الرئيسية / صفحات مميزة / البرهانُ على وجود الجحيم: دارا عبدالله

البرهانُ على وجود الجحيم: دارا عبدالله

 

دارا عبدالله

(إلى “محمد ديبو” يوم انتظرتني بقلقٍ في

ساحة “باب توما”، حتى تأكَّدت أنَّه

ليس كميناً، هكذا يلتقي السوريون أوَّل مرّة).

 

ذاكرة

دمشق سوداء ميَّتة كمريض سرطانٍ يموتُ ببطءٍ مدروس، وجوهٌ شاحبةٌ وعيونٌ قلقة. المدنُ أجساد، والهجرة مرضها الفتاك. اليوم، في التاكسي رجلٌ مسنٌّ اشتعلَ رأسه بالشيب، جفونه بالكاد تسمح بدخول الأشعة إلى عينيه، وبينما كان المذيع في محطَّة “شام أف إم” يتحدث عن “جثث مجهولةٍ لإرهابيين” بصوت عادي كأنَّه يتحدَّث عن إطاراتٍ محروقة، قال السائق كمن يعرف أنّه في نفقٍ معتمٍ بلا مخرج : ” الذاكرة جحيمٌ، ليتَنا نستطيع النسيان”.

ذاكرةُ الطفلِ سابقةٌ لولادته، ستَّةُ أطفالٍ من داريا، حصلوا على أوراقٍ بيضاء وأقلامٍ ملوَّنة، الورقة البيضاء هي كرسيُّ اعترافِ الكون، رسموا جثثاً مقطعة وجنوداً مبتسمين، وكلمة “الله أكبر”. أطفالٌ شهدوا حروباً… سيخوضون حروباً.

جرذ

خارج السجن الجرذان تهربُ من البشر، داخل السجن البشرُ يهربون من الجرذان. عصبيَّتك في مواجهة لا مبالاة الجرذ، تتجرَّد بسبب ممارستهِ لحياتهِ اليوميَّة. هدوءُ الجرذ أكبرُ تحدٍّ لقلقك.

“الانتفاضة والكتابة”

الغموضُ هو المسيطر. أيُّ شيءٍ يخرجُ من الحدث السوري يُنشرُ بلهفة. أهميَّة الحدث سياسيَّاً تنقِذُ رداءة النص فنيَّاً. نصوصٌ قليلة جداً تتحدَّث عمَّا يجري بواقعيَّة وموضوعيَّة، من دونَ أحكامٍ مُطلقةٍ وحتميَّة. يوصِفُ الصراع بأنَّه تضاديُّ أزليُّ بينَ خيرٍ مُطلق وشرّ مُطلق. التشويش على الصمت السوري بالصراخ والتمزيق مشوِّه. الواقع السوري مركّب ومتشابك وشائك، ولا يحتمل توصيفات جوهريَّة مثل “الشعب السوري العظيييييم” أو “لا خوف من الموت”.

شهوةُ الانتقامِ مُغريةٌ في اللغة وتثيرُ عدوى كتابة مشابهة، هيجانُ النقمة يزيد حِدَّة اللغة وحضور العصبِ الأهليِّ فيها. لغةٌ تتحدث عن جوهر المعاناةِ بنبرةٍ خفيضة مُثقلةٍ بالذنب، تعوِّض ما سبق بكثافة عُمق الألم، لغةٌ كهذه تستطيعُ النسيان والغفران، استخلاص علامات “المجد” من ركام هذا الدمار، هو اقتحامٌ لقدسيَّة وحدة المنكوبين، هو مسرحةُ هذا الحزن العظيم أمام جمهورٍ همُّه الاستمتاع فقط.

أما الخطاب الفصيح أمامَ مشاهد الموت، أي افتعالُ “المؤثِّرات اللغويَّة”، فهو تفريغٌ لمشهد الفظاعة من الألم، لا تملأوا هذا الفراغ بجثث الكلام، ولا تشوِّهوا عذريَّة مشهد الموت، الفصاحة كذّابة دوماً.

كاتبُ يدعو للحريَّة ولكنَّه مازال سجين مزاج القارئ الجائع للأساطير والبطولات، كاتبٌ كهذا لا يستطيع أن يكتب إلا ما يريده القارئ.

الإنتفاضة هي حدثٌ تاريخيّ متَّصل، ولها أسباب ومسوِّغات، وليست لحظةً بطوليَّة خارقةً منفصلة عن التاريخ. كثيرٌ من التحليلات عاجزةٌ عن تفكيك الإشكال الإيراني “من قاموا بالثورة ضِدَّ حكم الشاه، الآن يحتجَّون ضدَّ حكم الملالي”، أليست الثورة هي تغيُّر علاقة الحاكم مع المحكوم؟!

ديكتاتور ـ جماهير

يرتاح الديكتاتور إلى “الجماهير”، ارتياحُ النرجسي إلى البليد. هل هنالك أجمل للقنَّاص من الجثَّة الهامدةِ التي ينهالُ عليها برصاصاته؟!

حُروب

“أبطال” الحروبِ لا يخوضونها بأجسادهم، الضحايا الحقيقيون ينساهم التاريخ كغبارٍ منثور. الفكرةُ تنتقمُ ممَّن يمثِّلها.

“بطولة”

لا شيء يسخِّفُ البطولة مثل تفاصيل الحياة اليوميَّة التافهة في السّجن.

وحدة

قتيلٌ واحدٌ يصبحُ نجماً، المئاتُ في المجازر الجماعيَّة تضمحلُّ أسماؤُهم، الوحدة تدللُّ ضحاياها.

SMS

رسالةُ الموبايل كانَت الضوء الوحيد الذي يسطع في ظلمة البيت، ستضمر عيوننا لقلِّة الاستعمال، ظلامٌ خالٍ من العتمة،حرمونا من مُتعِة العُتمة بسفالة هذه الرسالة التي تقول “معركة الحسم مستمرَّة، لا تهاون مع الإرهاب واليد التي تمتدُّ إلى مقدرات الشعب ستقطع. الجيش العربي السوري”.

هل يوجد تهديدٌ أكثر عدميَّة من هذا؟

فيسبوك

خصوصيَّاتك تفترسُ عموميَّاتك، وعموميَّاتُك تفترسُ خصوصيَّاتك.

الجنس والحرب

الحربُ هي احتكاكٌ ميكانيكي بين الغاضبين، لترجمة رغبة المجموع في أن يُصبح مُفرداً. الجنس “بيولوجيَّاً” (أي الإنجاب) هو تواطؤُ الانقسام لصُنع وحدةٍ جديدة.

فيديو السكاكين

الميِّت ميتٌ. الفجيعة قدر الأحياء. لا تحزن على من فُقِد، بل إحزن على الباقين لأنَّهم ما زالوا “أحياءً” يشهَدون.

كابوس

الكابوس المتكرِّر اليومي، رجلُ أمنٍ يلاحقُك. في الحلم أنتَ تعرف أنَّك تحلم، رغم ذلك أنتَ خائف، أنتَ خائفٌ من أن يكون هذا الكابوس واقعاً لشخص آخر. ألم يكن اعتقالك كابوساً لشخصٍ مجهول؟! الكوابيس هي البرهان الوحيد على وجود الجحيم.

“دوار جنوبي”

مُنغمساً في التذكُّر، فاقداً التعلق بالتفاصيل، في باص”دوَّار جنوبي” على أوتوستراد المزّة في منحدر ساحة الأمويين الخفيف، تتخيَّل رجلاً يشبهك تماماً يسكُن رجلاً آخر يشبهك تماماً، في أيّ رجلٍ منهما أنتَ تسكُن الآن. من منهما يكتب هذا النص؟

تاريخ

صفحاتُ التاريخ الصارمة مشغولةٌ بالبطولات البرَّاقة ولا تتذكَّر الإلتباسات الصغيرة. لا يوجد أكثر مللاً من سلسلة “قصة الحضارة”. دوماً العبارات الشهيرة بحاجةٍ إلى أحداثٍ كبيرةٍ حتى تُقال. لا يتذكّر المرءُ على فراش الموت سفالاته، بل يتذكّر ورقة شجر كان قد داسها. والجنود السوريون العائدون من المعارك لا يتحدَّثون عن الموت، بل يتحدَّثون عن الطين ومشهد الغروب.

دمشق

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...