سورية إلى ساحة استنزاف لإيران وحزب الله من الرياض وأنقرة، وإلى ساحة استنزاف لموسكو من واشنطن إلا دليلاً واضحاً على تقدم المصالح الدولية الإقليمية على مصالح السوريين، بما يصب، في نهاية المطاف، في خدمة الدكتاتورية التي تعرف كيف تلاعب المجتمع الدولي من بوابتي الإرهاب واللاجئين.

الاستبداد العالمي يحتاج استبدادات محلية

ما كشفته أوراق بنما واحتجاجات “وول ستريت”، وقبلهما ما قاله “القاتل الاقتصادي”، جون

“انتصار الثورات أمر صعب جداً، من دون قدرة القوى الثائرة على فهم موازين القوى الدولية والإقليمية” بيركنز، عن طبيعة عمل المؤسسات النقدية الدولية، ودورها ضمن الاستراتيجية الاقتصادية الأميركية للهيمنة على العالم، يثبت مدى حاجة الإمبرياليات إلى دكتاتورياتٍ تضمن مصالحها، ومدى حاجة نخب المال العالمية إلى نخب مالٍ محليةٍ، تحاكي نماذجها الاقتصادية، حيث يعمل الطرفان على ضمان مصالحهما، والسعي الدائم إلى تغيير الأوضاع التي لا تتناسب مع مصالحهما، وغالباً ما يتم تغطية سعيهم إلى هذا التغيير باسم الثورة، أو دعم الديمقراطيات أو تحقيق النمو الاقتصادي أو غيره.

لا يمكن فهم آلية العلاقة بين الطرفين وطبيعتها، قبل أن ندرك أن بنية النظام العالمي القائم حالياً استبدادية في الجوهر، فنظام حكم العالم (إن صح التعبير) لا يختلف، في العمق، عن أي نظام استبدادي، فالدول المالكة للثروة والسلطة العالمية (الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن، قمة الثمانية..) تتحكّم بقوت العالم، وتهيمن على مصادر الثروة فيه، ممسكة بمفاتيح السلطة العالمية مدخلاً للثروة، فهي تضع القوانين التي تبقي هيمنتها قائمةً، أو تعيق تطبيق القوانين التي تتضاد مع مصالحها بقوة السلطة العالمية هذه، وكل من يُعاند هذا النظام يجد نفسه تلقائياً خارج هذا النظام، بعيداً عن الثروة، وآلية صنع القرار الدولي في آن، أكانوا دولاً يطلق عليها الدول المارقة أو “الراعية للإرهاب”، أو أفراداً بفعل آليات العولمة التي تحولت أداةً للنبذ والتهميش والإقصاء على المستوى الدولي، كما شرحت المفكّرة الهولندية، ساسكيا ساسن، الأمر الذي يضعنا أمام نظام دولي استبدادي ناهب، لا تختلف سياسته عملياً عن سياسة أيّ دكتاتورية في العالم، فهذا النظام، حين لا يتمكّن من تحقيق مصالحه، لا يتورّع عن القتل وشن الحروب وارتكاب الجرائم وتنفيذ الاغتيالات، بدءاً من التدخل العسكري الأميركي في العراق وأفغانستان، وليس انتهاءً بالتدخل العسكري الروسي في سورية، مروراً بالتدخل العسكري الفرنسي في مالي وليبيا، من دون أن ننسى العمل السري الاستخباراتي الذي يرعى الانقلابات، ويموّل الإعلام ويدير الحروب السرية ويرعى السجون، بدءاً من السجون الأميركية الطائرة التي جرى الحديث عنها كثيراً، وليس انتهاءً بتسليم هذه الدول “الديمقراطية” معتقلين لدول أخرى “استبدادية” للتحقيق معها في سجونها، في ازدواجيةٍ غربيةٍ فاضحة، حيث يتم احترام حقوق الإنسان في دول المركز شكلياً. ولكن، يتم تسليمهم لدولٍ لا تحترم حقوق الإنسان لنزع الاعترافات منهم، ولغسل أيديهم من تهمة انتهاك حقوق الإنسان. وهذا يتم خصوصاً في القضايا التي تتعلق بمكافحة الإرهاب. وهنا، ندرك كم هي حاجة المركز الاستبدادي العالمي لهذه السجون التي ترعاها الاستبدادات المحلية، والتي تأخذ صيغ التعاون الأمني في مجال مكافحة الإرهاب بين الدول، وهو ما تستغله الأنظمة الاستبدادية المحلية عادةً، وتسعى إلى الاستثمار به. وهنا، نرى أن دول المركز الاستبدادي لا تختلف، في سياستها، تجاه العالم عن دول الاستبداد المحلي، فالأخيرة لا تتوقف عن المتاجرة بحقوق الإنسان والديمقراطية، في الوقت الذي تنتهك فيه شعوبها، في حين أن الأولى لا تتوقف عن المتاجرة بحقوق الإنسان والديمقراطية، في وقتٍ تدعم فيه هذه الدكتاتوريات، وتتغاضى عن انتهاكات حقوق الإنسان في

“نحن أمام نظام دولي استبدادي ناهب، لا تختلف سياسته عمليّاً عن سياسة أية دكتاتورية في العالم” أماكن أخرى، بل وتستغل ملف حقوق الإنسان، وتجيّره لخدمة مصالحها السياسية والاقتصادية، فكل الأنظمة القمعية في الشرق الأوسط كانت لها علاقاتها مع الدول الغربية التي صمّت آذانها، ولا تزال، عن انتهاكات حقوق الإنسان، حيث تحول الأمر إلى مجرد ملفٍ قابل للتجيير، يجري إخراجه، حين يُراد الضغط على النظام المعني لنراه فجأةً على كل وسائل الإعلام (تحولت بالمناسبة مجرد جزء من الحرب لا ناقل للحقيقة)، ويجري التغاضي عنه، حين يستجيب النظام المضغوط عليه للمصالح الدولية، وما هرولة الغرب، اليوم، إلى إيران (كانت الشر المطلق والمنتهكة الأكبر لحقوق الإنسان في عرفهم سابقاً، وهي لا تزال تنتهك حقوق مواطنيها) للحصول على استثماراتٍ، والحملة التي نراها ضد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وضد الرياض أحياناً.. أمثلة واضحة عن هذه الازدواجية الغربية التي تكشف استبدادية النظام العالمي الذي لا يعمل إلا لتحويل العالم النامي إلى “ديمقراطياتٍ” هشّة وضعيفة وتابعة، قابلة للتحكم بها، أو دكتاتوريات قمعية، فليس المهم، هنا، شكل النظام بقدر ما آلمهم اندراجه ضمن النظام الاقتصادي الدولي الذي يحقق مصالح الشركات ورأس المال العالمي، على حساب كل شعوب الكرة الأرضية، وهو ما نراه بوضوح في السعي الحثيث لإيصال أنظمة جديدة في بلدان الثورات، لا تفعل إلا أن تعيد إنتاج القديم، بدءاً من مصر التي تعيد إنتاج نظامٍ أسوأ من نظام الحقبة المباركية، أمام صمت دول العالم التي تعيد استقبال عبد الفتاح السيسي في عواصمها “الديمقراطية”، وليس انتهاءً بتونس التي لم تتمكّن، حتى اللحظة، من الخروج من النسق الاقتصادي الدولي المفروض عليها، أي نموذج مؤسسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لصالح نموذج اقتصادي تنموي، يرفد الحرية السياسية التي حصل عليها التونسيون برفاه اقتصادي، ينعكس في معدلات تنمية قوية (لا نمو فقط) تخفّف البطالة، وتوسع مجالات التعليم وتوسع القاعدة الإنتاجية.

يوضح ما سبق لنا أننا أمام نظامٍ عالميٍّ استبدادي في العمق لا تختلف طريقة إدارته للعالم عن طريقة إدارة الدكتاتوريات المحلية بلدانها، مع فارقٍ واحدٍ يتجلى في أن دول المركز العالمي الاستبدادي ديمقراطية في الداخل تجاه شعوبها، وقمعية في الخارج، في حين أن الأنظمة المحلية قمعية في الداخل، وتدخلية في محطيها الإقليمي، ومرتهنة في سياستها الخارجية، فلو استبدلنا السياسة الخارجية للأولى بالداخلية للثانية، سنرى كم يكمل أحدهما الآخر، وأن كلاً منهما يمثل حاجة قصوى للآخر. ومن هنا، نفهم أسباب الانسداد الذي وقعت فيه ثورات الربيع العربي، فهي ثارت على نظام مستبد محلي، طالبة عون مستبد دولي، لم يفعل إلا أن أوقعها في حباله، إما لإنتاج نظامٍ بديلٍ، لا يختلف عن سابقه، أو لإبقاء النظام نفسه، بعد إيهام المعارضات بأنه يسعى إلى تحقيق مطالبهم، فكان أن تدمرت البلدان، ودخلت أفق الحروب الأهلية، واستنزفت الشعوب بغرض إيصال الجميع، سلطات وشعوب، إلى لحظة ضعفٍ قد تدفعهم إلى القبول بما يُراد لهم، إلا أن التاريخ علمنا أنه لا يغلق، وأن الشعوب لا تستكين، على الرغم من كل جراحها، فما العمل إذن؟

تفكير في آليات الخروج

يدفعنا الوضع السابق إلى التفكير بكيفية الخروج من الوضع الصعب الذي ترقد فيه ثوراتنا العربية الآن، فهي محاصرةٌ بين الاستبداد المحلي الذي يريد أن يبقى أو يعود باسم الثورة المضادة، والاستبداد العالمي الذي لن يسمح للدواخل الوطنية أن تنتج ديمقراطيتها، إلا وفق المقاس العولمي، والإرهاب (الداعشي وغيره) الذي يوظفه الطرفان ضد هذه الشعوب أولاً، وضد بعضهما أيضاً في لعبة المصالح المعقدة.

أول العمل قد يكون بالعمل ثقافياً على تعميم المعرفة التي توضح آليات عمل ما سبق، إذ لا

“كلما انتصر العمال الفرنسيون المظلومون يتقدّم السوريون خطوةً في معركتهم ضد الاستبداد، والعكس صحيح أيضاً” يمكن الانتصار بالرؤى الاختزالية التي تقرأ المحلي وحده من دون الدولي، أو العكس، ليتبع ذلك بالعمل البحثي الدؤوب عن كيفية توظيف ذلك سياسياً، أي تحويله إلى برنامج عمل، يأخذ بعين الاعتبار المتاح والممكن في لعبة الأمم، واللعب ضمن هذا المتاح، حيث تعلمنا التجربة أن الثورات، مهما بلغت عدالتها، لا تنتصر إلا حين تتوفر ظروف دولية لانتصارها، إذ سبق أن سحقت ثورات كثيرة تحت بساطير العسكر المحلي، أو ألاعيب الدول الكبرى، وانتهت إلى إنتاج نظام مستبدٍّ جديد، فالوعي بآليات عمل العالم من جهة، وفهم الممكن المتاح تحقّقه الآن للمطالبة به، على أن تبقي آليات النضال مفتوحةً، يعتبر أمراً ضرورياً لتجذير النضال وتطويره عبر البحث عن قوى دولية أخرى مساندة للحق، وهذا لا يكون إلا وفق لغة المصالح بين الدول.

ثاني العمل، يتجلى بالبحث عن التشبيك مع المجتمعات المدنية والمتضرّرين اقتصادياً في دول المركز العالمي الاستبدادي للتشبيك معهم، في مستويين، أولهما شرح ما تقوم به حكوماتهم من سياسات بربرية واستبداية في العالم ووضعه أمامهم، لتحويله إلى قضايا رأي عام والتظاهر ضدها. وثانيها فهم قضايا المهمشين والمتضرّرين من السياسات المحلية في تلك الدول، لمساندتهم فيها وتحويلها أيضاً إلى قضايا رأي عام في مجتمعاتنا وفي العالم، أي لا بد للنضال أن يكون عالمياً، بقدر ما يكون محلياً، فعالم اليوم ليس إلا دولة واحدة دكتاتورية، والدول الصغرى مجرد ولايات، بعضها محكوم بديمقراطية، وبعضها محكوم بدكتاتورية، لكن الطرفين موظفان بطريقة أو بأخرى في خدمة السلطة العالمية التي توظف السلطات المحلية في خدمتها، ما يجعلنا نفكّر بكيفية توحيد المجتمع المدني العالمي، وتفعيل دوره في وجه كل هذه السلطات، لوضع خطط عملٍ تأخذ المحلي والعالمي بالاعتبار، وتوحد معركة النضال العالمية والمحلية عبر تنسيق الجهود والحملات. ولعل حملة “المعتقلون أولاً” التي نظمها الفنان السوري، فارس الحلو، أخيراً، في باريس تعتبر مثالاً ناجحاً في هذا السياق الذي يجب أن يتبع بسعي النشطاء السوريين إلى فهم مشكلات النشطاء الفرنسيين والمجتمع المدني الفرنسي الذي تظاهر مع السوريين، وساند قضيتهم والعمل والتظاهر معهم في قضاياهم العادلة ضد السلطة الفرنسية، أو غيرها، لإيجاد نوعٍ من أرضية عمل مشتركة، توائم بين المحلي والدولي، بما يجعل من المعركة ضد الاستبداد السوري معركةً ضد كل من ينتهك حقوق الفرنسيين أيضاً، فكلما تقدمت المعركة ضد اليمين الفرنسي، مثلاً، وكلما انتصر العمال الفرنسيون المظلمون يتقدّم السوريون خطوةً في معركتهم ضد الاستبداد، والعكس صحيح أيضاً.

ثالث العمل، يتجلى بعمل النشطاء العرب والمعارضات العربية على مد يد العون للتشبيك مع المعارضات الإقليمية والدولية، سواء كانت سياسية أم حقوقية أم مدنية، لتشكيل آليات ضغط على الحكومات الداعمة للاستبداد في بلدانها، فالتنسيق بين المعارضات السورية والإيرانية والروسية يصبح ضرورياً في هذا السياق، وكذلك الأمر في ما يخص المعارضات للسلطات الإقليمية/ الدولية التي تستثمر في الملف السوري، وتوظفه في أجندتها الإقليمية والدولية.

العربي الجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

98 − = 88

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...