الرئيسية / كتاب الانتفاضة / ابراهيم حميدي / التدخل الروسي في سورية: آثاره وتداعياته –مجموعة مقالات لكتاب سوريين-

التدخل الروسي في سورية: آثاره وتداعياته –مجموعة مقالات لكتاب سوريين-

من اللاذقية إلى قندوز: حماقة تجريب المجرَّب/ صبحي حديدي

أهلاً بكم في المستنقع السوري»، يقول أحد رجال وزارة الدفاع الأمريكية، تعليقاً على أولى عمليات القصف الجوي التي نفذتها القاذفات الروسية في سوريا؛ «العزاء لكم، ولحلفائكم في قندوز»، يجدر أن يردّ عليه أحد رجال وزارة الدفاع الروسية، تعليقاً على سقوط أوّل مدينة أفغانية كبرى في قبضة الطالبان، للمرّة الأولى منذ 14 سنة. ولن يتغيّر كثيراً جوهر هذا التراشق اللفظي الأمريكي ـ الروسي، إذا اتضح أنّ حصيلة عمليات الـ»سوخوي 24» هي سفك دماء 36 مدنياً سورياً، بينهم خمسة أطفال؛ وأنّ القتال في قندوز يأخذ الآن صفة الكرّ والفرّ، ولا يبدو حسم المعركة جلياً. ثابت، مع ذلك، أنّ قطبَيْ الحرب الباردة السالفة لا ينويان استئنافها بالشروط القديمة، خاصة وأنّ أجنداتها داخلية بالنسبة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (في ضوء مباركة من الكنيسة الأرثوذكسية، لها رنين صليبي لا يخفى)؛ وأنّ سيد البيت الأبيض مستقيل من خوض غمارها على أيّ نحو، وسلفاً أيضاً!

لكنّ سقوط قندوز، عاصمة الشمال وخامسة المدن الأفغانية، يتوّج سيرورة عسكرية لم تتوقف منذ سنة 2007، عمادها نجاح الطالبان في قضم مساحات متتالية من القرى والأراضي، ضمن زحفهم إلى الشمال. ثمة ثلاثة أسباب وراء هذه النجاحات، يساجل الأمريكي جيسون ليال، الأخصائي في الشؤون الأفغانية: 1) الفساد المحلي، في مستوى الميليشيات القَبَلية، وكذلك عناصر أجهزة الشرطة الذين درّبتهم الولايات المتحدة؛ 2) ضعف الدولة وارتخاء السلطة المركزية، بحيث يؤول الحكم الفعلي إلى أمراء الحرب؛ و3) الصراعات بين زعماء القبائل والمجموعات الإثنية المختلفة، خاصة بين البشتون/ الطاجيك، والأوزبك. وبهذا، حتى لو نجح أيّ تحالف عسكري من السلطة ومسلحي الميليشيات في استعادة قندوز، فإنّ مشكلات الإقليم بأسره سوف تبقى عالقة وآخذة في التفاقم.

وهذه ـ على نحو أو آخر، في قليل أو كثير ـ مرآة للحال العامة التي تشهدها أفغانستان الراهنة؛ والتي تعيد الذاكرة إلى خريف 2001، عقب الغزو الأمريكي للبلد، حين لاح أنّ عودة الموسيقى إلى شوارع كابول، ومسارعة الشبان إلى قَصّ اللحى، وتهافت أبناء القبائل على تبديل الولاءات والبنادق من صفّ إلى صفّ ومن كتف إلى كتف… هي أوضح علائم انتصار الولايات المتحدة في أولى جولات «الحرب ضدّ الإرهاب»، كما قيل لنا آنذاك. ورغم أنّ عودة الموسيقى إلى آذان الأفغان ليست بالأمر التافه، بالطبع، غير أنّ المرء لم يكن ينتظر من أمريكا، ومن حلفائها في الحلف الأطلسي، شنّ حرب وتنفيذ غزو عسكري، إحياءً لغاية ثقافية مثل هذه!

ثمة، إذاً، عمل كثير كان ينتظر غزاة أفغانستان، كما بشّروا هم أنفسهم، عندما وعدوا أهل البلد بمستقبل زاهر وزهري. وأمّا في حقائقه الفعلية، فقد كان ذلك العمل يبدأ، بالضرورة، من إعادة إنتاج ورطة الجيش الأحمر السوفييتي هناك: مستنقع حروب العصابات، وحروب الطوائف، وحروب القبائل. ذلك لأنّ أفغانستان تلك الحقبة، مثل معظم خصائص أفغانستان ما بعد حكم الطالبان والكثير من خصائصها اليوم، لم تكن تبدو مختلفة كثيراً عن أفغانستان ما بعد انسحاب السوفييت في عام 1989. إنها، بصرف النظر عن مظاهر الشكل، إمارات مبعثرة قائمة على الولاءات الإثنية والقبائلية، أكثر من الخطوط الإيديولوجية والتيّارات الحزبية؛ وعلى تجارة المخدّرات والسلاح، أكثر من أيّ اقتصاد وطني أو حتى عائلي.

وهكذا فإنّ الأسئلة القديمة واصلت إعادة إنتاج نفسها تباعاً، وكأننا نعيش مرحلة ما بعد انسحاب الاتحاد السوفييتي وسقوط نظام نجيب الله: أيّ أفغانستان كان يريد «العالم الحرّ» بعد سقوط نظام الطالبان؟ وأيّ أفغانستان يريد اليوم، إذْ تعود مجموعات الطالبان إلى الواجهة مجدداً، ليس من بوّابة الأمن والحرب فحسب، بل من بوّابة المعادلات السياسية الداخلية؟ وكيف لا يجيز المرء الرأي القائل بأنّ حوارات الكواليس مع الطالبان، حتى عن طريق وسطاء، هي بمثابة اقرار صريح بأنّ الذي يمسك بأقوى أوراق المشهد الداخلي هم الطالبان؛ وليس «تحالف الشمال»، أو أيّ من أحزاب أو ميليشيات أو قبائل البشتون والطاجيك والأوزبك والهزارة؟

وما دامت معظم المجموعات القبائلية والإثنية قد فشلت، أو تعثرت مراراً على الأقلّ، في الارتقاء إلى مستوى الحدث ومسؤولياته؛ فما الذي سيصون أفغانستان من مخاطر انقسام الأمر الواقع، وفق خطوط مناطقية ومذهبية، تُجهز على ما تبقّى من وحدة البلاد؟ وكيف يمكن للانشطار السنّي ـ الشيعي أن يؤثّر على العلاقات الإيرانية ـ الباكستانية خصوصاً؟ وأين ستقف الولايات المتحدة، والقوى الغربية عموماً، من مسألة تقسيم واقتسام النفوذ الإقليمي بين روسيا والصين والباكستان وإيران والهند وتركيا الجمهوريات الإسلامية المجاورة؟ وما مصائر ستراتيجية الرئيس الأمريكي أوباما، في الخروج الأمريكي «الآمن» من أفغانستان؟

هذه مآلات قد تبدو، للوهلة الأولى فقط، وكأنها تحثّ بوتين على أن يفرك يديه اغتباطاً بما انتهت إليه الولايات المتحدة، خصم الاتحاد الروسي في نهاية المطاف؛ لولا أنّ تبصّراً عقلانياً بسيطاً سوف يقود الكرملين إلى الاتعاظ، أكثر بكثير من أيّ اغتباط، قبل ارتكاب حماقة تجريب المجرَّب، في سوريا تحديداً.

صحيح أنّ اللاذقية ليست قندوز ثانية، ولا سوريا نسخة أخرى من أفغانستان؛ ولكن روسيا قد تنزلق إلى مآزق ذات طبيعة مماثلة، تنتهي إلى مآلات مستنقع الجيش الأحمر، ثمّ الوَرَثة من بعده. وفي هذا، ليست بدون معنى استطلاعات الرأي التي تشير إلى أنّ غالبية المواطنين الروس تعارض الاشتراك في مساندة نظام بشار الأسد (إذْ أنّ أكذوبة «محاربة الإرهاب» لم تنطلِ حتى على الحمقى)؛ وكذلك تشديد بوتين على أنّ روسيا لن تقاتل على الأرض، وستكتفي بالدعم اللوجستي والقصف الجوي.

أمّا على المستوى الشعبي السوري، وما خلا حفنة من الأتباع والمخبرين الذين أُرسلوا إلى مطار حميميم لاستقبال العسكر الروس بالورود؛ أيّ سوري سوف يقبل بطراز من الوصاية العسكرية الروسية، أقرب إلى الاحتلال والانتداب؟ وما دامت الكنيسة الروسية الأرثوذكسية قد أعطت الكرملين مباركة دينية تعيد الحروب الصليبية إلى الأذهان، فما الذي سيمنع أمثال «جبهة النصرة» و»أحرار الشام»، قبل «داعش» في الواقع، من امتطاء الموجة الدينية ذاتها، وتحريض المسلمين شرقاً وغرباً (وداخل روسيا أيضاً، وأبعد من بلاد الشيشان) ضدّ هذه الحملة الصليبية الروسية؟ ألم يتنبه العبقري سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، إلى أنّ أصحابه من فصائل المعارضة السورية، كافة تقريباً، لم يجتمعوا على أمر منذ انتفاضة آذار (مارس) 2011، مثل اجتماعهم على توصيف التورط العسكري الروسي في البلد؟

وإذا جاز الافتراض بأنّ البنتاغون، تمسكاً بـ»عقيدة أوباما» إياها، لن يرفع سوية تسليح المعارضة السورية المسلحة، أو فصائل «الجيش الحرّ» مثلاً؛ فهل يضمن الكرملين أنّ هذا الخيار لن يتبدّل، أو يتزحزح قليلاً، على نحو يطيب للاستخبارات المركزية أن تعيد إنتاجه، قياساً على نجاحات «شركة الجهاد العالمية» في أفغانستان الثمانينيات؟ وهل يضمن بوتين أنّ أطراف رعاية الفصائل المعارضة، في تركيا والخليج أوّلاً، ثمّ على مستوى منابع التمويل السلفية الكونية ثانياً، لن ترفع سوية التسليح من جانبها، وبما يقضّ مضجع غزاة اللاذقية الروس، أبناء وأحفاد «الجيش الأحمر» المنهزم في أفغانستان؟

وأن يلجأ الكرملين إلى تجريب وصفة مجرَّبة، ثبت فسادها؛ أليس هذا مما يحرّض أوباما، بدوره، على فرك اليدين… اغتباطاً؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

 

 

تجارة الرفيق بوتين/ صبحي حديدي

بين أن يقصف الطيران الحربي الروسي بعض فصائل «الجيش السوري الحر» في حمص وإدلب، وأن يعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أنّ موسكو لا تصنّف هذا الجيش في خانة «الإرهاب» وأنه سوف يكون طرفاً في الحلّ السلمي للصراع؛ ثمة ما هو أبعد من التناقض في القرار السياسي، أو التضارب في القرار العسكري، خاصة في هذه المنطقة، وهذا الطور الحساس الذي تعيشه العلاقات بين الجبارَين، روسيا وأمريكا.

هنالك، أغلب الظنّ، طراز من التنويع على ستراتيجية موسكو في سوريا، ثمّ في عموم الشرق الأوسط استطراداً، وعلى صعيد ملفات الخصومة مع الولايات المتحدة، والغرب إجمالاً، في نهاية المطاف. ما يريده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كثير ومتعدد ومتنوع، ولذلك فإنه بالضرورة قائم على هذا المقدار أو ذاك من التنافر، لكي لا يتحدث المرء عن تصارع وتناحر. في وسع أي تحليل بسيط أن يستقصي هذه الحال في الاقتصاد كما في السياسة، وفي المغامرات العسكرية كما في خطب ودّ الكنيسة الأرثوذكسية، وفي تعهد طغاة من أمثال بشار الأسد، وعسكر من أمثال عبد الفتاح السيسي؛ وجنرالات تصدير «الثورة» الإسلامية (طبعة آيات الله المتشددين) من أمثال قاسم سليماني، وولاة ولاة عهد من أمثال السعودي محمد بن سلمان يقاتل سليماني بالوكالة في اليمن.

وهكذا، يريد بوتين، أولاً، المضيّ أبعد في تلميع صورته كرئيس دائم للاتحاد الروسي، حتى حين يكون رئيساً للوزراء، وظلّه الوفيّ التابع، دميتري مدفيديف، رئيساً للاتحاد. وسيرورات التلميع واسعة، متنوعة بدورها، لكنها تمرّ أساساً من بوّابات نفخ الحياة في الروح القومية الروسية، القيصرية من حيث الولاء للديانة والتاريخ والثقافة، ولكن ـ للمفارقة، بالطبع ـ السوفييتية، من حيث السعي إلى إحياء صورة القوّة العظمى، ندّ أمريكا والغرب والحلف الأطلسي في الحرب الباردة، والندّ الطامح هنا وهناك في العالم: من الاتجار بالسلاح مع السعودية، وبالنووي مع إيران؛ إلى منافسة أمريكا في التجارة الأخرى الرابحة: الحرب على «داعش»!

ولا تكتمل سيرورات هذا التلميع إلا إذا انعتق الاتحاد الروسي من غائلة العقوبات الاقتصادية التي يفرضها الغرب منذ سنوات، وأخذت تُلحق أذى متزايداً بالاقتصاد، وبالتالي بالحياة اليومية للمواطن الروسي؛ الذي لم يكن أصلاً قد تنفس الصعداء، وتنعّم بأيّ حدّ أدنى من «فضائل» اقتصاد السوق، بعد انهيار النظام السوفييتي. ضمن هذا الاعتبار تأتي، أيضاً، حروب أسعار النفط التي تديرها الولايات المتحدة في الكواليس أو علانية أحياناً؛ والتي تصيب ميزانيات روسيا بمقادير من العجز، والاهتراء المنتظم في الواقع، باتت قاتلة ومدمّرة، وترقى بالفعل إلى إعلان حرب اقتصادية مفتوحة.

وثالثاً، كيف لهذا القيصر الجديد أن يقنع القوى العظمى، أسوة بالقوى الصغرى، أنه مسلّح حتى الأسنان والنواجذ، بتكنولوجيا عسكرية تنافس نظيرتها الأمريكية، قابلة للعرض والإغواء في سوق السلاح… إذا لم ينشر بعض تلك الأسلحة في مكان ما، وأن يجرّبها بالفعل، تماماً كما هي الحال مع الجيل الأحدث من مقاتلات سوخوي؟ صحيح أنّ قاذفة ما، من هذا الجيل المتطور إياه، قد تضلّ الطريق فتقصف منطقة تحت سيطرة نظام الأسد، كما حدث بالفعل؛ ولكن، ألم تخطئ المقاتلات الأمريكية أيضاً، ومراراً، في المقابل؟

فإذا وُضعت هذه الاعتبارات على ضوء لقاء القمّة الأخير، بين بوتين والرئيس الأمريكي باراك أوباما؛ قد يحسن الظنّ أنّ سيد الكرملين لم يترك انطباعاً عالي التأثير في نفس سيد البيت الأبيض، حول الحرب على «داعش»، التجارة الروسية الأحدث في سوريا. ولعلّ أوباما ردّد على مسامع بوتين صياغة مختلفة للعبارة الساخرة التي شاعت في واشنطن بعد التصعيد العسكري الروسي في الساحل السوري: أهلاً بالرفاق الروس، في المستنقع السوري!

القدس العربي

 

 

 

حرب على خطوط الصدع/ غازي دحمان

لا تقذف الطائرات الروسية على الأرض السورية قنابلها وصواريخها على مجرد أهداف ثابتة، لا تشكّل للطيارين أكثر من نقاط صغيرة تظهر على راداراتهم، بل هي تقصف خريطة متشابكة من خطوط الصدع التي ارتسمت على الأرض السورية، بدقة متناهية وبمقاسات مسطرة دقيقة، بحيث يكاد يكون كل هدف خط صدع، ومنطقة خطرة يثير مجرد لمسها والاقتراب منها جملة من الحساسيات. هكذا هو الواقع الحربي في سورية اليوم، وتلك إحدى نتائج المدى الزمني الطويل لاستمرار الأزمة، حيث كل هدف يُراد استهدافه قابل للتحول إلى دينامية صراعية، تعطي للحرب الدائرة زخماً فوق زخمها، وتمنحها آفاقاً جديدة للتمدّد والاستمرارية.

وتحاول روسيا، بارتباك واضح، تفكيك شبكة خيوط هذه العقدة، وصنع مسارات ملائمة تؤمن لها السلامة، بعد أن تكشّف لها، عملانياً، أن جزءاً كبيراً من حساباتها النظرية ملتبس أو مشغول بنزق وتسرّع، فمرة تقول إن “منظمة” الجيش الحر لا تشكل هدفاً لضرباتها، ما يعني اعترافاً صريحاً بأحد أهم مؤسسات الثورة السورية. وتارة تعلن كنيستها أنها تخوض حرباً مقدسة لحماية الأقليات التي تتعرض للإبادة، فيما يبدو محاولة لإحراج الغرب، وطوراً تعطي الوعود لإسرائيل بعدم تضرّرها من الحرب. لكن، من قال إن ذلك كله قد يجعل طريقها سالكاً بين الحفر والمطبات وخطوط الصدع؟ ومن قال إن السير في وديان الحرب السورية وطرقها الضيقة والوعرة يمكن أن يعبرها دبٌّ بسلام، أو ينجح في إدارة مراحلها والتحكم بأطوارها، فما بالك إذا كان دبا أعمى يحدد خطواته ومكان دعساته نظام الأسد الذي يشرف على تحديد الإحداثيات للطائرات الروسية، بالإضافة إلى غرفة عمليات بغداد التي تتحكم ببنك أهدافها إيران؟

على ذلك، فالحرب في سورية أكثر من عملية إلقاء قنابل والتأشير على الأهداف، إنها تشبه السير على حبل مشدود بين قمم جبال. كل المساحات السورية بمحتوياتها الديمغرافية والتضاريسية صارت فروعاً لامتداداتٍ أعمق، وباتت تشكل رؤوس عناوين للقضايا الإشكالية في السياسة الدولية المعاصرة، وكل رأس هو بوابة صدع خطير، شكّلته حقبة الحرب السورية على وقع انزياحاتها العنيفة وانحيازاتها المعلنة. وفي خضم هذا التشابك والتعقيد، تظهر الحرب الروسية بشكلها النافر حرباً على خطوط الصدع اللا متناهية:

– هي حرب على خطوط الصدع الدولية بالدرجة الأولى، ذلك أنها، في أحد أهم مضامينها

“الحرب في سورية أكثر من عملية إلقاء قنابل والتأشير على الأهداف، إنها تشبه السير على حبل مشدود بين قمم جبال” الاستراتيجية، محاولة للسيطرة على خواصر أوروبا عبر بناء قاعدة ضخمة، بحرية وجوية على الساحل السوري، لتتكامل مع القاعدة البحرية في القرم. وإذا استقر الأمر، قد تكمل روسيا خطوتها في التمدد إلى بنغازي، خصوصاً أن الذرائع متوفرة، والفراغ موجود، والمساندة العربية مضمونة، وخصوصاً من مصر التي تبدو على تنسيق كامل مع روسيا.

– وهي حرب على خطوط الصدع الإقليمية، ذلك أن الاستهداف الروسي يطاول جميع البنى والتشكيلات التي دعمتها الأطراف الإقليمية، للدفاع عن مصالحها في سورية، والإقليم عموماً، وأصبحت هذه البنى جزءاً من الحسابات الأمنية الإقليمية في إطار الحرب الإقليمية، الدائرة منذ سنوات، على الجغرافيا السورية.

– هي أيضاً حرب على خط الصدع المذهبي الذي باتت الأرض السورية تشكل عنوانه الأبرز، وحرب بوتين، بشكلها وأهدافها المعلنة، تشكّل اصطفافاً صريحاً إلى جانب طرف مقابل آخر، ما يشكل إخلالاً متعمداً للتوازنات القائمة في المنطقة، وينذر بضخ زخم جديد في شرايين هذه الصراعات.

– وهي حرب على خط صدع العلاقات العربية – العربية، الهشة أصلاً، والتي بالكاد تحافظ على الحد الأدنى من التوافق، فكيف ستبرّر دول، مثل مصر والعراق والجزائر، دعمها حرباً ستؤول ثمارها لصالح إيران، بما يضعف أمن دول الخليج التي تقف في الصف الأخر؟

– وهي حرب على صدع العلاقات التركية – الكردية، حيث تعمل روسيا على تشكيل غطاء لتمرير المشروع الكردي شمال سورية.

– وهي حرب على خط الصدع السوري والعلاقة بين الأكثرية والأقليات، وأثرها في عملية التطهير الطائفي في مناطق كثيرة، وبالتالي، تعميق الانقسام، بحيث لن يعود هناك إمكانية لردمه.

– وأخيراً، هي حرب على صدع خطوط الطاقة، إذ تهدف روسيا إلى التحكم بخطوط نقل النفط والغاز المكتشف في الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط وحرمان المنافسين إمكانية الاستفادة من الجغرافيا السورية.

وسط غابةٍ من خطوط الصدع، تخوض روسيا حربها بما يشكل انقلاباً في الحسابات الإستراتيجية في المنطقة، وعلى سطح هذه البنية المتصدّعة، تحلم موسكو في بناء حرم لها، من دون أي حساسية تجاه حسابات المخاطر العديدة، إذ ربما يعتقد بوتين، وقادته العسكريون، أن العالم سيبقى تحت وقع الصدمة، حتى يتسنى له إكمال عمرانه الإستراتيجي في سورية، ومن دون أن يلتفت إلى أنّ الأطراف المعنية هي في طور صوغ ردود أفعالها، وليست في طور التكيف مع الإجراءات الروسية، ذلك أن بوتين، المندفع في بناء رهاناته على وقائع متحركة، ويحاول تفسيرها ثوابت، في هذه اللحظة الدولية، فاته حساب أن أغلب الأطراف التي يشتبك معها عند خطوط الصدع هي في وضع لا يسمح لها بالتعاطي بمرونةٍ زائدة مع المتغيرات التي يرغب في إحداثها على الأرض.

العربي الجديد

 

 

 

التكتيك الروسي لحماية الأسد/ غازي دحمان

تشير التحوّلات الحاصلة في مواقف القوى الدولية والإقليمية من دور بشار الأسد في المرحلة الانتقالية إلى وجود طرح روسي متماسك، ومغر في الوقت نفسه، والواضح أن ثمة قناعة، إلى حد ما، بهذا الطرح من هذه الأطراف، وثمة توجّه في إعطائه فرصة لترجمته في الواقع.

إذا اتبعنا مبدأ حسن النية في تفسير هذه الحالة، فإنه يمكن استخدام حزمة من العناصر تصلح لفهم الطرح الروسي، واكتشاف مضامينه على اعتبار أنّها عناصر واقعية، يمكن الانطلاق منها، والبناء عليها:

– تقوم أهم مرتكزات الطرح الروسي على أن الحاجة لوجود الأسد في المرحلة المقبلة تفرضها طبيعة توازنات القوة في سورية، بالإضافة إلى وقائع اجتماعية وسياسية حاكمة، إذ لا يمكن إقناع البيئة الموالية له بتنازل من هذا الحجم، في وقت ترى فيه تلك البيئة أنها تخوض معركة مصيرية وجودية، وليس مجرد صراع سياسي. وبالتالي، فإن تغيّرات بحجم إزاحة فورية للأسد لن تكون مساعدة على الدخول في العملية السياسية.

-على الجهة المقابلة، تحتاج القوى الأخرى إلى إعادة هيكلة الميدان والقوى الفاعلة فيه، فكما أنّ الأسد لن يكون وجوده مقبولاً في مستقبل سورية، فإن القوة المقابلة ليست كلها صالحة لأن تكون شريكاً في العملية السياسية، بما يستدعي إعادة تنظيم مسرح العمليات وتشذيبه، وبذلك تضرب روسيا على الوتر الحسّاس، المتمثل في مخاوف قوى إقليمية ودولية من بعض التشكيلات الميدانية.

– يشكّل العامل الإيراني عنصراً مساعداً لإقناع القوى الإقليمية والدولية بالمقاربة الروسية، ويكشف صمت أغلب الدول العربية عن التدخل الروسي أنه ناتج عن كونها تعتبره طارداً للتدخل الإيراني، وتكيّف الدول العربية قناعاتها تلك أن الوجود الروسي جيواستراتيجي، وليس استعمارياً، وتعرف دول المنطقة، من خبرتها التاريخية، أن وجود قواعد للدول الكبرى في الإقليم لم يؤثر على سياسات تلك الدول، ولا على تركيبتها الاجتماعية، بعكس الوجود الإيراني الذي يداني حالات الاستعمار في نمطها الاستيطاني الإحلالي.

من جهة ثانية، يطرح الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في الموضوع الإيراني، أيضاً، قضية

” عملانية معقدة، تتعلق بصعوبة تفكيك الوجود الإيراني في سورية، بما صنعه من مراكز قوى ومليشيات عسكرية، من دون وجود روسي يسند مؤسسة الرئاسة ويدعمها، وينقذ مؤسسات الدولة “الجيش والأمن”، قبل أن يتم أيرنتها واستنساخ النموذج العراقي.

– ومع دخول العامل الإسرائيلي بكثافة على خط التطورات، تمتلك روسيا ورقة إضافية لتدعيم طرحها في مواجهة الأميركيين خصوصاً، على اعتبار أنها ستكون الكفيل والضامن لأمن إسرائيل في المعادلة الجديدة التي تطرحها، فيما لم تتضمن المعادلات الأخرى التي تم العمل بها، مثل إشراف غرفة المعارك على الجبهة الجنوبية، أي ضمانة بهذا الخصوص، ولم تمنع حصول عمليات ضد إسرائيل من حلفاء إيران.

على ذلك، يمكن تلخيص ما تطرحه موسكو على مختلف الأطراف، وفق الصيغة التالية: قبول وجود بشار الأسد ضمن مرحلة انتقالية، يُصار من خلالها إلى ترتيب الجبهتين المتقابلتين سياسياً وعسكرياً، بما في ذلك إعادة هيكلة الجبهات جميعها، وتطهير القوى التي ستتولى إدارة المرحلة الانتقالية وحمايتها، عبر إعادة هيكلة أجهزة الدولة ومؤسساتها، وخصوصاً العسكرية والأمنية، على أن يتخلّل هذه المرحلة إجراء انتخابات برلمانية، ليتسنى تفعيل السلطات التشريعية، والتي سيكون منوطاً بها رسم شكل الدولة، والعلاقة بمكوّناتها وطبيعة نظام الحكم وعلاقة السلطات ببعضها بعضاً.

حسناً، من الناحية النظرية، ربما لا تملك أغلب القوى ترف رفض هذا الطرح، على اعتبار أنه سيكون عتبة الولوج إلى استقرار سورية، ونهاية أزمتها الدامية. وبالتالي، تستدعي الواقعية السياسية المرونة تجاه بعض القضايا، حتى يُصار إلى تفكيك العقد العديدة التي تلف الأزمة، سواء منها الداخلي أو التشابكات الإقليمية الدولية، والخلوص إلى عملية منظمة لإدارة الحل السياسي، وبلورة مخرجاته.

لكن، عملياً ما هي الضمانات التي تقدمها روسيا للأطراف، وهل ثمة خريطة طريق واضحة للقيام بهذه العملية؟ ولعل السؤال الذي يتبادر للذهن: من هي الأطراف والقوى التي تريد روسيا شطبها لتهيئة المسرح للعملية السياسية، هل جميع القوى التي تحارب نظام الأسد؟ وما موقفها من التشكيلات التي يديرها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، على الأرض السورية، خصوصاً وأنّه كان على تنسيق مباشر مع الروس، عشية إعلانهم التدخل في سورية في زياراته إلى موسكو؟

بالإضافة لذلك، ما هو وضع إيران، وكيف سيمكن إخراجها من دمشق وحمص والقلمون، وتفكيك بنية سيطرتها في سورية، وما وضع العقارات التي وضعت يدها عليها، بذريعة الاستثمار أو الشراء، وكيف سيكون وضع المناطق التي جرى تهجير سكانها، وإحلال مواطنين من خارج سورية مكانهم؟

واضح أن أولويات الروس، في هذه المرحلة، تنحصر في نقطتين: تبرير تدخلهم في سورية، وضمان حماية حليفهم ووقف انهيار قواته على جبهات محدّدة، دمشق وسهل الغاب. وفي سبيل ذلك، هم معنيون بصياغة مقاربة نظرية، تغري الأطراف المختلفة، ويتوقف اهتمامهم عند هذه الحدود، وغير معنيين ببقية المسائل الأخرى التي تبدو فوق طاقتهم، وخارج نطاق أهدافهم الاستراتيجية في سورية.

العربي الجديد

 

 

كيف نرى إلى التدخل الروسي في سوريا؟!/ ميشال كيلو

يتخلق في ايامنا، ومنذ بعض الوقت، تطوران خطيران يتمثل احدهما في تحول عميق يصيب الموقف الدولي من الاسد ونظامه، انتقل معه من القول بحتمية رحيله عن السلطة إلى القبول ببقائه فيها خلال المرحلة الانتقالية، ويتمثل ثانيهما في التغير الخطير الذي احدثه في اوضاعنا السورية احتلال الجيش الروسي لاجزاء عزيزة من وطننا، وقيامه ببناء قواعد عسكرية برية وبحرية وجوية فيها، انطلاقا من الساحل وصولا إلى حماه وحمص ودمشق، بالإضافة إلي ما يمكن ان يترتب على ما يملكه الغزاة من اسلحة فائقة التطور، سيكون لاستخدامها نتائج سلبية، ووخيمة، على الشعب السوري وثورته وقواه السياسية والعسكرية.

ويزيد من قلقنا نحن في «اتحاد الديمقراطيين السوريين» على سبيل المثال، اعلان اطراف من «المعارضة» قبولها الوجود العسكري الروسي في بلادنا، واعتباره عاملا يساعد على تحقيق حل سياسي لصالحنا، وما سيترتب على هذا القبول من انقسامات في الصف المعارض، ومن اختراقات روسية وغير روسية للصف الوطني، واضعاف لما هو مطلوب من وحدة حيال المشاريع الدولية المطروحة، وما فيها من تجاوز لرحيل الأسد في المرحلة الانتقالية، وقبول بقيادته لها وبتشكيله حكومة حدة وطنية تعمل تحت اشرافه وقيادته، مع ما تمثله هذه التنازلات والتراجعات من قفز فاضح عن وثيقة جنيف والقرار الدولي رقم ، الذي ينص على نقل كامل صلاحياته التنفيذية وصلاحيات رئيس حكومته إلى «هيئة حاكمة انتقالية، تنتفي بتشكيلها كخطوة اولى في اي حل سياسي الحاجة إليه، وتجعله بلا عمل أو وظيفة.

أن روسيا لم ترسل جيشها إلي بلادنا من اجل تحقيق مطالب شعبنا، بل ارسلته لحماية جزار يحتل القصر الجمهوري في دمشق، تسببت جرائمه في اعظم نكبة حلت بشعبنا على مر العصور والدهور. ويؤكد أن قبول اي سوري بالغزو الروسي لوطننا يندرج في باب الخيانة الموصوفة، ويذكر في الوقت نفسه بأن مكافحة الارهاب لا تستدعي تسليح الطائرات الروسية بصواريخ جو/جو مداها كيلومتر، وبصواريخ متوسطة المدي هي على الارجح رد روسي على صواريخ أميركا في المانيا واوروبا، ويلفت الانظار الى أن وجود الروس سيستدعي بالضرورة وجود غيرهم، مباشرة أو بالواسطة، مع ما سيترتب على ذلك من صراع طاحن لا ناقة للسوريين فيه ولا جمل، وأن هذا الصراع سيفضي إلى إبادة من بقوا احياء من شعبنا، وتهجير من لم يهجروا بعد، وتدمير القرى والبلدات والمدن، التي لم تمحها يد الجريمة الاسدية إلى اليوم عن وجه الأرض.

إننا نعلن رفضنا المطلق للاحتلال الروسي لسوريا، وللدور الذي يعدنا الكرملين بلعبه حماية للأسد ونظامه، وللحل السياسي الذي سيحاول فرضه، ويقوم على احتواء المعارضة وكسر شوكة الشعب والمقاومة بحجة مكافحة الإرهاب، الذي يبدو أنه لا دور لنا نحن السوريين فيه غير الدور الذي يلزمنا بأن نكون ضحايا له ولمن يكافحونه.

ويدين «الاتحاد» بأشدّ العبارات وضوحا تحولات مواقف أميركا ومعظم بلدان اوروبا من الاسد، وقبولها رئاسته خلال مرحلة الانتقال، رغم ما ارتكبه من جرائم ضد شعبنا، ويرفض تخليها عن فهم، وثيقة جنيف والقرار لهذه المرحلة، التي اقتصرت مهامها على «نقل سوريا إلى الديمقراطية «، ويعلن انه لن يقبل باستمرار الاسد ولو ليوم واحد، بما أن جوهر مرحلة الانتقال يكمن في رحيله عن السلطة.

كما ندين نزعات التساهل البادية في عمل فصائل معارضة يفترض انها مسؤولة عن مصالح الشعب واستقلال الوطن، ويطالب القوي السياسية والعسكرية وقوى المجتمع المدني بتوحيد جهودها على اسس راسخة ولا عودة عنها، وبتشكيل قيادة مشتركة موسعة تتولى ادارة دفة المقاومة السياسية والعسكرية والمدنية في الظرف الجديد، الذي نشأ مع غزو الجيش الروسي لوطننا وتبدل المواقف من الاسد، وتعمل في الوقت نفسه لبناء جبهة من الدول العربية والاجنبية، التي تدعم حق السوريين في الحياة والحرية.

لم يعد التهاون في عملنا الوطني مقبولا لأي سبب وتحت اي ظرف. بلادنا في مهب الريح، وشعبنا يباد ويطرد من بلاده، والاغراب يحتلون سوريتنا الغالية جزءا بعد آخر، فهل بعد هذا كله نبقى غافلين عن المصير الذي ينتظرنا، ونتصرف وكأن امورنا بخير،أو كأن لا اخطار داهمة تهددنا ؟.

المستقبل

 

 

 

 

بوتين وسورية/ ميشيل كيلو

بزّ فلاديمير بوتين حليفه، حسن روحاني، في تشويه الحقيقة، الذي يسمى عادة “الكذب”، فماذا فعل ليستحق هذا الامتياز؟ زعم أنه لم يرسل قوات روسية إلى سورية “إلى الآن”، وأن جيش الأسد وحده الذي يحارب “داعش”، لذلك، يجب إمداده بدعم دولي جامع، بالنظر إلى أن الإحجام عن دعمه “خطأ كبير”، حسب قوله.

إذا كان الكذاب لا يحترم الحقيقة، فلماذا يحترم سامعيه؟ ليست المعارضة السورية، أو أميركا، هما اللتان أعلنتا عن وجود القوات الروسية في سورية. من فعل ذلك جنرالات الجيش الروسي وقادته الكبار، الذين يستحيل أن لا يكونوا قد أعلموا بوتين بأنهم نفذوا قراره بإرسال قطعات عسكرية روسية إلى سورية، إلا إذا كانوا هم من قرر ذلك، سراً ومن وراء ظهره، ليشرشحوه أمام الأمم المتحدة ويفضحوه كذاباً لا يحترم نفسه وغيره. وهذا احتمال لا بد من نفيه، بما أن بوتين نفسه قال، في مناورة عسكرية نفذها جيشه: “أرسلنا قطعات من جيشنا إلى سورية، لإنقاذ الأسد”. لا أريد أن أكون متجنياً، لكن هذا المستوى من الانحطاط لم يسبق أن بلغه أي رئيس في أية دولة مارقة، وفي أي زمنٍ من أزمنة الكذب. إذا كان الكذب أصنافاً، فإن الصنف البوتيني أكثرها وقاحة وتبجحاً. أقول هذا لأن أحداً غيره ما كان ليكذب أمام محفل دولي، رأى معظم من حضروا إليه عشرات الطائرات الروسية جاثيةً على مدرجات مطارات سورية، وأخبرت وكالات الأنباء عن انتشار عسكره في مدن الساحل السوري بكثافة لافتة، بينما أعلن جنرال روسي، عقب زيارة نتنياهو بوتين، أنه اتفق على التنسيق بين عسكر إسرائيل وعسكر روسيا المرابط في سورية، وأن لقاءات دورية ستعقد بين نائبي قائدي الجيشين، للإشراف على تدابير، من شأنها منع وقوع صدام بينهما.

على من يكذب بوتين أيضاً، عندما يزعم أن جيش الأسد هو الوحيد الذي يقاتل “داعش” والإرهاب؟ هل يعتبر بوتين تسليم مطار الرقة ومدينة تدمر، بما فيهما من سلاح وذخيرة وتجهيزات لصناعة أسلحة كيماوية، قتالاً ضد “داعش”؟ وهل يرى في التخلي عن آلاف الجنود والضباط، وتركهم لموت محتوم قتالاً ضد الإرهاب؟ عندما تعلق الأمر بآبار نفط وغاز، أمر الأسد جيشه بالقتال، وأمده بالطعام والسلاح، لكنه فعل العكس، عندما كان هدفه إرسال إنذارات إلى العالم، تخبره أن لديه سلاحاً سرّياً، إذا ما استخدمه دمر أمن الكون وسلامه، هو تسليم سورية لـ”داعش”، لتقيم فيها دولتها، وتجعل العالم يدفع ثمناً فادحاً، في حال قرّرت دوله، وأميركا منها بالذات، إسقاطه أو إزاحته عن الحكم. أخيراً: ألم يسمع بوتين بالمعارك الضارية التي تدور يومياً، منذ قرابة عام ونصف العام، بين الجيش الحر وفصائل إسلامية من جهة و”داعش” من جهة أخرى؟ ألا يعرف أن هذه المعارك هي التي قلصت وجود الإرهاب في بلادنا، بينما نشرتها حرب الأسد على نصف مساحة سورية، وسلمتها مطارات وتجهيزات كيميائية حساسة وطائرات ومدافع ودبابات؟ إذا كانت حرب الثورة ضد “داعش” عشرة أضعاف حرب النظام عليها، لماذا لم يقترح بوتين التحالف مع الجيش الحر، وأرسل جيشه إلى سورية لمقاتلته؟ أليس هذا دليلاً آخر على كذبه ورغبته في محاربة الجيش الحر، لأنه هو الذي يجب إنقاذ الأسد منه؟

سيد بوتين: قلت بصراحة إنك أرسلت جيشك إلى سورية لإنقاذ الأسد. أود أن أخبرك، كمواطن سوري، أن أحداً لن ينقذك من سورية، والأيام بيننا.

العربي الجديد

 

 

 

احتلال تجب مقاومته/ ميشيل كيلو

أرسلت روسيا قوات إلى سورية، حيث شرعت تبني قواعد عسكرية جوية وبرية وبحرية خاصة بها، بدءاً بالساحل، وسط تصريحات تؤكد أن وجودها ليس عارضاً أو عابراً، وأن جيش روسيا سيبقى في بلادنا فترة طويلة، ويريد لحضوره العسكري أن يبدل الواقع السياسي السوري، ويؤسس واقعاً بديلاً لن نلبث أن نتعرف، خلال فترة قريبة، على ملامحه الأولى، ومنعكساته السياسية الملموسة. بالمناسبة، تشير كثافة القواعد وسرعة بنائها إلى أن بقاء الروس في سورية يتخطى وضعها الراهن، وأنهم يبنون وجوداً دائماً وثابتاً لهم، يتجاوز النظام نفسه، ويجعل منهم جزءاً تكوينياً من واقعها، سواء تم أم لم يتم الوصول إلى حل دولي، يسوّي مشكلاتها، وينهي صراعاتها المحلية والإقليمية والدولية.

لا يرتبط الوجود الروسي بوجود النظام، وإنْ تذرع بالحفاظ عليه، كي يقيم عندنا وضعاً استعمارياً بامتياز، ينتجه قرار أحادي الجانب أخذ في موسكو، أدى إلى احتلال جزء من بلادنا بالقوة، من دون أي غطاء من أية جهة سورية، تتمتع بشرعية دستورية أو شعبية، ومن دون موافقة أي طرف سوري مفوّض باستدعائها. إذا كان وجود الروس العسكري في بلادنا غير مرتبط بإرادتنا أو بقرار اتخذناه، وكان يترجم إرادة أجنبية قرّرت غزو واحتلال الساحل ومناطق سورية أخرى، ألا يكون وجوداً استعمارياً مخالفاً للقانون الدولي، ولقرارات الأمم المتحدة حول تصفية الاستعمار؟ ألا يندرج، أيضاً، في سياق احتلالي استهدف مشرقنا العربي، بدأ بفلسطين، وانخرطت فيه إيران البارحة، واليوم روسيا؟

لن يزول الحضور العسكري الروسي في بلادنا بزوال النظام، لو كان مرتبطاً به لما بدأ ببناء سلسلة قواعد من طبيعة استراتيجية ودائمة، تخالف إقامتها معارضة موسكو المعلنة للتدخل الأجنبي في البلدان الأخرى، واستخدامها حق النقض (الفيتو) ثلاث مرات في مجلس الأمن الدولي ضد احتمال، أو شبهة، تدخل غربي مزعوم، وتباهيها بحماية سورية من تدخلٍ كهذا. ما الذي جعل الكرملين ينقلب على سياساته، ويرسل جيشه إلى بلد عارض باستماتة تدخل الخارج فيه؟ وهل يعقل أن يكون قد فعل ذلك كي يؤسس وجوداً عسكرياً قصير، أو محدود، المدة، فيه؟ وهل نصدّق مزاعمه عن جدية سعيه إلى حل سياسي، سيرفع الغطاء عن وجوده عندنا، ويدفع السوريين إلى مطالبته بالرحيل عن بلادهم، لأن وجوده لم يعد ضرورياً فيها، بعد توقف القتال واستتباب الأمن؟ جاء الروس ليغيّروا قواعد اللعبة بين المعارضة والنظام، وخصوصاً منها التي مكّنت الجيش الحر من التغلب على جيش الأسد وإيران ومخابراتهما ومرتزقتهما. يريد الروس لجيشهم أن يفرض على المتصارعين مشروعاً يخرج النظام من هزائمه، ويُدرجه في نسق استراتيجي جديد، يحوّل دوره داخله إلى جهةٍ، لا يستغنى عنها ضمن تحالف دولي، يشركه في الحرب ضد الإرهاب، أي ضد معظم فصائل المعارضة، باعتبارها إرهابية.

ماذا يبقى من أمل في حل سياسي روسي، يلبي مطالب الشعب السوري في مجتمع حر، ودولة مستقلة وسيدة، إذا كان النظام سيخرج من ورطته طرفاً يرفضه شعبه، وكانت نجاته من هزيمة وشيكة شرطاً لازماً لعدم خروج الروس من بلادنا؟ ماذا يبقى لنا، في هذه الحال، غير اعتبار الوجود الروسي حالاً استعمارية، ترفض التعايش أو التكيف معها لأيِّ سبب كان؟ أليس من المنطقي أن نواجه غزواً احتلالياً، يريد كسر إرادة الحرية في نفوسنا، وتضييع ما قدّمناه من تضحيات غالية في سبيل كرامتنا، بمقاومة وطنية شاملة، سبق أن واجهنا بما يماثلها كل من دخل بلادنا غازياً أو مستعمراً؟

لا بد من إطلاق المقاومة ضد الوجود الروسي، إلا إذا أعلن الروس التزامهم بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2118 ، ووثيقة “جنيف 1″، وتعهدوا بمغادرة بلادنا، وبأخذ بشار”هم” وحاشيته معهم إلى روسيا، خلال فترة ثلاثة أشهر. عندئذ، سيضع مقاومونا أيديهم على زناد بنادقهم، بانتظار تنفيذ الالتزام المزدوج. بما أنهم لن يفعلوا ذلك، لا يبقى أمامنا من خيار غير طردهم مع بشار”هم” من وطننا، وإنهاء معركتنا من أجل الحرية والاستقلال.

العربي الجديد

 

 

 

قرار الشعب السوري وروسيا/ سلامة كيلة

تذكّرنا روسيا بأن القرار يعود للشعب السوري، فهو وحده من يحدد بقاء بشار الأسد أو يرفضه. تقول ذلك، وهي تنزل قواتها لكي تمنع سقوط النظام، في مشهد هزلي، يشير إلى الجهل في معنى الشعب، وفي ما جرى في سورية، ولماذا بات النظام على حافة السقوط.

ترسل روسيا قواتها لمنع سقوط بشار الأسد، وتقول إن الشعب هو الذي يحدد مصيره. طبعاً، من يهدد النظام ويهدد بسقوطه ليس “داعش” التي لم تتقدم نحو دمشق، أو نحو الساحل السوري، بل ظلت تقاتل الكتائب التي تخوض صراعاً ضد النظام نفسه، وتفرض ارتباكاً في كلية الصراع ضده، بالتأكيد لمصلحة النظام الذي يتواصل معها، ولا يقاتلها، بعكس ما يصرّح به فلاديمير بوتين. وبالتالي، مَن يهدد النظام بالسقوط قوى “سورية”، بعضها مدعوم من دول إقليمية (تركيا وقطر والسعودية)، وكثير منها من قوى الثورة التي تحوّلت إلى العمل المسلح.

هل نثبت أن الشعب قرَّر، منذ السنة الأولى، أنه يريد “إسقاط النظام”. ولهذا، قدَّم آلاف الشهداء قبل الانتقال إلى العمل المسلح الذي كان ردَّ فعل على عنف النظام ووحشيته، وعلى إصراره على تحويل الثورة إلى صراع مسلح. هل نعيد الذاكرة إلى مسار الثورة، منذ أول مظاهرة صغيرة وسريعة في سوق الحميدية تطالب بالحرية، لكي نوضّح هذه الحقيقة؟ ربما قادت تلك التظاهرة إلى اعتقال بعض الشباب، لكن اعتصام الجامع العمري في درعا قاد إلى تظاهرات واسعة، لم تشمل درعا المدينة فقط بل كل حوران، وكانت الحالة الأولى التي يظهر فيها أن في سورية ثورة. جلب عنف رد السلطة هناك خروج تظاهرات “صغيرة” في دوما واللاذقية وبانياس، سرعان ما تحوّلت إلى تظاهرات كبيرة، حيث خرج آلاف الشباب يدعم درعا، بعد أن ووجهت بالرصاص كذلك.

سرعان ما توسّع الأمر إلى تظاهرات كبيرة في حمص، سحقت بعنف دموي، من دون أن توقف التظاهر. وامتد الأمر إلى حماة التي خرجت منها ربما أضخم تظاهرة، ترافقت معها تظاهرة ضخمة في دير الزور. ووصل الأمر إلى محيط دمشق الذي شهد تظاهرات كبيرة، وصولاً إلى حلب التي تحركت بعد عام من الحراك في تظاهرة كبيرة. وشمل الحراك مناطق كثيرة، من قرى وأحياء في مختلف أرجاء سورية.

كانت هذه الصورة توضّح أن الأمر لا يتعلق بحراكٍ صغير، بل بثورة شعب يريد إسقاط النظام، على الرغم من كل العنف الذي مورس ضده، والوحشية التي قوبل بها الحراك، الذي شمل معظم مناطق سورية، ولم ينحصر في منطقة منعزلة، ليتضّح أن مطلب إسقاط النظام كان عامّاً. هذا هو أساس الثورة، وأساس مطالب الشعب الذي يشير إلى أن الشعب يريد إسقاط النظام، وليس قبول استمراره.

وحين جرى الانتقال إلى السلاح، وصلنا إلى وضع لم تعد السلطة فيه تسيطر سوى على أقل من ثلث سورية، فقد ضعفت، ليس بفعل “خارجي”، كما يريد الروس أن يقولوا، بل بفعل الشعب نفسه، وكان الفعل الخارجي معاكساً لمطالب الشعب، أو يعمل على تخريب ثورته. فالنصرة وداعش وجيش الإسلام قوى أصولية دعم النظام وجودها، ولم تكن من الثورة، بالضبط، لكي تخرّب على الثورة. ودعمت دول إقليمية هذا الأمر بتفاهم مع النظام.

بالتالي، حين يشير الروس إلى الشعب، نقول إن الشعب قرَّر، منذ السنة الأولى للثورة، أنه يريد إسقاط النظام، ومن يُرِد الإشارة إلى الشعب، عليه أن يعرف أن عليه أن يفهم أن الشعب يريد إسقاط النظام. ولقد وصل الأمر إلى أن يصبح النظام على شفير الانهيار، نتيجة ذلك كله، من ثم على من يخاف من سيطرة داعش أو النصرة أن ينطلق من حتمية إزاحة بشار الأسد ومجموعته، لكي يضمن المقدرة إلى إنهاء هذه القوى الأصولية، فما يعزز من قوتها إما دعم النظام وتسهيله لها أو استغلال رفض الشعب بقاء النظام. وفي الحالين، لا إمكانية لمواجهتهما حقيقة إلا بإبعاد رأس النظام.

العربي الجديد

 

روسيا تحتل سوريا/ سلامة كيلة

في خطوة جديدة وتطور لافت أرسل بوتين قوات روسية إلى سوريا. إنها عملية غزو حقيقية كما فعلت إيران قبل ذلك من خلال إرسال قوات حزب الله ومليشيا شيعية عراقية وأفغانية وباكستانية ومن الحرس الثوري.

يؤشر التدخل العسكري الروسي إلى ضعف متزايد في قوة النظام السوري وإيران أيضا، حيث كان واضحا في الفترة الأخيرة أن النظام ضعف كثيرا، وأن إيران لم تعد تحتمل تعزيز قدراتها في سوريا لحمايته، بعد أن حدث اختلال في ميزان القوى العسكري لغير مصلحة النظام وحلفائه، وما كان يمنع سقوطه هو حسابات الدول الإقليمية التي تتحكم بقوى أساسية تقاتل النظام الآن.

القوات الروسية باتت إذن في مواجهة الثورة، وقد أرسل بوتين سلاحا من أحدث ما أنتجته المصانع الحربية الروسية. هذه خطوة لافتة ومستفزة، لكنها تعبر عن وهن النظام وضعف إيران وحزب الله. بالتالي استطاعت الثورة استهلاك هذه القوى، وضعضعة وضعها.

ولفهم الخطوة الروسية لا بد من لفت الانتباه إلى مسألتين، الأولى تتمثل في أن روسيا التي تحولت من الشيوعية إلى الرأسمالية وباتت دولة إمبريالية تريد ككل إمبريالية أن تتوسع عالميا، بحيث تجد الأسواق لسلاحها وسلعها ونشاط الرأسمال، ولقد وجدت أن عليها التقدم نحو ذلك خصوصا بعد الأزمة المالية التي ضربت أميركا، وأبانت عن وهن أميركي يمكن استغلاله من أجل التوسع.

هنا كانت سوريا أساسية في ذلك، خصوصا بعد خسران ليبيا، التي أبعدت عنها بـ”المراوغة”. لهذا استغلت الثورة من أجل فرض مصالحها على نظام يحتاج إلى “حماية دولية” في مواجهة احتمالات التدخل العسكري (الذي لم يكن قائما أصلا كما توضح في السنوات السابقة)، وتحصلت على امتيازات جرى التوقيع عليها في أغسطس/آب سنة 2012. كما أصبحت معنية بوجود قاعدة بحرية كبيرة على شواطئ البحر المتوسط، وهو ما جعل سوريا ضرورة “استراتيجية” كذلك.

بالتالي كانت سوريا ضرورة روسية، خصوصا وروسيا تفكر في العودة إلى “الشرق الأوسط” بعد التراجع الأميركي فيه. ولم تكن أميركا منافسا هنا، حيث أظهرت منذ بداية سنة 2012 ميلها لـ”بيع” سوريا لروسيا، ورتبت مبادئ جنيف1 معها، كما أوجدت معارضة تقبل بالحل الروسي. لهذا لم تكن روسيا تشعر بمنافسة أميركية في سوريا، بل بدعم متواصل لدورها السوري.

المسألة الثانية تمثلت في أن تطورات الصراع المسلح فرضت أن تمسك إيران بالقرار السوري، حيث أفضى ضعف السلطة إلى استجلاب مئات آلاف المقاتلين لمنع سقوط النظام ومحاولة انتصاره. لهذا دفعت بقوات حزب الله والمليشيا الطائفية العراقية والحرس الثوري، ومن ثم باتت تقود الصراع العسكري مباشرة عبر ضباطها.

وقد استخدمت سياسات أدت إلى تدمير بنية الدولة، وتحويل الجيش إلى مليشيا، كما قتلت الكثير من الضباط، لكي تزيد في تحكمها. وهو الأمر الذي كان يشعر روسيا بأنها فقدت التأثير، وأن الأدوات التي تريد الاعتماد عليها تتلاشى، وهو ما قد يؤدي إلى خروجها دون مصالح. ورغم العلاقة الجيدة بين روسيا وإيران كانت مصالحهما في سوريا متخالفة، وظهر تذمر روسي من السياسة الإيرانية في سوريا، كما باتت روسيا تخاف من تحول إيران إلى حليف أميركي مما يفقدها كل شيء.

هنا ظهر تنافس مكتوم بين الحليفين، توضح في المفاوضات النهائية حول البرنامج النووي الإيراني، حيث اصطفت روسيا إلى جانب أميركا في الضغط من أجل إنجاز الاتفاق. وكان ذلك -فيما يبدو- في مقابل دعم أميركي لسياسة روسية في سوريا تعيد فرض روسيا قوة حاسمة في تقرير مصير البلد. وربما تكون سطحية رد الفعل الأميركي على التدخل العسكري الروسي مؤشرا واضحا في هذا المجال.

تقول روسيا بشأن خطوتها هذه إن سوريا لها، وإنها لن تساوم في هذا المجال، ولن تتنازل لأي كان، وربما تشير إلى أن سيطرتها على سوريا هي “معركة مصير”، في سياق دورها العالمي وميلها للعودة إلى “الشرق الأوسط”. وهي هنا تتصرف كوريثة لأميركا (حتى في علاقتها بالدولة الصهيونية).

بالتالي هي تعيد ترتيب الهيمنة على النظام السوري محاولة إبعاد إيران أو تهميش دورها، خصوصا بعد أنْ لم تستطع منع اختلال ميزان القوى في سوريا، بعد التقدم العسكري الذي تحقق في الجنوب والشمال، وحتى في محيط دمشق، الذي هو في جزء منه جزء من الصراع الإقليمي الدولي للوصول إلى “حل سياسي”. ومن هذا المنظور يبدو أن روسيا تريد تحسين مواقعها التفاوضية.

لكن ماذا تريد روسيا أكثر من ذلك من هذه الخطوة؟ هل تريد دعم النظام، وبالتالي إكمال ما بدأت به إيران، أي خوض الحرب ضد الثورة والشعب؟ أم تريد “وضع يدها” على النظام من أجل فرض الحل السياسي؟

ليس من السهل تقدير ما يمكن أن يفعله الروس، بالضبط لأن روسيا الإمبريالية تتسم بالغباء المتوارث من دوغما السنوات الأخيرة من وجود الدولة السوفياتية، فقد أهدرت فرصا سابقة، خصوصا هنا مؤتمر جنيف2، وكان تعاملها في أوكرانيا يتسم بالغباء ذاته، وهو ما أدى إلى خسارتها الكبيرة هناك.

النظام الروسي ينطلق من “نظرية المؤامرة”، لهذا يعتقد أن كل تحرك يجري في العالم هو من أجل هزيمة روسيا. ولا شك في أن “المؤامرات” على الاتحاد السوفياتي قد ولدت هذا الميل، الذي بات “سياسة عامة”. وبات في أساس ممارسات وزارة الخارجية.

لكن خلف ذلك يتخفى قصور في الفهم، وشعور بالنقص، وإحساس بالضعف الذاتي، حيث يتعلق الأمر بصراع عالمي على تقاسم النفوذ، ودون وعي بحدود قدرات القوى الأخرى لا يمكن تحقيق التوسع في النفوذ، وروسيا تفتقد إلى ذلك، ولهذا لم تستطع تحقيق تقدم في “الشرق الأوسط” رغم التراجع الأميركي. أكثر من ذلك رغم المساعدة الأميركية لروسيا في تحقيق مصالحها هنا، بالضبط لأنها تريد منها التنازل في مناطق أخرى ضمن حساب أميركا التي ترى أن “حصار الصين” هو أولويتها.

بالتالي ربما كان “الوجود على الأرض” هو ضمن هذا الشك الذي يحكم علاقتها، حيث تريد أن تضمن السيطرة على الأرض في كل الأحوال، دون خشية من “غدر”.

ورغم ذلك فإن الوجود العسكري الروسي يمكن أن يقود إلى منزلق عاشه الاتحاد السوفياتي سابقا في أفغانستان، ويمكن أن يحدث ذلك إذا تصرفت كمدافع عن السلطة، وكمشارك فعلي في الحرب التي تخوضها السلطة بكل وحشيتها، حيث سوف تنجر القوات الروسية إلى ما انجرت إليه قوات إيران نفسها، وستتكبد خسائر كبيرة دون أن تستطيع تحقيق تغيير جدي في ميزان القوى العسكري.

ربما يكون تدخلها، بالتالي، من أجل زيادة في القتل والتدمير والتخريب، وسيولد ذلك مزيدا من الحقد الشعبي على روسيا كما هو على إيران وعلى السلطة.

ما يبدو، إلى الآن على الأقل هو أن التدخل الروسي قادم من أجل تدعيم سلطة الأسد المتهاوية، وبسبب ذلك سوف تخسر روسيا. فلا حديثها عن الحرب ضد داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) مقنع، لأن السلطة تتحالف مع داعش ولا تخوض الحرب ضدها، وداعش أصلا “ورقة تمرير سياسات” وليست قوة فعلية تحارب. وعليه ستخوض روسيا الحرب ضد الثورة وبعض القوى الأصولية الأخرى، وفي ذلك انجراف لحرب لن تنجو منها، كما لم ينجُ كل من إيران وحزب الله.

إحدى نقاط ضعف روسيا هي أنها ما زالت تتمسك ببشار الأسد، ربما لأنها لم تجد آخرين من داخل السلطة يقبلون التواصل معها، أو لأن بنية السلطة لا تسمح بإمكانية ظهور “بديل” من داخل السلطة، حيث التهمت كل احتمال لهذا الظهور. لكن ليس من بديل لإبعاد الرئيس ومجموعته المقربة لكي يتحقق استقرار ما يسمح لروسيا أن تحصد بعضا من مصالحها.

ويبقى السؤال هل سيسمح الوجود العسكري الروسي المباشر بتشكيل هذا “البديل”؟ أم سيتعذر إيجاد البديل ويتجدد الصراع لسنوات أخرى؟ وفي كل الأحوال فإن الوجود الروسي سوف يشكل “حالة احتلال”، وسوف يستهلك كذلك.

الجزيرة نت

 

 

 

تدخل موسكو الذي أتى متأخراً… فحسب/ عمر قدور

لا تخلو متابعة التدخل الروسي المباشر في سورية من استعارة أدوات الحرب الباردة. حلفاء النظام يرون في نهج بوتين استرداداً للكرامة السوفياتية المهدورة، والخصوم ترنو أعينهم إلى رد فعل أميركي، قد يأتي متأخراً، لكن المهم مجيئه ليقلب الطاولة على الروس أسوة بأفغانستان. طرائق تفكير الحرب الباردة هذه تتناسى تشديد إدارة أوباما على انتهائها، والأهم تناسيها عدم سعي الإدارة إلى اكتساب مناطق نفوذ جديدة، ربما باستثناء تلك التي لا تكلف ثمناً. لندعْ جانباً فرضية الإرهاب الإسلامي التي تحكم رؤية الإدارة، ففي أوكرانيا أتى ردها بعقوبات غير رادعة، وعلى المستوى الاقتصادي الذي يبدو بوتين مستعداً للتضحية فيه موقتاً.

من وجهة نظر أخرى، التدخل الروسي تأخر قرابة السنتين، أي منذ اتضح عزم أوباما على الانسحاب من القضية السورية، وقبل ذلك منذ تجاهلت إدارته تماماً انخراط ميليشيات «حزب الله» والحرس الثوري (التي تصنّفها إرهابية) بالحرب على السوريين. الذين انتظروا إنجاز الاتفاق النووي الإيراني ليُتكشف نهجٌ جديد للإدارة، دفعتهم رغباتهم إلى تجاهل وجهة القاطرة الأميركية المنسحبة، ولا يضيف نظراؤهم وقائع ذات صدقية أعلى بالحديث عن صفقة تطلق يد الإيرانيين في سورية. أما الحديث عن انتقائية الحرب على المتطرفين فينبغي أن يلاحظ كونها حرباً اضطرارية أيضاً، بسبب إعدام «داعش» الرهينة الأميركي، فضلاً عن ضعف زخم الحلف ضد «داعش» الذي لا يشي برغبة عارمة في الحرب.

الانسحاب الأميركي من المنطقة ليس بالتأكيد انسحاباً حيادياً تماماً، ومن المحتمل جداً انحيازه ضمن الخيارات المطروحة في «السوق». التدخل الروسي لا يُعدّ الأسوأ من بينها وفق ما تروّجه أوساط الإدارة نفسها. وإذ صارت معروفة مواظبتها على التنصل من مسؤولياتها الحالية، بموجب موقعها في الهرم الدولي، ومسؤولياتها التاريخية كقوة هيمنة سابقة، فالإدارة تلقي لوم حدوث الفراغ الحالي على دول المنطقة، وفي شكل ضمني أو صريح على الثورات العربية التي أحدثت الفراغ المناسب للقوى المتطرفة. ومما لا شك فيه أن واحداً من سوء حظ الثورات العربية مجيئها في هذا التوقيت، وإحداثها فراغاً على الأرض يُضاف إلى الفراغ الذي يحدثه الرحيل الأميركي، ما شجع القوى الأكثر جاهزية على اقتحام الفراغ.

على نحو محايث لانسحاب الإدارة الأميركية، ولسنوات سابقة على «الربيع العربي»، كان يجرى تفكيك مندرجات الحرب الباردة والركائز الإقليمية في المنطقة. في العقد الأخير تراجعت مكانة الكثير من الدول الإقليمية لمصلحة بروز دول كانت تُعدّ قليلة الشأن قبلاً، ولا أدلّ على ذلك من تراجع مكانة إسرائيل، مع أن الدلالة الأبرز هي عودة إيران كشرطي محتمل للمنطقة، في موازاة الطموح التركي الذي كان يملك حظاً أوفر نظرياً. الثلاثي الذي كان منوطاً به تحقيق التوازن والاستقرار، السعودي – المصري – السوري، استغنت الإدارة عنه لمصلحة صفقات تبرمها وقت الحاجة مع هذا الطرف أو ذاك، ويجوز القول أنها أطاحته نهائياً مع تسليم السلطة للمالكي في بغداد. خلاصة ما فعلته الإدارة، تفكيك شبكة «الأمان» التي رافقت انخراطها في شؤون المنطقة، ولا يُستبعد كونها فعلت ذلك للتملص من أية استحقاقات كبرى أو استراتيجية، لا لإشعال الفوضى خلفها.

من المهم أيضاً القول أن الفراغ الذي خلّفه بدء الانسحاب الأميركي، تزامن مع وصول ديكتاتوريات المنطقة إلى أفق مسدود. ولئن كانت الأخيرة تستمد قوتها من السيطرة التامة على مجتمعاتها إلا أن ما افتقدته مع نهاية الحرب الباردة والانسحاب الأميركي هو تلك التغطية الدولية التي تزيدها قوة، وتعلي من شأنها بدمجها في منظومة صراع عالمي. لقد تجرّدت أنظمة الاستبداد لتقتصر على المعنى المبتذل الذي كانت عليه دائماً، وربما يصح القول أنها فقدت البعد الدولي الذي كان يسبغ عليها قليلاً من المعنى، وما حديثها عن «المؤامرة الدولية» لمناسبة الثورات سوى محاولة استعادة ذلك المعنى المفقود. تصاغر الاستبداد الذي رأيناه في السنوات الأخيرة ليس مرده فقط إلى غياب المستبد الكاريزمي، بمقدار ما يمكن رده إلى انعدام دوره خارجياً، الأمر الذي يختزله إلى محاكاة مبتذلة للماضي ومجرد أمير حرب في الداخل.

قبل ثلاث سنوات تماماً، حذّر المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي من صوملة سورية، والمنطقة تالياً، وقوبل تصريحه بالاستهجان: أغلب الظن لأنه لم يبذل الجهد المأمول لتجنب ذلك المصير. لكن قراءة راهنة لتصريح الإبراهيمي ربما تجعل منه أكثر واقعية، فالمسألة الصومالية وقعت ضحية عدم وجود إرادة دولية حازمة على رغم بعض التدخلات المباشرة العارضة، وأيضاً في غياب أية قوة محلية أو إقليمية قادرة على السيطرة. وحيثما كان هناك فراغ ناجم عن الغياب الدولي، كانت الصراعات المحلية تأخذ أشكالاً أقل «انضباطاً»، وأكثر استدامة. مع هذا، يبقى تصريح الإبراهيمي رهناً بتوقيت لم تكن فيه موسكو متحفزة لملء الفراغ الذي خلفته أميركا والغرب عموماً.

لعل أهم حجة لبوتين في مواجهة إدارة أوباما هي أنه تدخل بعد طول انتظار، لم تفعل خلاله شيئاً، تدخل ليملأ فراغاً تقول الإدارة نفسها أن القوى المتطرفة تسيطر عليه. إجرائياً، يدرك بوتين أن الإدارة لن تكرر تجربة أفغانستان، واقتسامها الأجواء السورية معه أسهل عليها من مغامرة السماح بتزويد الفصائل المعارضة مضادات الطيران، مع عدم ثقتها بألا يرتد جزء من الصواريخ على طائرات التحالف. احتمال المواجهة بين الطرفين غير موجود، حتى إذا حادت موسكو عن تفاهماتها مع واشنطن، طالما أنها ستكون بمنزلة من عصى «الأوامر» لكنه لم يعترض على «المشيئة».

لقد شهدت المنطقة عبر الزمن الكثير من الهزات الجيوسياسية، القاسم المشترك لأغلب مراحل التاريخ أنها قلّما عاشت في الفراغ بسبب وقوعها على خط قوى إقليمية ودولية يندر تراجعها معاً. المشكلة العميقة مع التدخل الروسي مجيئه من ماضٍ ينقرض، وأنه يحاول ملء الفراغ بالقوة العارية ليس إلا. الحامل الأيديولوجي الوحيد أتى من وصف الكنيسة الأرثوذكسية حربه بالمقدسة، وهو وصف لا يعلو به مرتبةً عن الشعار الإيراني «لبيك يا زينب»، والطرفان يمنحان «داعش» مشروعية ملء الفراغ على قدم المساواة معهما، كأن الكارثة لن تتوقف ما لم تجرب جميع قوى الماضي حظها على أنقاض المثال الغربي الآفل.

 

 

 

 

سوريا:نحو مجلس عسكري/ باسل العودات

جاء التدخل العسكري الروسي في سورية مفاجئاً للكثيرين من المراقبين والدبلوماسيين، الذين انصرفوا إلى تحليل أهدافه وأبعاده وتوقع مآلاته، وكان الموقف صادماً للمعارضة السورية التي رأت في هذا التدخل إصراراً روسياً على حماية النظام السوري والرئيس بشار الأسد شخصياً، فيما رأت فيه دول المنطقة والغرب عموماً تدخلاً مريباً، واكتفت كلها بالتنبيه والتحذير من نتائج هذه الخطوة.

شنت المعارضة السورية هجوماً على روسيا، تلك الدولة التي لم تترك فرصة لدعم النظام السوري منذ أربع سنوات وحتى اليوم إلا واستغلتها، وحذّرت من هذا التدخل واعتبرته عدواناً واحتلالاً وشراكة للنظام في قتل الشعب، وهددت بعض الفصائل المسلحة الأكثر تشدداً بأنها ستشنّ حرباً مفتوحة ضد القوات الروسية في سورية.

لم يكن هذا التدخل هو المفاجأة الوحيدة المتعلقة بالشأن السوري، فخلال الأيام التي تلت التدخل العسكري الروسي العلني فجّر زعماء أوربيون وإقليميون قنبلة سياسية ثانية، حيث أعلنوا عن موافقتهم على أن يكون بشار الأسد جزءاً من مرحلة انتقالية في إطار حل للأزمة السورية.

ارتبكت المعارضة السورية كثيراً، وكل ما رأته أن دول العالم بدأت تخذل السوريين، وجزمت بأن الرئيس الأمريكي فاشل وسياسته متهالكة، وأن أوروبا مستسلمة، ولم ينج زعيم من زعماء هذه الدول من انتقاد المعارضة، وبرعت في الانتقاد و(الشتم) دون أن تُقدّم بدائل أو خططاً لمقاومة هذا التدخل أو لعكس نتائجه، ولم تلعب سوى دور الضحية التي تنتظر مصيرها الذي لا تتحكم فيه.

لكن، في واقع الأمر، يبدوا أن هناك سيناريو آخر غير الذي تفترضه المعارضة السورية، حيث تجمعت جملة قضايا ومعطيات تؤكد على أن مسار الأزمة السورية بدأ يتغير، لكن ليس بالضرورة لصالح النظام السوري، ويمكن تمييز المعطيات بنوعين، معلومات وتحليلات.

على صعيد التحليل، يمكن الجزم بأن التدخل الروسي في سورية أتى بضوء أخضر أمريكي، فلا يمكن لروسيا أن تتحرك في هذا الملف الدولي عالي الحساسية والأهمية دون تنسيق مع العم سام، الحاوي صاحب صندوق (باندورا) القادر على استخدام الكثير من أوراق الضغط التي يملكها ضد روسيا، فالشرق الأوسط ليس مجالاً للمساومة الأمريكية التي لم ولن تتخلى عن جوهرة التاج، وهذا التنسيق الأمريكي بدا واضحاً حين أعلنت الولايات المتحدة أنها على اطلاع على الضربات الجوية الروسية قبل انطلاقها.

كذلك تفاعل أوربا مع الحدث كان سريعاً وإيجابياً بشكل ملفت، وبما أنها ليست بوارد تغيير مواقفها واستراتيجياتها أو آرائها السياسية إلى عكسها، فإنها حُكماً وافقت على التحرك الروسي لأنه وصلتها خريطة طريق مناسبة لا تتناقض مع مواقفها الصلبة ضد النظام السوري.

أما إقليمياً، فيمكن الوصول لنتائج مشابهة، فإسرائيل اتُفقت مع روسيا على تشكيل فريق عسكري رفيع المستوى للتنسيق، وتؤكد العلاقة العضوية الوثيقة بين إسرائيل والولايات المتحدة على أن الأولى تلقّت تطمينات أمريكية واضحة المعالم هدّأت من ارتيابها وشكوكها، وبالعموم تنسيق روسيا عسكرياً مع إسرائيل بجوهره هو تنسيق مع أمريكا.

أما إيران فيبدو أن صمتها تعبير عن قلقها أو شعورها بأن نفوذها داخل سورية آخذ للاضمحلال، فالكرملين نفى وجود مركز تنسيق عسكري بين روسيا وإيران وقوات الأسد وفق ما حاول إعلام النظام الترويج له، على الرغم من أن الكرملين عادة لا يرد بيانات رسمية على تسريبات إعلامية، لكنّه تأكيد روسي على أنها تلعب لعبتها في سورية وحدها دون إيران، وهذا يعني بالتالي أن النظام السوري على طريق خسارة أكبر حليف طائفي له.

هذه المعطيات (المعروفة عموماً) غير كافية لاستقراء جوهر القرار الروسي للتدخل في سورية عسكرياً، ويبدوا أن هناك في (الكواليس) ما يُكمّل المشهد، ويجب معرفته لفهم مآلات التدخل الروسي ولصالح أي خاتمة سيكون هذا التدخل.

مصادر أوروبية متعددة تحدّثت عن معلومات منسجمة ومتقاطعة، تؤكد على أن الولايات المتحدة وروسيا يتفاوضان بهدوء مع ضباط منشقين عن النظام لتشكيل مجلس عسكري مشترك، من المعارضة والجيش، الجيش وحده وليس ميليشيات النظام المنفلتة مختلفة التسميات، يُشرف على القوات العسكرية والأمنية لكلا الطرفين، على أن تكون القيادة والقرارات مشتركة بالكامل، ويسبق تشكيل هذا المجلس خطوات تمهيدية ضرورية، على رأسها تحجيم التواجد الإيراني، وخروج حزب الله، وحل ميليشيات طائفية أسسها النظام، وضرب كتائب متشددة تقف عائقاً في وجه هذا التوجّه.

مثل هذا المجلس العسكري إن تم تشكيله يمكن أن يفرض الأمن في الأماكن التي يسيطر عليها الطرفان، ثم ينتقل بالتدريج للمناطق الأكثر تعقيداً وصولاً لعقر دار تنظيم الدولة الإسلامية، وأن يترافق كل ذلك مع العملية السياسية وفق الخطة الأممية، على أن لا يتدخل المجلس العسكري بالشأن السياسي إلا لضبطه وضمان سويته وعدم خرق القرارات النهائية.

إن كانت هذه المعلومات صحيحة، فهذا يعني أن هناك نيّة لحل الأزمة على الطريقة (النيو) أمريكية ـ روسية بأدوات روسية، وإن لم تظهر أي بوادر للخطوات التمهيدية، فهذا يعني أن روسيا ورطت نفسها بأزمة دولية مستعصية ستجلب لها وللنظام الذي تدعمه مشاكل لا محدودة على المدى القريب والبعيد.

المدن

 

 

 

السلاح الروسي لدمشق هو للعرض فقط/ لؤي حسين

من غير الواضح معرفة كيف كانت ستسير الأمور في سورية لو أن روسيا اتخذت موقفاً مختلفاً من النظام منذ البداية، وكيف كانت ستكون موازين الأمور بينها وبين الولايات المتحدة لو أنها سبقتها في الضغط على النظام ودفعته باتجاه تجاوب إيجابي مع مطالب المحتجين. فهل كان الأميركيون سيأخذون الموقف الروسي الحالي الداعم للنظام؟

لا أعتقد أنه توجد إجابات وافية تفيد بتفسير سبب اختيار موسكو دعم الأسد والقبول منذ البداية، وقبل أن يتفاقم الوضع ويتحول إلى أزمة دولية وإقليمية، بأن يحرق المتظاهرون علمها في الشوارع السورية. ولا أستطيع الحسم إن كانت موسكو أخطأت بموقفها هذا أم أنه لم تكن أمامها خيارات أخرى، أم أن الأمر ناجم عن طبيعة قيادتها غير الداعمة للخيارات الديموقراطية والحرّويّة، لكن ما أعتقده في شكل جازم الآن أنها شبه مجبرة على التقدم بقوة لدعم الأسد وإن لأسباب مختلفة.

تشغل الإمدادات العسكرية الروسية الأخيرة للنظام السوري بال الكثيرين، فينظر إليها أغلب المحللين والكتاب الصحافيين، إن كانوا موالين للنظام أو غير موالين أو معارضين، على أنها تتعدى حالة الدعم إلى التواجد الصريح للجيش الروسي على الأراضي السورية. ويتوافق هؤلاء جميعاً على أن هذا التحرك دليل انتصار ساحق لروسيا على الولايات المتحدة، وإن كانوا يختلفون قليلاً أو كثيراً في تفسيره. فالمؤيدون يرون عنوانه «تحالف ٤+١ لمواجهة الإرهاب» (روسيا وسورية وإيران والعراق + «حزب الله»)، وأنه الحدث «الأبرز في الإقليم والعالم منذ سنوات عدة»، وأنه يأتي الآن بعد أن ضاق صدر موسكو من تسويفات واشنطن لحل الأزمة السورية، وبعدما أدركت أنها «ليست في وارد التقدم خطوات جدية نحو الحل، وأنها تواصل المحاولات لقلب الوقائع الميدانية بحثاً عن مكاسب سياسية كبرى». ويتصور هؤلاء، ويصورون لنا، الواقع على أن روسيا جاءت لتمرغ أنف الولايات المتحدة مع «حلفها الدولي والإقليمي السعودي – التركي – القطري – الأردني» وأنف المجموعات الإرهابية.

المحللون والكتاب الصحافيون المعارضون وغير الموالين يرون سبب هذا الانتصار هو إحجام واشنطن عن التدخل في الموضوع السوري، بل تخاذلها فيه، وانكفاؤها عن إدارة منطقة الشرق الأوسط، ما أتاح لموسكو أن تنتهز الفرصة بحِرفية متناهية مستغلة الاتفاق النووي، فارضة نفسها بقوة كسيد مطلق للشؤون السورية والملفات الإقليمية الملحَقة بها. هذا، على رغم أن بعضهم يعتبر أن ذلك يتم عبر توافق أميركي روسي لم ينقطع طيلة عمر الأزمة السورية.

سأتجرأ هذه المرة أيضاً وأخالف شبه الإجماع حول هذا الرأي المتعلق بالشأن السوري. فمن وجهة نظري لم تلحظ موسكو، ولا الكثيرون غيرها، أن النظام السوري تغير كثيراً منذ الانتخابات الرئاسية الزائفة التي أجراها بداية صيف العام الماضي، وأن بشار الأسد، الذي كان متألماً من تهمة وراثة السلطة عن أبيه وأن شرعيته تأتي من كونه ابن أبيه فقط، تمكن أخيراً من تحقيق شرعية انتخابية. وحتى لو كانت زائفة فقد اعترفت بها روسيا، فأشعرته أنه اكتمل كرئيس أو أنه صار رئيساً بالغاً، وأنه حقق ما لم يحققه أبوه.

توجهت روسيا نهاية الخريف الماضي لتحريك الملف السوري بغاية تحقيق تقدم ما يمكنها أن تعرضه للمقايضة مع الولايات المتحدة كي تتمكن من تخفيف العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية التي فرضتها عليها الدول الغربية نتيجة مسألة أوكرانيا، فكان أن أعلنت عن عقد مؤتمر تحت رعايتها لأطراف الأزمة السورية قبل أن تستشير النظام السوري الذي كان غير مطواع لها كما كان إبان مسألة الأسلحة الكيماوية، حيث فرضت عليه تسليم سلاحه هذا وضمِنت ذلك لواشنطن التي لم تشكك بكمية السلاح المعلنة أو بمواقعه، فانخفض مستوى المؤتمر ليصبح مجرد منتدى.

النظام السوري ورقة مهمة جداً بالنسبة الى موسكو، لهذا لن تتخلى عنها بسهولة نتيجة تحول النظام إلى «ولد عاق». فقد عاودت المحاولة لعقد منتدى ثانٍ بغاية مختلفة قليلاً عن الأول، وهي إنتاج ما تتجاوز به وثيقة جنيف لتعود طرفاً رئيسياً في عملية الحل السياسي بعد أن فقدت بعضاً من وزنها فيها جراء هزائم قوات النظام الكبيرة في مواقع رئيسة. لكن تجاوب النظام كان أشد وقاحة وجلافة هذه المرة، فلم يقبل الحضور إلا بعد أن استجابت موسكو لشروطه، بخلاف الحال في مؤتمر «جنيف -٢» حين فرضت عليه الحضور وتدخلت بتشكيلة الوفد، بل حمّلته فكرة أن تكون المحادثات بهدف مواجهة الإرهاب أولاً. لكن هذا المنتدى فشل أيضاً.

حاجة موسكو الكبيرة لفك العزلة عنها والتخفيف من العقوبات الاقتصادية تفرض عليها تقليب أوراقها واستخراج أفكار جديدة منها لتتمكن من نيل حاجتها، فوجدت في داعش وتمددها بعيداً خارج سورية والعراق، وإخفاق التحالف الأميركي بالحد من هذا التمدد، مدخلاً مهماً لتثقيل وزنها الدولي. فتقدمت بالمعادلة الصحيحة: لا يمكن الاكتفاء بمواجهة داعش برياً في العراق فقط، ولا بد من مثل هذه المواجهة على الأراضي السورية، ومن يريد مواجهة داعش عليه التحالف مع النظام السوري الذي يمتلك أكبر قوات برية لديها أسلحة نوعية وحديثة بدأت تستلمها من روسيا، التي أصبح رئيسها يكرر دعمه العلني للرئيس الأسد بعد أن كانت سلطته توارب بعبارة أنها ليست متمسكة بالأسد. فالأسد الآن وفق بوتين ووزير خارجيته، صاحب السلطة الشرعية، ومتماهٍ مع المؤسسة العسكرية والأمنية التي يحرص الغرب وحلفاؤه على عدم انهيارها، وبالتالي لا عيب من التحالف معه، بل من الضروري إقامة هذا التحالف.

إذاً وفق هذا الرأي فإن الدعم العسكري الروسي الأخير للنظام السوري هدفه حصراً استعادة الهيمنة الروسية على النظام وعلى إرادته وقراراته، من خلال إظهاره ممتلكاً لهذا السلاح الجديد كقوة رئيسة في مواجهة داعش، فتتحكم به من خلال تهديده بإيقاف مدّه بالسلاح، أو إيقاف العمل به لأنه سيبقى تحت تصرف الخبراء الروس.

من المستبعد في شكل شبه مطلق أن تُقدِم روسيا على زج قوات برية لها في الأراضي السورية، لأن ذلك سيثير غضب العديد من الدول، ولا أعتقد أن لروسيا مصلحة الآن بلعب دور الدولة المارقة في مواجهة المجتمع الدولي. بل أعتقد أنها ستبرر للدول القلقة من تحركاتها هذه قائلة إن ما تقدمه مجرد أسلحة لدعم القوات البرية السورية كي تتمكن من الاحتفاظ بمواقعها خشية أن يستولي عليها «داعش»، وذلك ليس لمصلحة أحد، وأنها تتكفل بحصر استخدام هذا السلاح بمواجهة «داعش» فقط، من دون استخدامه بتاتاً في مواجهة أي مجموعة أخرى. لكن لا أظن أن مثل هذا التعهد يمكن أن يكون كافياً لواشنطن، فمقاتلة «داعش» ليست مباحة لأي طرف، والمجال ليس مفتوحاً للسباق في مقاتلته، لهذا سيتركز التفاوض الروسي – الأميركي على تحديد المناطق المتاحة لاستخدام الأسلحة الروسية الجديدة التي بدأت بالوصول الى النظام السوري.

في المحصلة لن يكون هذا السلاح إلا للعرض فقط وليس لتمكين النظام السوري من مواجهة الأطراف الأخرى ما عدا «داعش». ومع ذلك فهو سيكون سبيلاً لتمكّن موسكو من امتطاء النظام السوري مجدداً وترويضه جيداً هذه المرة ليكون صالحاً للعرض في ساحة الصراع الروسي – الأميركي. وهذا سيجعل موسكو قادرة، خلال فترة ليست طويلة، على المضي قُدماً لعقد تسوية في الملف السوري تجني ثمارها في الموضوع الأوكراني. بمعنى أنه سيكون بمقدور موسكو حينها تقديم مصير الأسد لمن يريده.

وكيفما كان الأمر فهو ليس تفويضاً أميركياً لروسيا في الموضوع السوري، وليس إخلاء للساحة لموسكو، بل «أفترض» أن واشنطن تخطط جدياً لضبط مسارات الصراع في سورية وجعلها تحت السيطرة.

* رئيس تيار بناء الدولة السوريّة

الحياة

 

 

 

التدخل الروسي في سورية ضربة للسعودية/ محمد صبرا

تتباين التحليلات بشأن دلالات التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية ونتائجه، فمنها ما يرجعه إلى صراع خفي روسي إيراني، ومنها ما يفسره، أنه يتعلق بمحاولة روسية الحفاظ على مصالحها، بل يذهب بعضهم إلى أن الوجود الروسي المباشر على الأرض السورية قد يكون مقدمة لتقسيمها.

تنطلق جميع هذه التحليلات من رؤية واحد من عناصر المشهد السوري. لكن، هناك جانب آخر للتدخل الروسي، يجب النظر إليه، فهذا التدخل يأتي في ذروة صراع كبير بين القوى الإقليمية، لتحديد مجالات النفوذ التي يسمح بها السيد الأميركي الذي ما زال ممسكاً بالخطوط المتصارعة كلها. ومن هنا، يمكن النظر إلى التدخل الروسي باعتباره واحداً من وجوه الخلاف الأميركي السعودي، فهذا التدخل جاء، بشكل أساسي، لسحب أي إمكانية لتفعيل الدور السعودي في سورية.

فالمملكة التي كانت، ولا تزال، تعتبر نفسها صديقة للولايات المتحدة، تلقت ضربة استراتيجية كبيرة، عندما تم التفاهم الأميركي مع إيران على ترتيب بعض ملفات المنطقة، بمعزل عنها، فقد شعرت أنها ليست حليفاً للأميركان، وإن كانت صديقة لهم، بينما وقفت إيران حليفة لأميركا من دون أن تكون صديقة. لعبت هذه الثنائية التي حكمت العلاقة متعددة الأطراف بين الولايات المتحدة وإيران والسعودية دوراً كبيراً في ملفات المنطقة، ولا سيما في الملفين اليمني والعراقي اللذيْن شهدا تبايناً أميركياً سعودياً في سبل الحل وشكله.

حاولت المملكة أن تقول للأميركيين، إنها قادرة على إيجاد أصدقاء آخرين، يمكن الاعتماد عليهم، فتمت دعوة الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، إلى حضور أعمال قمة مجلس التعاون الخليجي في مايو/أيار من هذا العام، وتوقيع اتفاقيات عسكرية مع فرنسا، كذلك حاولت السعودية التوجه باتجاه روسيا، لتعميق العلاقات معها، في شتى المجالات، ومنها المجال العسكري، لكن نقطة الخلاف الرئيسية بين المملكة وروسيا كانت بشأن الدور الإيراني في المنطقة، ففي الوقت الحالي، ليست روسيا مستعدة لبيع إيران، وبالتالي بشار الأسد، خصوصاً في ظل التقارب الأميركي الإيراني الذي تجد روسيا نفسها فيه مضطرةً للحفاظ على علاقات قوية مع إيران، لموازنة العلاقات الأميركية الإيرانية.

وتدرك المملكة جيداً أن نفوذ إيران في سورية سيشكل خطراً كبيراً عليها، إذا ما استمر في

“هل ستستطيع دول المنطقة، ولا سيما السعودية، استيعاب التدخل الروسي، وتحويله إلى قوة ضغط على الأسد؟” المستقبل. ولهذا السبب، كانت تصريحات مسؤوليها واضحةً لجهة ضرورة رحيل بشار الأسد، بحل سياسي أو عسكري. هذا الموقف، وإن تم التعبير عنه بشكل أكثر حسماً في الآونة الأخيرة، قيل سابقاً بطرق أخرى، فقمة مجلس التعاون الخليجي، في الرياض في مايو/أيار الماضي، كانت واضحة جداً في ما يتعلق بمصير بشار الأسد، فقد دعت إلى عقد مؤتمر للمعارضة، لبحث ترتيبات ما بعد الأسد. لم يعقد المؤتمر لأسباب كثيرة، لكن من الواضح أن الولايات المتحدة لم تكن راضية عن عقده، وفي الوقت نفسه، أحالت النقاش السعودي معها حول مصير بشار الأسد إلى روسيا، حتى لا تظهر أنها تمنع أي آلية تفضي إلى رحيله.

وجاءت تصريحات وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، الحاسمة لتربك السياسة الأميركية التي اعتمدت في الأعوام الماضية على عدم اتخاذ أي إجراء جدي يجبر بشار الأسد على الرحيل. ولهذا السبب، سمحت الولايات المتحدة لروسيا بالتدخل، لأنه سيحقق لها فوائد كثيرة، منها قطع الطريق على أي تقارب روسي سعودي في المستقبل، من خلال الاصطدام السياسي بينهما في سورية، فالمملكة تجد نفسها، الآن، في وضع سيئ، فالروس أعلنوا، بصراحة، أن تدخلهم سيؤدي إلى حل يبقي بشار الأسد فترة كافية، للقضاء على تنظيم داعش، ومن ثم يتم بحث خيارات الانتقال السياسي في سورية. وهذا يعني، بالضرورة، الضغط على السعودية التي أعلنت أن بشار يجب أن يرحل، بغض النظر عن الطريقة، ما سيجعل السعودية تقف أمام خيارين، التراجع عن موقفها والقبول ببقاء بشار فترة تكفي لاعتباره شريكاً في محاربة داعش، وهذا سيظهرها بمظهر الدولة الإقليمية العاجزة والضعيفة، أو المضي في خيارها الذي تحدثت عنه، وهذا سيؤدي إلى الاصطدام المباشر بروسيا. بالتالي، يأتي التدخل الروسي المباشر في هذا السياق، بعد القمة الأميركية السعودية، والتي صرّح مسؤولون سعوديون إنها لم تكن ناجحة بالشكل الذي كانوا يريدونه.

أدركت الولايات المتحدة أنها أمام فرصة سانحة لتوريط الروس في المنطقة، باستغلال “المراهقة القيصرية” التي تعيشها روسيا بوتين، في هذه الأيام، وكذلك وجدت موسكو في السماح الأميركي، أو عدم الممانعة الجدية في تدخلها، الفرصة لإيجاد وسائل قوة على الأرض في الملف السوري، فطوال الفترة الماضية، كانت روسيا تدرك أنها لا تملك وسائل ضغط حقيقية على نظام بشار الأسد، وكثيراً ما كان المسؤولون الروس في الغرف المغلقة يقولون لوفود المعارضة التي تزور موسكو: “لا نملك أن نقول لبشار تنحّ، لأنه لن يسمع كلامنا”. وبنزول الروس على الأرض، سيصبح لديهم عامل جديد من عوامل الإمساك ببعض تفاصيل الملف السوري، وربما تكون هذه الاعتبارات هي التي دفعت الروس إلى اتخاذ القرار بالتدخل في هذا الوقت.

يبقى السؤال الرئيسي: هل ستستطيع دول المنطقة، ولا سيما السعودية، استيعاب التدخل الروسي، وتحويله إلى قوة ضغط على الأسد؟ هذا ممكن، إذا تم تفعيل قرارات جامعة الدول العربية الخاصة بالمسألة السورية، وهذا يتطلب من السعودية حركةً دبلوماسيةً نشطة، ضمن جامعة الدول العربية، لعزل المحور الموجود ضمن الجامعة، والداعي إلى التفاهم مع بشار الأسد، هذا المحور الذي يمثله، الآن بكل وضوح، مصر عبد الفتاح السيسي، بتفاهم ضمني مع الجزائر، وموقف ملتبس من الإمارات.

بعد عزل هذا المحور، والحد من تأثيره على قرار جامعة الدول العربية، لا بد من إعادة الحياة إلى دور الجامعة، وفق قرارات المجلس الوزاري العربي وقرارات القمة العربية، ولا سيما قمتي الدوحة في 2013 والكويت في 2014. لقد توجس المرحوم سعود الفيصل من التعنت الروسي في القمة التي عقدت في القاهرة في 2015، ومداخلته في الجلسة الختامية عن الموقف الروسي لا بد من استذكارها من المسؤولين السعوديين اليوم، فما تزال الفرصة سانحةً لتشكيل حلف عربي قوي، قادر على تحويل التدخل الروسي إلى أداةٍ يمكن استثمارها في الضغط على الأسد، لا أن يبقى هذا التدخل أداة ضغط على السياسات العربية الداعية إلى رحيله.

بات العمل العربي المشترك ضمن الثوابت التي وضعتها جامعة الدول العربية حول القضية السورية ضرورة ملحةً من أجل إعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية في المنطقة، بحيث يؤدي، في النتيجة، إلى بناء مفهوم عربي للأمن الإقليمي، يشمل الإقليم كله، تكون فيه دول المنطقة فاعلة، وليست متلقية لسياسات الولايات المتحدة ورؤيتها لملفات المنطقة الساخنة، وهذا فقط هو الكفيل بتحجيم الدور الإيراني الذي بات خطراً حقيقياً، يدق أبواب أكثر من عاصمة.

العربي الجديد

 

 

 

 

المأزق الروسي/ علي العبدالله

يبدو أن الرئيس الروسي قد وقع في فخ واستدرج إلى المستنقع السوري، فهو، يدري أو لا يدري، أمام خيارين:  العمل بالاتفاق مع الولايات المتحدة وتحت سقف شروطها أو الانخراط في صراع مديد يستنزف مقدرات بلاده الضعيفة أساسا ينتهي بهزيمة عسكرية.

كيف ذاك؟.

جاء التحرك العسكري الروسي على خلفية كسر توازن القوى في الصراع السوري لدفع الإدارة الأمريكية إلى الدخول في مساومة شاملة تربط بين الملفات العالقة بين الطرفين من الدرع الصاروخية(كانت رأت انتهاء مبررات نشره في ضوء الاتفاق النووي الإيراني، حيث كانت واشنطن تربط نشره بالنشاط العسكري الإيراني وتطويرها للصواريخ بعيدة المدى، وقد ساعدت موسكو في العمل على عقد الاتفاق، لكن واشنطن تجاهلت ذلك وتمسكت بنشر الدرع)، إلى ملف أوكرانيا إلى وقف عزلها ومحاصرتها واستنزافها هناك ورفع العقوبات التي انعكست سلبا على وضعها الاقتصادي، وعلى مستوى معيشة المواطنين( انكماش مع تضخم وانهيار سعر صرف الروبل إلى مستويات غير مسبوقة رفعت الأسعار) فأثارت توترات اجتماعية وخلفت حالة احتقان مقلقة.

غير أن الإدارة الأمريكية التي لا تقبل بروسيا ندا لها في الساحة الدولية ولا تريد إضعافها إلى حد تقع فيه في أحضان الصين، منافسة أمريكا الصاعدة، رأت في الخطوة فرصة يمكن استثمارها لإحراج روسيا ودفعها إلى القبول بالعمل معها في حل الملفات الدولية والإقليمية من موقع الرديف، حتى لا نقول التابع، فشجعتها على التوسع في تحركها باعتماد تكتيك ديتولي(الجنرال الروسي باركلي ديتولي الذي انسحب أمام قوات نابليون الزاحفة إلى روسيا لاستدراجها إلى ثلوجها واستنزافها بالبرد والجوع والتعب قبل المعركة، مات من جيش نابليون 100 ألف قبل المواجهة المباشرة) عبر رد الفعل الضعيف بالتعبير عن القلق والضغط لتحويل طرق نقل الأسلحة والقوات إلى سوريا لرفع فاتورة العملية قبل أن تكشف عن مطالبها من هذه القوات “التعاون” شرط ألا تشمل العمليات الروسية كل خصوم النظام السوري، وفق إعلان وزير الدفاع الأمريكي، ما يعني تحديد طبيعة التحرك وسقفه والعمل تحت المظلة الأمريكية وبشروطها. وهذا وضعها أمام تحد دقيق وخطير: فتح ساحة مواجهة جديدة واستنزاف إضافي، في حين كان هدفها التخلص من حالة استنزاف قائمة، أو الخضوع للشروط الأمريكية وقبول الهزيمة قبل بدء المعركة ؟. وهو تحد صاعق للرئيس الروسي في ضوء طبيعته ونمط شخصيته الذي”لا يتحمل الظهور بمظهر الإنسان الذي يمكن أن يتراجع إلى الوراء، ويحرص على عرض كل ما يستطيعه من الإيحاءات الدالّة على الفوز والانتصار، وكثيرا ما كانت التحديات التي يواجهها عالية التكلفة، وسوف تواصل تكلفتها الارتفاع من دون توقف”، وفق وصف سفير بريطانيا في موسكو بين عامي 2000 و2004 السير رودريك لين له ( في تقرير نشره المعهد الملكي البريطاني للعلاقات الدولية تحت عنوان “التحدي الروسي”)، ورأى انه “بات من الضروري لبوتين أن يقنع الشعب الروسي بأنه يخوض معركة حياة أو موت”. ما جعل المأزق الروسي كامل الأوصاف، خاصة وان”أن الغرب لا يمكنه التراجع أيضاً عن مواقفه. ولهذه الأسباب، لم يبقَ إلا القليل من الطرق للتوصل إلى حلّ للصراع الدائر بين طرفين متصلّبين في مواقفهما”، وفق تقدير جيمس شير، مدير “برنامج روسيا وأوراسيا” في مركز “شاتهام هاوس للعلاقات الدولية، وهذا ما أكده الرئيس الأمريكي باراك اوباما في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بالأمس حيث انتقد الموقف الروسي من الصراع السوري ودعوة موسكو إلى “دعم مستبدين كبشار الأسد الذي يلقي البراميل المتفجرة لقتل الأطفال الأبرياء لأن البديل أسوأ بالتأكيد”، وتأكيده على موقفه الثابت في سوريا بقوله:”ان التزامنا النظام الدولي يخضع لاختبار أكبر في سوريا”، وأنه “عندما يذبح ديكتاتور عشرات الآلاف من أبناء شعبه، فإن الأمر لا يتعلق بالشؤون الداخلية لدولة ما، لأنه يولد معاناة إنسانية تؤثر علينا جميعاً”. وجزمه أن”لا يمكن العودة، بعد سفك الكثير من الدماء، الكثير من المذابح، إلى الوضع الذي كان قائما قبل الحرب”، وأن “الأسد وحلفاءه لا يمكنهم تهدئة الغالبية الساحقة من السكان الذين عوملوا بوحشية بالأسلحة الكيميائية والقصف العشوائي”. وأن “الواقعية أيضاً تتطلب انتقالاً منظماً بعيداً من الأسد في اتجاه زعيم جديد، وحكومة جامعة تعترف بأنه يجب إنهاء هذه الفوضى كي يتمكن الشعب السوري من مباشرة إعادة البناء”. وانتقد التحرك الروسي بصراحة ووضوح قال:”إننا نرى بعض القوى الكبرى تؤكد وجودها بطرق تخالف القانون الدولي، ونرى تآكلا لمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتبرر ذلك بقولها إن التعزيزات التي تقوم بها مطلوبة للتصدي للفوضى، وإنها السبيل الوحيدة للقضاء على الإرهاب، وبهذا المنطق تقول إنه يجب علينا أن ندعم طغاة مثل بشار الأسد الذي يسقط براميل متفجرة لقتل الأطفال الأبرياء لأن البديل لذلك أسوأ” وألمح إلى استعداده لاستخدام القوة لتحقيق مصالح أمريكا والدفاع عن حلفائها قال:”إنني كرئيس للولايات المتحدة أدرك الأخطار التي نواجهها، وهي على مكتبي كل صباح، وأنا أقود أقوى جيش في العالم ولن أتردد في حماية بلدي أو حماية حلفائنا، من جانب واحد وبالقوة إذا لزم الأمر”، وأعلن عن رفضه الربط بين التحرك العسكري الروسي في سوريا والوضع في أوكرانيا قال:”لدينا مصالح اقتصادية قليلة في أوكرانيا وندرك التاريخ العميق والمعقد بين روسيا وأوكرانيا، لكننا لا نستطيع الوقوف صامتين عندما تنتهك سيادة دولة بشكل صارخ، وإذا حدث ذلك دون عواقب فإنه يمكن أن يتكرر في أي دولة أخرى”. وتحت هذا السقف أبدى استعداده للعمل مع روسيا وإيران لحل الصراع في سوريا.

لقد بات الرئيس الروسي أمام خيار قاتل: أن يبقى في حدود الانتشار الحالي ويبقى هدفه الوحيد حماية قاعدته في طرطوس فيجهض هدف تحركه العسكري أو يتحرك خارج حدود الساحل ويعمل على استعادة النظام للمناطق التي خسرها في ادلب وتدمر ويحصن العاصمة فيصطدم بالمعارضة السورية وداعميها فتتحرك أمريكا وحلفاؤها لردعه واحتواء تحركه عبر دعم المعارضة بأسلحة متطورة لمواجهته وإلحاق الهزيمة به.

المدن

 

 

 

أوباما يخيّـر بوتين بين «صفقة» سورية… و«أفغانستان جديدة/ إبراهيم حميدي

التصعيد العسكري الروسي أعاد «الملف السوري» إلى رأس جدول أعمال الدول الكبرى وأعاد خيارات عدة الى الطاولة. القراءة الأولية في عواصم غربية لخطوة الرئيس فلاديمير بوتين كانت مرتبكة. استدعى ذلك تنسيقاً بين الدول الغربية الداعمة للمعارضة السورية عبر جولة قام بها وزير الخارجية جون كيري ولقاءات اوروبية وإقليمية – غربية قبل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وقمة الرئيسين بوتين وباراك اوباما.

أسفرت هذه الاتصالات عن افكار رفعت الى اوباما كي يضع بوتين بين خيارين: الانخراط والعمل معاً بحثاً عن حل سياسي بالتوازي مع تحالف ضد «داعش» او الاستعداد للتصعيد العسكري واحتمال تحويل سورية الى «افغانستان جديدة» لروسيا.

يقوم الخيار الأول على تقديم «صفقة كاملة» تتضمن ثلاثة عناصر سياسية وأمنية وعسكرية تنطلق من تفاهم أميركي – روسي مدعوم من الدول الإقليمية الحليفة لكل طرف. يتضمن «تجميد» الصراع ورسم خطوط القتال وتعريفها بحيث تضغط موسكو على النظام لوقف «البراميل المتفجرة» على المدنيين ومناطق المعارضة و «وقف العمليات الهجومية» من قوات النظام ومقاتلي المعارضة وإبقاء كل طرف في مكانه. ويسمح هذا الأمر بإدخال المساعدات الإنسانية وترميم البنية التحتية وإعادتها، اضافة الى ظهور قيادات محلية ضمن سياق يسمح لها بالمشاركة في انتخابات محلية وبرلمانية لاحقاً.

العنصر الثاني في هذه «الصفقة»، التفاهم على «الانتقال السياسي» ما يتضمن بقاء الرئيس بشار الأسد «خلال مرحلة التفاوض» التي يمكن ان تستمر حوالى ستة أشهر قبل بدء «المرحلة الانتقالية» التي تستمر حوالى سنتين، يجري فيها تشكيل «هيئة انتقالية بصلاحيات واسعة» تشرف على مؤسسات الجيش والأمن، مع إصلاح وإعادة هيكلة ودمج فصائل معارضة، من منطلق البناء على «تجميد» القتال وازدهار الخيارات المحلية. هنا جرت مناقشة افكار عدة للمزاوجة بين مقاربتي من «تحت الى فوق» و «من فوق الى تحت». اقصى حد من اللامركزية من دون الوصول الى التقسيم. بقاء القوات النظامية في اقليم يمتد من دمشق الى الساحل ووجود للمعارضة في مناطق اخرى. وتقاسم النظام والمعارضة لحلب. وكيفية وجود ممثلين لكل الأطراف في دمشق وحلب، لمنع تكريس التقسيم… رمزياً.

يتعلق العنصر الثالث، بتشكيل «حلف ضد داعش» عبر المرور من مجلس الأمن، بحيث يتضمن تعاوناً أميركياً – روسياً في هذا الحلف «من دون ان ينص صراحة على شراكة مع القوات النظامية»، بل ان تجرى الإشارة الى الاكتفاء بتعاون كل طرف «مع شركاء محليين». وفي هذا التفاهم، تجرى المزاوجة بين الاقتراح الروسي لإصدار قرار دولي وتوسيع القرار ليشمل هذه العناصر الثلاثة والهروب من سعي موسكو إلى «شرعنة الجيش النظامي بوضعه الحالي».

ضمن هذا السيناريو، تأتي اجتماعات اللجان الأربع التي اقترحها المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا واقتراح تشكيل «مجموعة اتصال» دولية – اقليمية للاتفاق على المبادئ السياسية التفصيلية، وتقديم مقترحات عملية لترجمة هذه التفاهمات الأميركية – الروسية ومخرجاتها دولياً وإقليمياً في تصورات تفصيلية للمرحلة الانتقالية بكل العناصر والآليات العسكرية عبر خطوط القتال.

ويُعتقد بأن تصريحات مسؤولين غربيين مثل رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كامرون والمستشارة الألمانية أنغيلا مركل وإقليميين مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول بقاء الأسد في بداية المرحلة الانتقالية كانت جزءاً من الإشارات الموجّهة إلى بوتين قبل اجتماعات الجمعية العامة، خصوصاً ان هذه التصريحات جاءت بعد جولة كيري ولقاءاته الأوروبية. كما أن أوباما أبدى استعداداً للعمل مع روسيا وإيران لحل سوري مع معرفته ان اميركا «تدرك» عدم قدرتها على حل مشاكل العالم وحدها. عملياً، أقدمت الدول الداعمة للمعارضة على خطوة أخرى تمثلت في «تجميد» معركة السعي إلى السيطرة على درعا البلد، كي تكون إشارة إلى موسكو بوجود هرمية للقرار في «الجيش السوري الحر» في الجنوب وقدرة غرفة العمليات الغربية في الأردن على ضبط عمليات «الجيش الحر»، اضافة الى التلويح بـ «تجميد» برنامج تدريب المعارضة المعتدلة ضد «داعش». أكثر من إشارة للفت انتباه بوتين للرقص معاً.

الخيار الثاني، الذي درسته دول غربية بالتنسيق مع واشنطن، يقوم على احتمال فشل خيار الانخراط مع بوتين، أي التصعيد العسكري. فرض منطقة آمنة في شمال سورية كأمر واقع من مقاتلات التحالف الدولي – العربي مع احتمال توسيعها لتشمل مدينة حلب ومناطق في ريف ادلب، اضافة الى منطقة مشابهة في جنوب سورية قرب حدود الأردن. ولم تكن صدفة ان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند اكد لرئيس الوزراء التركي احمد داود اوغلو دعم خيار المنطقة الآمنة. وفي حال تعذر ذلك، يطرح خيار «منطقة حظر القصف»، ما يعني استخدام معدات عسكرية في البحر المتوسط لتوجيه ضربات الى اي طائرة او مروحية تقصف مناطق المعارضة شمال سورية. في هذا ايضاً، استعداد عسكري للذهاب الى تصعيد مشابه لما حصل بعد التلويح بالخيار العسكري بعد استعمال السلاح الكيماوي نهاية ٢٠١٣.

كما اقترحت بعض الدول رفع مستوى دعم المعارضة وتزويدها «اسلحة نوعية» كانت محظورة منذ فترة. وطرح في احد الاجتماعات موضوع «الإفادة من تجربة أفغانستان»، في إشارة الى تسليم صواريخ «ستينغر» لمقاتلين أفغان لإسقاط مروحيات الاتحاد السوفياتي. وجرى تداول مقترحات لزيادة موازنة ودعم البرنامج السري الذي تشرف عليه «وكالة الاستخبارات الأميركية (سي أي ايه) في دعم المعارضة السورية. حصل هذا التداول مع إدراك الحذر الروسي بعدم الرغبة في نشر قوات برية في سورية… وتجنب مهمة انزلاقية وتصاعدية.

وبالنسبة إلى قتال «داعش»، يعني فشل الانخراط استمرار أميركا بقيادة التحالف وشنّ عمليات في شمال سورية وشمالها الشرقي واحتمال بدء روسيا بشن غارات على مناطق اخرى بالتعاون مع القوات النظامية وبتنسيق مع العراق وإيران. هنا، يجرى حديث عن ما يشبه «منافسة» بين التحالف الدولي – العربي لاستعجال السيطرة على الرقة عاصمة «داعش» في شمال شرقي سورية وبين روسيا والقوات النظامية للسيطرة على تدمر الأثرية وسط البلاد. ان يلجأ كل فريق الى نصر معنوي ورمزي في الحرب ضد «داعش» كغطاء لفرض أجندته.

بالنسبة الى الدول الغربية، طرح موضوع دعم «التحالف السوري – العربي ضد داعش» الذي يضم ٢٥ الف مقاتل كردي وخمسة آلاف عربي للسيطرة على الرقة، فيما سعت موسكو الى كسب قلب «وحدات حماية الشعب» الكردي في هذه المعارك. كما جرى اقتراح تغيير آلية عمل برنامج تدريب وتسليح المعارضة السورية بحيث يجرى التركيز على الإفادة من المقاتلين المتدربين في تحديد مواقع «داعش» التي يمكن استهدافها. وجرى «تجميد» في هذا البرنامج بعد تسليم مقاتلين تدربوا على أيدي الأميركيين، سلاحهم الى «جبهة النصرة». هناك خطة لتعديله مع استمرار تدريب ٨٥ مقاتلاً في الأيام المقبلة بعد تخريج ٧٥ مقاتلاً قبل ايام، اضافة الى دفعتين ضمت الأولى ٥٤ والثانية ١٢.

التلويح بخيار التصعيد، بدا في عودة خطاب أوباما ودول غربية وإقليمية للحديث عن ضرورة «تنحي الأسد» عسكرياً او سياسياً بعد القمة الأميركية – الروسية. وبدا هذا في اجتماع «النواة الصلبة» لمجموعة اصدقاء سورية بمشاركة تسع دول بدلاً من ١١ بعد «إبعاد» مصر وإيطاليا بسبب «انحيازهما» الى دمشق.

مسؤول غربي رفيع يعتبر بعض التصعيد تفاوضياً مع اقتراب الجلوس الى الطاولة بعد تمكن بوتين من التحكم بمفاصل النظام، اضافة الى حديث في اروقة البيت الأبيض على رغم تردد اوباما، عن ان مواجهة بوتين تتعلق بـ «هيبة أميركا» ودورها على الساحة الدولية. سورية كانت المكان الثاني بعد اوكرانيا الذي يتحدى بوتين فيه ادارة اوباما في سنتها الأخيرة. بعدما كانت سورية مرتبطة بأجندة ايران المتعلقة بالعراق ولبنان والخليج، ربط الكرملين سورية بأوكرانيا والعقوبات الغربية على روسيا والعزلة الدولية على بوتين وانخفاض اسعار النفط. بوتين يريد التفاوض مع اوباما. رفض لقاء قادة أوروبيين آخرين.

حرّك بوتين جنوده على رقعة الشطرنج الدولية وبدأت مقاتلاته الحربية بقصف مناطق المعارضة وسط سورية. وهو يعرض على اوباما التعاون في سورية بعد القبض على مناطق النظام وسمائه مقابل ثمن يحصل عليه في النظام الدولي. يعرض اوباما على بوتين صفقة تتعلق بسورية فقط. أغلب الظن، ان واشنطن وموسكو سترقصان نصف رقصة. تعاون بين جيشي البلدين لمنع الاصطدام في الأجواء السورية وأن تُلزم موسكو النظام، بعدما بدا اكثر استعداداً للاستجابة لها، ببعض التنازلات «الكافية» لتسويق الخيار الروسي وفرملة اي نيات غربية للتصعيد العسكري. قد يشمل هذا خطوات تجميلية مثل «حكومة وحدة» وانتخابات برلمانية مبكرة وحوار سوري للهروب من «الهيئة الانتقالية» التي قبلتها موسكو في «جنيف-١» ولقاءات أميركية – روسية في نيويورك.

تنازل روسي صغير هنا. وإشارة أميركية هناك. خطوة تصعيدية هنا وتلويح تصعيدي هناك.

مرة جديدة بعد التصعيد العسكري الروسي المدعوم سياسياً وديبلوماسياً، يتعرض اوباما لضغوط ليتخذ قرارات هرب منها أربع سنوات.

* صحافي سوري من اسرة «الحياة»

 

 

 

الروس يعملون وأوباما يتكلم/ بكر صدقي

لعل توصيف أوباما، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الاثنين 28 أيلول، لرأس نظام دمشق الكيماوي بأنه «طاغية يقتل الأطفال بالبراميل المتفجرة والسلاح الكيماوي» لاقى قبولاً حسناً عند السوريين الذين بلغ بهم اليأس مبلغاً كبيراً، في الآونة الأخيرة، على وقع تصريحات كيري وميريكل وكاميرون وأردوغان التي أخذت تميل إلى القبول ببشار الأسد جزءاً من «المرحلة الانتقالية». وكان رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو قد تساءل بحق: «كيف تكون مرحلة انتقالية بوجود الأسد؟». فجميع الدول تعرف أن الانتقال السياسي يعني، في النظام السياسي المعمول به في سوريا، انتقالاً للسلطة المطلقة من يد الأسد قبل أي شيء آخر، أي قبل البحث في تغيير النظام السياسي المذكور إلى نظام ديمقراطي عادي.

ولكن ما هي قيمة هذا التوصيف السليم، سواء للمجرم قاتل الأطفال أو للمشكلة السورية من أساسها كثورة شعب طالب بالحرية والكرامة، أمام تأكيد أوباما بأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تحل مشكلات العالم بمفردها، على رغم الجيش والاقتصاد القويين اللذين تملكهما؟ فهذا هو بيت القصيد في خطاب أوباما أمام الجمعية العامة في ما خص المشكلة السورية: الولايات المتحدة مستعدة للتعاون مع روسيا وإيران لإيجاد حل سياسي للمشكلة السورية. فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذا الخطاب جاء بعد تصدر التدخل الروسي في سوريا أخبار العالم طوال الشهر الماضي، أمكن لنا القول إن الإدارة الأميركية رضخت للتسليم بالدور الأول لروسيا في تحديد مصير سوريا. وبالنظر إلى استمرار تباين المواقف بشأن مصير رأس النظام، يمكن القول إن التجاذبات بين الطرفين الفاعلين في سوريا (حلفاء النظام وخصومه) حول الحل السياسي ستستمر لفترة ليست بالقصيرة.

هناك الآن دعوة لعقد اجتماع سداسي، خلال شهر تشرين الأول، يضم وزراء خارجية كل من الولايات المتحدة وروسيا والسعودية وإيران وتركيا ومصر، يشكلون معاً مجموعة ارتباط للتداول حول إيجاد حل سياسي للصراع الدائر في سوريا. واضح من تحديد هذه الدول مراعاة توازن، بالمناصفة تقريباً، بين الأطراف الاقليمية والدولية المعنية مباشرةً بالمشكلة السورية، وذلك بصورة متوازية مع العمل الذي يقوم به المبعوث الأممي دي ميستورا في خطته المسماة بـ»المسارات الأربعة» التي حظت بتغطية أممية في البيان الرئاسي لمجلس الأمن.

الجديد الذي يميز مجموعة الارتباط المقترحة عن تلك التي أنتجت «جنيف1» صيف العام 2012، إنما هو الاعتراف الأميركي – الغربي بدور إيراني في تحديد مصير سوريا، الأمر الذي لم يكن ممكناً قبل توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول العظمى الست. والإدارة الأميركية التي أفشلت حضور إيران في مؤتمر جنيف 2 بعدما وجه لها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون دعوة للمشاركة، باتت الآن «مستعدة للعمل مع روسيا وإيران» لإيجاد حل سياسي في سوريا.

ولكن أي حل سياسي يمكن الوصول إليه في ظل التباينات المعلنة في مصالح القوى المتصارعة على أرض سوريا ومستقبلها؟ وكيف يمكن إيجاد مخرج توافقي بشأن مصير رأس النظام؟ وقبل ذلك ما هي أهمية «عقدة الأسد» بالنسبة لمختلف اللاعبين الإقليميين والدوليين؟

يدرك الأميركيون والروس، على السواء، أن إخراج الأسد وعائلته من المعادلة قد يؤدي إلى انهيار مفاجئ في النظام ككل، وهو ما يخشونه ولا يريدون حدوثه. لا يتعلق الأمر بمواصفات شخصية لبشار، وقد تأكد لكل من التقى به من سياسيين وإعلاميين أنه شخص كذاب ومحروم من كثير من العواطف البشرية السوية، بقدر ما يتعلق ببنية النظام السياسي – الأمني وتراتبيته وعلاقته بقاعدته الاجتماعية اللصيقة. حين يؤكد الروس، في كل مناسبة، أنهم لا يتمسكون بشخص معين في سوريا، ثم يعودون إلى لغوهم المعتاد بصدد أن «مصير الأسد يحدده الشعب السوري» فإنما يعبرون عن هذه الحقيقة. وقال أوباما أمام مؤتمر «مكافحة تنظيم داعش والتطرف العنيف» المنعقد على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن هزيمة داعش تتطلب وجود «قائد جديد» في سوريا. إذا أردنا ترجمة هذا الكلام إلى لغة أكثر فصاحةً، فالأميركي يطلب من الروسي والإيراني أن يجدا بديلاً من داخل النظام لشخص بشار. هذه هي التسوية المقبولة أميركياً.

أما الروس فهم بانتظار أن يقدم النظام هذا البديل. وهذا النظام هو من التعقيد والهشاشة بما لا يتيح له المغامرة باستبدال رأسه، لعل أحد أهداف الحضور العسكري الروسي المستجد، وفي منطقة الساحل تحديداً، إنما هو محاولة بعث الطمأنينة في القاعدة الاجتماعية الأشد ولاءً للنظام، بما ييسر البحث عن بديل بأقل قدر من المخاطرة بانهيار النظام. ومن المحتمل أن السكوت الأميركي على التصعيد الروسي في سوريا يعود إلى السبب نفسه. «نريد انتقالاً سياسياً مسيطراً عليه في سوريا» قال الرئيس الأميركي باراك أوباما في كلمته أمام الجمعية العامة. وهكذا رأينا كيف تحول «القلق» الأميركي من التدخل العسكري الروسي في البداية، إلى تفهم، وصولاً إلى التنسيق العملياتي بشأن مشاركة روسية محتملة في قصف مواقع داعش جواً.

لا نعرف، إلى الآن، مدى تغلغل النفوذ الروسي داخل المؤسسة العسكرية التابعة للنظام، وهل يتيح هذا النفوذ المحتمل لموسكو «اقتراح» بديل عن الأسد أم لا. ما نعرفه هو أن النظام كان قد أطاح بكل قوة هذه المؤسسة في المعادلات الداخلية، منذ مطلع التسعينات، تحضيراً لتوريث السلطة لباسل الأسد أولاً، وبشار الأسد بعد قضاء الأول في حادث سير، فبات قادتها مجرد خدم ذليلين لدى العائلة الحاكمة. لكننا لا نعرف مفاعيل الحرب الدائرة اليوم على أرض سوريا، منذ خمس سنوات، على علاقة المؤسسة العسكرية بالعائلة الحاكمة. ترى هل استعادت بعض أهميتها ووزنها بعدما خاضت حرب الدفاع عن النظام طوال سنوات وقدمت تضحيات كبيرة لحماية النظام من السقوط، ولم تنشق عنه كما فعلت قرينتها في مصر حين تخلت عن حسني مبارك؟

الخلاصة أن «الولايات المتحدة وروسيا اتفقتا على مبادئ الحل السياسي، مع خلاف حول مصير الأسد» كما قال جون كيري. أما المبادئ المتفق عليها في قمة بوتين – أوباما، فهي «وحدة الدولة السورية، وعلمانيتها، ووجوب التصدي لداعش، ووجوب عملية انتقال سياسي موجهة»

يمكن صياغة هذه المبادئ بطريقة سالبة كما يلي: لا للتقسيم (لا دويلة علوية ولا كيان كردي)؛ لا لدولة دينية. نعم لانتقال سياسي، من غير أن يعني ذلك انتقالاً إلى نظام ديمقراطي تعددي، بل انتقال سياسي «موجه» ومنضبط.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

 

الحقبة البوتينية/ د. عماد بوظو

إذا أخذنا ما يردّده الإعلام الغربي ونتائج الاستطلاعات حول شخصيّة العام لسنوات عديدة، سنجد أنّ من الممكن تسمية هذه الفترة بالحقبة البوتينيّة، فهو صاحب القرار الوحيد في أكبر دول العالم مساحة وثاني قوّة عسكريّة ونوويّة، ذات التوقّعات الاقتصاديّة المستقبليّة الهائلة.

مع تراجع الدور الأمريكي عالميّا لرغبة الإدارة الأمريكيّة الحاليّة تخفيف التزاماتها الدوليّة، الّتي تراها مكلّفة اقتصاديّا وغير مضمونة النتائج، لم يعد غريبا مشاهدة أصحاب القضايا الدوليّة قاصدين موسكو للمساعدة بحل مشاكلهم. هذه العوامل تجعل دراسة هذه الشخصيّة والنظام السياسي الروسي والتوقّعات المستقبليّة، موضوعا مهما.

يرى الكثير من المهتمّين بالشأن الروسي أن نظام الحكم الحالي لا يستوفي المعايير الديمقراطيّة، فالقرار النهائي فيه بكل المواضيع الداخليّة والخارجيّة بيد شخص واحد هو بوتين الّذي صرّح بنفسه: «من الواضح ليس لروسيا النيّة في إنشاء الطبعة الثانية من النظام السياسي الأمريكي أو البريطاني، بل النظام الّذي كان أقرب إلى التقاليد في روسيا وظروفنا الخاصّة». ولا حاجة للشرح أنّ التقاليد السوفييتيّة وقبلها القيصريّة بعيدة تماما عن الديمقراطيّة. وفكرة الخصوصيّة هذه تجد لها صدى عند بعض الباحثين الغربيّين، ربّما لأسباب تتعلّق بتفاوت تطوّر شعوب عن أخرى، أو بصراحة أكبر نتيجة تفوّق حضاري لشعوب على أخرى، حسب رأيهم، فيروّجون لها كحقيقة.

ابتدأت شعبيّة بوتين مع القفزة الاقتصاديّة الّتي رافقت صعوده للسلطة بعد القاع الّذي وصلت إليه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. فخلال السنوات 2000- 2008 ارتفعت رواتب الموظفين عشرة أضعاف وبالنسبة نفسها ارتفع عدد الطبقة الوسطى وكان معدّل النمو7٪ سنويّا، مّا سمح له بترسيخ سلطته وإضعاف معارضيه.

وبدأ الإعلام الروسي الترويج لما سموه «البوتينيّة» للإيحاء بأنّها تتشابه مع نزعة استقلالية أوروبّية عن الهيمنة الأمريكيّة بعد الحرب العالميّة الثانية، أي الديغوليّة، لكن بمقارنة سريعة نرى أنّ سمعة ديغول لم تشبها أي شائبة من حيث الفساد، كما أنّه تنازل عن السلطة بكل سهولة عندما لم يحقّق الاستفتاء الّذي عرضه على الفرنسيّين لتطبيق المزيد من اللامركزيّة على النسبة الّتي أرادها، واختار بكل بساطة الاستقالة والعزلة.

في حين أن قرينه «بوتين» يتلاعب بالدستور للاستمرار بالسلطة «بوتين – ميديفيديف». كما أنّ العالم هو من أطلق مصطلح الديغوليّة بينما في الطرف الآخر جهاز إعلامي روسي متخصّص بالترويج لشخصيّة بوتين، يقوم بالتنقيب عن أي مقال أو تصريح يتناول بإيجابيّة شخصيّته ليسارع بنشره بكل وسائل الإعلام المحليّة. ووصل الأمر كمثال لطباعة سلسلة كتب باللغة الروسيّة بعنوان «مشروع بوتين» بأسماء صحافيّين ومحلّلين غربيّين معروفين، بدون علمهم أو موافقتهم مثل لوك هاردنغ وإدوارد لوكاس ودونالد جينسن، هذا الإعلام موجّه بشكل رئيسي للداخل وهدفه الترويج للقائد. وفوق ذلك لا توجد أي معالم لخط سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي مميّز يمكن تسميته البوتينيّة.

وحسبما يردّده الكثير من وسائل الإعلام والتقارير الخارجيّة، فقد رافق صعود بوتين وزيادة شعبيّته درجة غير مسبوقة من الفساد، وتتحدّث بعض التقارير عن ثروة كبيرة جناها خلال فترة حكمه. في حال صحّة هذه التقارير فإنّنا لن نتوقّع انتقالا سلسا للسلطة بعد انتهاء الفترات القانونيّة لرئاسة بوتين، ليس فقط في سبيل المحافظة على هذا الدخل، بل خشية أن تقوم سلطة جديدة بالتحقيق بمثل هذه الأمور. كما أنّه لا يتماشى مع الفساد وجود صحافة حرّة أو قضاء نزيه مستقل أو معارضة حقيقيّة متمكّنة، أي أنّنا ننتقل إلى شكل أقرب لديكتاتوريّات العالم الثالث، بل حتى سبب سياساته المعارضة دوما للغرب والولايات المتّحدة «خصوصا» يصبح من الصعب إرجاعها لأسباب وطنيّة وانتقاما من الأطراف الّتي هزمت الدولة السوفييتيّة العظمى، بل لأسباب شعبويّة داخليّة لترسيخ سلطته وصورته كبطل قومي، حتّى لو على حساب المصلحة الوطنيّة العليا، ومن جهة أخرى لتأكيد التباين مع المفاهيم الغربيّة «ديمقراطيّة وحقوق إنسان..». فمثلا بالموضوع الأوكراني صنعت سياسته شرخا كبيرا بين شعبين شقيقين أصحاب تاريخ متداخل ومشترك، فقط ليقوم هو بدور البطل القومي الروسي.

وفي الموضوع السوري ورغم أنّه لا توجد علاقة شخصيّة تربطه بالأسد ورغم معرفته بأنّ الأسد الابن ليس بخبرة أبيه.. ورغم معرفة بوتين أنّ أغلبيّة الشعب السوري تنشد التغيير الديمقراطي مثل باقي دول الربيع العربي، إلّا أن بوتين اختار الوقوف مع الأسد، أولا لأنّه كان واثقا من انتصار الجيش السوري على الاحتجاجات، نتيجة التركيبة الطائفيّة لهذا الجيش والسيطرة الأمنيّة المطلقة عليه من قبل عائلة الأسد. وثانيا تضامنا مع حليفه الإيراني صديق الأسد الوفي. وثالثا لمعرفته الأكيدة أنّ المواقف الغربيّة لن تتعدّى بيانات الإدانة والاستنكار، وأخيرا ليبدو أمام الرأي العام في الداخل الروسي كطرف مهيمن دوليّا، ولا يمكن حدوث أي شيء بالعالم إلّا عبر موافقته.

وبالعودة للموضوع الداخلي الروسي فهناك مشكلة أخرى مع مثل هذه الأنظمة الفرديّة: فكل سنة إضافيّة يقضيها هذا النوع من القادة في السلطة ينجم عنها تراجع إضافي بدور مؤسسات الدولة والمجتمع، فحزب روسيا الموحّدة مثلا اليوم تجده أقرب للطريقة الكوريّة الشماليّة من أي حزب آخر بالعالم، حتّى الحزب الشيوعي الصيني له مكتب سياسي ولجنة مركزيّة قد تطيح وتحاسب بعض القادة. وعلى الطريقة الكوريّة الشماليّة أيضا نرى المناورات العسكريّة وحوادث التحرّش بالطائرات وتجاوز الحدود الدوليّة وغيرها، من السلوك الّذي لا يمكن فهمه إلّا على أنّه شعبوي.

حالة حزب روســيا الموحّدة قريبة من وضع الكثير من مؤسسات الدولة الروسيّة وفي مثل هذه الحالات يصبح القرب من شخص الزعيم أهم من التراتبيّة الوظيفـــيّة والعسكريّة ممّا يزيد من ضعف هياكل الدولة.

بالنهاية لا يترك هذا النوع من الأنظمة أي سيناريو سهل لتداول السلطة، وقد عايشنا السيناريو العراقي والليبي والسوري، فهل يستطيع العالم تحمّل مثل ذلك في بلد بحجم روسيا؟

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

 

مسيحيّو الاحتلال الروسي – الإيراني/ حسّان القالش

التهليل الذي يبديه أنصار الأسد اليوم لتعزيز الوجود الروسي في سورية، والذي يكرّس حالة الاحتلال الروسي – الإيراني للبلاد، لا يمكنه أن يقلّل القلق على مصير الأقليّات في المشرق. بل الأرجح، أن يضاعف ذاك القلق، خصوصاً لدى المسيحيين باعتبارهم أكثر المتضرّرين من ظروف الاحتلال وتداعياته، نظراً إلى زوال أي حضور سياسي فاعل ومؤثّر لهم في الحياة السياسيّة، وقبول طيف واسع منهم الدخول في الوهم المسمى حلف الأقليّات، وهو ما تجلّى في الحالة العَونيّة في لبنان، أو المزاج العَونيّ إن صحّت التسمية، الذي تعمّم وأصاب قسماً كبيراً من مسيحيي المشرق، الذين بات مصيرهم السياسي مرتبطاً في شكل أو في آخر بمصير النظام السوري على المدى البعيد، وبالعلاقة بحزب الله على أرض الواقع.

ذاك أنّ علاقة مسيحيي المشرق المؤيدين للنظام السوري بحزب الله تتجاوز في خطورتها مجرّد خيار خاطئ وغير وطني. فمن جهة، تبدو علاقة تبعيّة وهيمنة تمنع تسوية الاختلافات الناجمة عن الفوارق الثقافيّة والاجتماعية. وتبدو، من جهة أخرى، أشبه بعلاقة التاجر “الخواجة” بقبضاي الحيّ، بما فيها من نفعيّة وطبقيّة، إذ يقوم القبضاي بحماية الخواجة وتخليصه من خصومه نيابة عنه، وهذا ما لن يمنع القبضاي من الانقلاب على حليفه في حال تغيّرت الظروف، بخاصّة أنّه يدرك مقدار احتقار الخواجة له.

وهنا تحديداً، يكمُن الوهم في هذه العلاقة، إذ يعتبر مسيحيّو حزب الله أنّ سلاحه قادر على حمايتهم وحماية الأقليّات، في الوقت الذي يمنع هذا السلاح نفسه استقرار لبنان باعتباره الجنّة المسيحيّة المشرقيّة. هكذا يتبدّى أن طيفاً واسعاً من الوعي العمومي المسيحي يُصرّ اليوم على إعادة إنتاج نسخة جديدة من الوعي الذميّ العثماني تفوق تلك السّابقة في سلبيّتها. وهو ما ظهر في تنامي مشاعر الكراهية تجاه بيئة الثورة في سورية، وعدم الاكتراث بما يحصل تجاهها من إبادة واعتداء على المقدّسات.

وما يقال في العلاقة بحزب الله يقال أيضاً في الأداء السياسي الكارثي للكنيسة في المشرق. ففي الوقت الذي تتّخذ الكنيسة الشرقيّة في سورية موقفاً أقرب الى النظام، وإن في شكل غير علني، لم تكن الكنيسة المارونيّة على مستوى ماضيها الوطنيّ. وهنا يتبدى صمتها وعجزها عن مواجهة المخطّط الروسي الحثيث، السّاعي الى إعادة الأمجاد الإمبراطوريّة والانتقام التاريخي المتمثّل بالهيمنة على الكنيسة الشرقيّة واستعادتها.

في كل حال، لا يملك المرء إلا أن يتمنى أن يستفيق أولئك المسيحيون قبل أن يأتي يوم يَرَوْن فيه أعلام إيران وحزبها فوق الكنائس، كما حدث مع شركائهم المفترضين في الوطن.

* كاتب وصحافي سوريّ

الحياة

 

 

 

 

 

التدخل العسكري الروسي في سوريا: الدواعي والتداعيات والآفاق/ عبد الناصر العايد

ملخص

أثارت تقارير مؤكِّدة عن انخراط روسيّ في الحرب إلى جانب النظام السوري ضد معارضيه جدلًا واسعًا على مستوى الشرق الأوسط والعالم.

لم تتضح بعدُ حقيقة وحجم وأهداف ذلك الدعم، لكن في كافة الأحوال تثير رغبة موسكو بالتدخل المباشر أو تلويحها به العديد من الأسئلة وتفرض متغيرات مهمة على صعيد التوازنات الجيوستراتيجية في الشرق الأوسط، وعلى ميادين الصراع والنزاع الرئيسية فيه، وقد تتصاعد لتبلغ مستوى الأزمة العالمية فيما لو أصرَّت موسكو على الانخراط العسكري في سوريا من جانب واحد ودون التفاهم مع الغرب ودول المنطقة.

يقع إنقاذ نظام الأسد وإعادة تعويمه في صلب هذا التدخل، ويقتضي ذلك أن تواجه روسيا مجمل الفصائل العسكرية الوطنية السورية بشقيها المعتدل والإسلامي، وستواجه عندئذ الدول والأطراف الداعمة والمؤيدة لهذه الفصائل، وستتلقى نقمة الفصائل الإسلامية المتشددة، التي تخوض روسيا الحرب بذريعة القضاء عليها، ومجمل هذه المواجهات ذو كلفة باهظة على روسيا، ليس لديها مصالح تبررها.

مقدمة

منذ مطلع شهر سبتمبر/أيلول 2015، تسارعت التقارير التي تفيد بدعم عسكري روسي للنظام السوري في حربه ضد معارضيه، وتوالت التأكيدات أيضًا حتى بلغت درجة المصداقية على لسان وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، الذي أقرَّ بوجود طائرات روسية في سوريا لكنه قلَّل من أهميتها الهجومية بقوله: “إن تقييمًا للجيش الأميركي يشير إلى أن نوع هذه الطائرات يتسق مع مهمة لحماية القوات الروسية” (1).

وقد تمكَّن نشطاء سوريون معارضون من الحصول على صور وشهادات لسكان محليين في منطقة الساحل السوري، تفيد بوجود أعداد متزايدة من الجنود ومعدات روسية حديثة هناك.

ووفق المعلومات المتوفِّرة حتى تاريخه، فإن ما يُدعى بالتدخل الروسي، يتمثل بإنشاءات تمهيدية لاستقبال أفراد ومعدات في عدة مواقع، إضافة إلى كميات محدودة من العتاد الدفاعي والهجومي وبضع مئات من العناصر. وتتركز نشاطاتهم في القاعدة الروسية بميناء طرطوس، المستأجرة منذ الثمانينات لخدمة سفن الأسطول السوفيتي الخامس المنحل، وفي مطار حميميم قرب جبلة (باسل الأسد)، الذي يتألَّف من مطار مدني، وآخر عسكري صغير مخصص لسرب حوامات بحرية من نوع كاموف، وقد استقبل المدرج المدني أكثر من عشر طائرات شحن روسيَّة من طراز أنتينوف-124 الضخمة، التي أفرغت حمولاتها في المطار العسكري المجاور، ووفق المصادر المحلية تألَّفت الحمولة من دبابات تي 90 المتطورة، وقطع مدفعية، ونظام دفاع جوي قصير المدى من نوع بانتسير (إس إيه 22)، إضافة إلى أربعة أسراب طائرات قاذفة حديثة من طراز سوخوي.

وقد بدأت الطائرات الروسية في 20 سبتمبر/أيلول 2015 ضرباتها في سوريا مستهدفة مواقع للجيش السوري الحر حول حمص، فيما قالت وزارة الخارجية الروسية إنها مواقع لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” (2).

تمتد العلاقات العسكرية بين سوريا وروسيا إلى عقود؛ إذ يعتمد الجيش السوري على الأسلحة السوفيتية التي ورثتها روسيا، وقد عانت منظومة الطيران والدفاع الجوي السوري عقب نهاية الحرب الباردة من قصور شديد في الصيانة والتجديد، بسبب رفض روسيا استئناف التعاون العسكري إلا بعد تحصيل ديون الاتحاد السوفيتي المستحقة على سوريا؛ ما أجبر نظام بشار الأسد على تسديد أربعة مليارات دولار من الديون البالغة 12 مليارًا، على إثر قفزة استثنائية في أسعار النفط والإنتاج السوري منه سنة 2006، وتمَّ توقيع عقود جديدة في سنة 2008 تركزت حول صيانة العتاد الجوي وتعميره.

ولم يُلاحَظ أي دعم عسكري روسي استثنائي لقوات النظام في سنوات القتال الخمس الماضية، ولم تشاهَد أي أنواع أو أعداد جديدة في طائرات النظام المتناقصة، أو حتى ذخائر متطورة؛ الأمر الذي اضطر إيران لرفده بعدد من الطائرات العراقية التي لجأت إليها أثناء معركة عاصفة الصحراء سنة 1990. واضطرت القوى الجوية لاستخدام البراميل المتفجرة البدائية، وطائرات الكاموف المتخصصة بزراعة الألغام في عرض البحر لإلقاء هذه الألغام على الأحياء السكنية، بل واستخدام ذخائر جو/جو للطائرات الاعتراضية ميغ 25 لضرب أهداف أرضية.

الروس لملء الفراغ الجيوسياسي

انصبَّ اهتمام بوتين منذ عودته رئيسًا، على استعادة النفوذ الروسي بدائرته السوفيتية السابقة، وتكريس بلاده كلاعب عالمي مؤثر، وأدخل تعديلًا على العقيدة العسكرية الروسية العام الماضي، يتيح “مواجهة بؤر التوتر في العالم، واستخدام القوة العسكرية خارج إطار مجلس الأمن” (3). وقد لقيت هذه التوجهات ترحيبًا في أوساط القوميين الروس ومن حلفاء موسكو السابقين، وبعد مغامرة لم تتبلور نتائجها بعد في أوكرانيا، ها هو يتقدم بعيدًا عن حدود روسيا، إلى الشرق الأوسط الذي تنسحب منه الولايات المتحدة وأوروبا عسكريًّا وسياسيًّا، ويتنامى فيه نفوذ حليفته إيران، وتُبدي بعض دوله العربية رغبة في مساهمة روسية في حلحلة القضايا العالقة عبر موجة من الزيارات الاستثنائية الصيف الماضي، إضافة طبعًا إلى وضع بشار الأسد الحرج الذي يجعله قابلًا لأي نوع من التدخل وبلا قيد أو شرط.

إن وجود قواتها في سوريا هو الطريقة المثالية لموسكو من أجل تثبيت مكاسبها في دائرة نفوذها الأوسطية، وضمان عدم تحول الدول المرتبطة بها غربًا نتيجة أي ظرف أو منعطف، خاصة بعد التقارب الإيراني-الأميركي، كما يوفر لها هذا الانخراط القدرة على التأثير في عموم الشرق الأوسط، ذلك الإقليم بالغ الأهمية في قضايا السلم والأمن العالميين.

أمَّا مصالح روسيا الاقتصادية في سوريا، فهي غير ذات قيمة، والتبادل الاقتصادي بينهما لا يتجاوز اليوم نصف المليار دولار (4)، ولا تعوِّض استثمارات شركة “ستروس ترانس غاز” في سوريا تكاليف تدخل عسكري حتى في شكل محدود، فهي أنشأت معملًا للغاز في المنطقة الوسطى، وخط الغاز العربي، وتستكمل معملًا آخر للغاز شمال حمص، أمَّا الحديث عن اكتشافات نفطية وغازية في الساحل السوري، فهي شائعات قديمة بلا أي تأكيدات علمية.

أمَّا هدف روسيا المعلن من تدخلها وهو محاربة الإرهاب، فيقبع في ذيل قائمة دواعي الكرملين، إذ إن روسيا لم يلحقها حتى الآن أي تهديد إرهابي على خلفية ما يجري في سوريا، على العكس من ذلك، استقطبت الساحة السورية باعتراف نائب رئيس جهاز الأمن الاتحادي الروسي، سيرجي سميرنوف، نحو 2400 متشدد روسي، وهؤلاء لا يمثِّلون خطرًا إلا في حال عودتهم التي قد لا تحدث، والتدخل الروسي لا يلغي هذا الخطر، بل يُفاقمه ويُسرع بحصوله.

نظام الأسد: ضربة ثلاثية

حسابات النظام السوري معقدة ومتعددة المستويات على شاكلة أزمته، فهو يعاني من تراجع عسكري خطير، بعد أن فَقَد 80% من مساحة البلاد، بمعدل 20% سنويًّا. ويواصل أفراد المعارضة المسلحة تقدمهم مع ازدياد خبرتهم وأعدادهم، بينما يواجه جيشه تناقصًا متسارعًا في الكَمِّ والنوع، وتتهاوى معنويات حاضنته الشعبية التي بدأت بالتململ وإظهار الاستياء، كما حدث مؤخرًا في اللاذقية والسويداء. من ناحية أخرى، يبدو أن عائلة الأسد، والنخبة العلوية المقربة منها، إضافة إلى القطاع السنِّي الذي لا يزال يؤيده، يخشى من الهيمنة الإيرانية المطلقة، وخاصة من سعيها الحثيث لاصطناع كيان مذهبي مرتبط بها على شاكلة حزب الله اللبناني، وتخشى عائلة الأسد من مقايضة إيرانية تطيح بها بمقابل الحصول على حق رعاية وحماية العلويين والشيعة عبر ذلك الكيان والميليشيات التي أنشأتها، وتعد المظلة العسكرية الروسية في هذه الحالة ضمانة لها من السقوط أمام الثوار من جهة، وخيارًا بديلًا من الوقوع الكلي تحت نفوذ طهران وسياساتها البراغماتية المذهبية من جهة أخرى.

وفي المستوى الإقليمي، ربما وجد بشار الأسد، ومعه روسيا، أن ارتباطه بإيران وحلفها الشيعي هو العقبة الكأداء التي تجعل من عملية اختراق سياسي للصف المعادي له عملية مستحيلة، وأن تولي أمره من طرف روسيا، بما لها من ثقل دولي ونفوذ على بعض العواصم العربية، مع تواري إيران عن المشهد قليلًا، سيجعله مقبولًا، أو على الأقل سيفتح إمكانية الحوار معه عبر القناة الروسية، على أمل أن تغيِّر تلك القوى الرافضة له بشكل مطلق بعض مواقفها منه، وربما تقبله مجددًا.

واشنطن: اصطياد الدُّبِّ في المستنقع

لم تتدخل الولايات المتحدة الأميركية عسكريًّا في الصراع السوري لصالح الثوار خشية استيلاء الإسلاميين على السلطة وارتكاب مجزرة انتقامية بحق العلويين، وفضَّلت الضغط المتواصل لإجراء تفاوض يُفضي لانتقال سياسي يستثني بشار الأسد، وتبقى مؤسسة الجيش كضامن لحماية العلويين وبقية الأقليات، ويبدو أن ثمَّة تفاهمًا كان قائمًا مع الروس، يقضي بعدم دعم هؤلاء للنظام السوري بأية شحنات متطورة من الأسلحة، بمقابل التزام الولايات المتحدة بمنع وصول أسلحة نوعية للثوار، مثل مضادات الطائرات التي دافعت واشنطن بحزم ضد توريدها للثوار، وبدورها لم تسلِّم روسيا للأسد أسلحة أو ذخائر غير التي كانت ملتزمة بتقديمها قبل الثورة.

ويبدو أن الروس يحاولون البناء على الرغبة الأميركية ببقاء النظام، مع تعديل جوهري هو بقاء بشار الأسد في السلطة لمدةٍ ما، ويُفهم من تصريحات وزير الخارجية الأميركية كيري الأخيرة أن بلاده قد تقبل ذلك، لكنها لم تغير موقفها الرسمي المعلن منذ بداية الثورة السورية وهو أن الأسد ليس جزءًا من مستقبل سوريا. وهو ما أكَّده مرة أخرى الرئيس باراك أوباما في خطابه في الذكرى الـ70 للأمم المتحدة، ووصف بشار الأسد بالطاغية و”بأنه الجاني الرئيسي في الحرب السورية التي قُتل فيها على مدار السنوات الأربع مئتا ألف شخص على الأقل إضافة لملايين المشردين” (5).

أيضًا يبني الروس على إشارات عربية إلى أن مردَّ عدائهم للنظام والإصرار على إسقاطه هو ارتماؤه المطلق في الحضن الإيراني، وهو تحالف لا يمكن للأسد أن يتخلَّى عنه في الظرف الراهن ما لم يتوفر بديل قوي وملتزم بحمايته، وهو الدور الذي يتطلع الروس للعبه، وإحداث تغيير في المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط، يجعلها المقرر الأساسي فيه.

من حيث المبدأ، ليس لدى البيت الأبيض ما يقلقه من دخول الروس وغوصهم في المستنقع السوري وقضاياه العويصة، وربما سيكون تدخلهم المباشر مناسَبَة لتحميلهم التبعات السياسية والعسكرية والأخلاقية لتدهور الوضع هناك، وسيَلْفِت الانخراط الروسي أنظار الإسلاميين، ويستحوذ على نصيب من اهتمامهم ونشاطهم الدولي الذي يتركز اليوم على استهداف الولايات المتحدة وأوروبا، وفي الوقت عينه سيراقب البيت الأبيض انتهاكات متوقعة للروس في حربهم، واستثمارها في الضغط السياسي في كافة المسائل الخلافية بينهما، عبر لعبة تبادل أدوار في مجلس الأمن، لا تبذل الولايات المتحدة خلالها مجهودًا أكثر من رفع بطاقة الفيتو الحمراء، كما فعلت موسكو طوال سنوات الثورة السورية الخمس، وترك الدبِّ الروسي يعاني مقيَّدًا في المستنقع شرق الأوسطي حتى تخور قواه.

دول الخليج العربي على المحك

ستتحمل الدول العربية الداعمة للثورة السورية كالسعودية وقطر، عبئًا كبيرًا في هذه المرحلة، فالتصريحات العدائية الروسية تعبِّر عن نوايا مضمرة لفرض إرادتها في الإقليم بالقوة، ولا تشجِّع على الاعتقاد بوجود تفاهم مسبق أو محتمل مع تلك الدول، التي لا يمكنها أن تخضع للخطة الروسية، وقد تذهب الأمور إلى تصعيد يبلغ حافة الهاوية، أو إلى مواجهة دامية بالوكالة، عبر دعم تلك الأطراف لعشرات الكيانات المسلحة السورية، أو غضِّ النظر عن دعمها، لإلحاق ما لا يحصى من الطعنات بالقوات الروسية، واستنزافها حتى الوهن. وعلى عكس ما قد يتوقعه بوتين من اضطرار تلك الدول لتحسين علاقاتها معه، فإن تحركه الحالي سيدفع دول الخليج تحديدًا إلى إنعاش تحالفها التاريخي مع الولايات المتحدة باعتبارها الحليف الأكثر قوة وموثوقية.

وباستثناء مصر الراغبة في ليِّ الذراع التركية، وإرغام الولايات المتحدة على الاعتراف بحكومة الانقلاب، وباستثناء حلفاء إيران بالعراق، وعلى رأسهم نوري المالكي، الذين يريدون الاستقواء بالوجود الروسي في الجوار، لا توجد دول عربية مستفيدة بشكل مباشر من ذلك الحضور.

إيران: التَّقيَّة الروسية إلى حين

لابد أن الحكومة الروسية قد تفاهمت مع إيران قبل أن تتخذ قرارها الذي سبقته زيارة قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني إلى موسكو، وربما تشاطرها الاعتقاد بأن لا نجاة لنظام الأسد ما دام محسوبًا على حلفها المذهبي، ولإنقاذه لابد أن تتوارى قليلًا مُفسحة المجال للروس لتصدر المشهد، لكنها بالتأكيد غير غافلة عن كون النقاط التي سيسجِّلها الروس هناك هي على حسابها، ولابد أن الطرفين اتفقا على نوع من التقاسم الوظيفي على الساحة السورية، بحيث تواصل إيران تنمية قطاع الميليشيات المرتبط بها، ولكن بعيدًا عن الأضواء، بينما تتولى روسيا ترميم الجيش النظامي وإعادة تأهيله. لكن منطق الصراع على النفوذ في الحيز السوري الضيق، سيقود حتمًا إلى تدافع أو تصادم بين القوتين، بيد أن طهران ستصبر ولا شك حتى ينجلي غبار المعركة، فإن انتصر الروس تقوَّت بهم على الإقليم كله، وإن هُزموا ومعهم الأسد، فإن خيارها البديل المتمثل بالميليشيا الطائفية، سيكون جاهزًا.

إسرائيل مستبشرة وتركيا محرجة

إسرائيل الرابح الصامت من الزلزال السياسي الذي أصاب المنطقة، سيستمر موسم جنيها الأرباح بلا عناء، ولن تسمح، بما لديها من نفوذ في الكرملين والعالم، بمرور المخطط الروسي دون ثمن، وقد تأكدت، وبشكل معلن، من أن نظام الأسد وإيران وحزب الله سيذعنون لشروطها منذ الآن فصاعدًا عبر التواجد الروسي، الذي سيشكِّل أيضًا جدارًا فاصلًا بينها وبين الأخطار المحتملة من إسلاميي سوريا إلى مدى غير محدد.

موقف تركيا هو الأسوأ، فهي عرضة لمواجهة بين روسيا والناتو على حدودها الجنوبية، ويتهددها خطر تطاير شرر الصراع مع المتشددين، علاوة على صراعها الذي عاود التفجر مع الأكراد، في ظل عدم استقرار سياسي ناجم عن نتائج الانتخابات الأخيرة، وقد تجد نفسها مضطرة لتقديم تنازلات كالتي قدمتها مؤخرًا حين أتاحت قواعدها الجوية لطائرات التحالف الدولي التي تقصف داعش في سوريا والعراق.

الكماشة السورية

لا يُستشف من ردِّ الفعل الأميركي حتى اليوم، أنه يميل إلى ردع التدخل الروسي، أو أن أوباما سينتهج سياسة أكثر إقدامًا على الصعيد الدولي في آخر أيام حكمه، كما أن النظامين السياسيين: العربي والإقليمي أضعف من أن يواجها طموحات بوتين الإمبراطورية، وسيبني الجميع آمالهم على صمود الفصائل الثورية السورية، وعلى الضربات التي سيُنزلها المقاتلون الإسلاميون بروسيا وقواتها، التي ستقاتل في بيئة معادية ومعقَّدة يحتاج العمل فيها أساليب وأدوات الحرب الناعمة التي لا يتقنها الروس، وستكون وضعيتهم أشبه بالحالة السوفيتية في أفغانستان.

سيعمل الروس على ترميم ما تبقى من جيش النظام، وقد تضطلع قواتهم مستقبلًا بدور رأس الحربة لفتح بعض المناطق أمام تقدمه، لكن هذه المهمة ليست سهلة، بل قد لا تكون واقعية أصلًا، فالقوى التي ستواجهها على الساحة السورية تعمل وفق استراتيجية البؤر المتعددة، وستواجه الآلة الروسية الضخمة نوعًا من حرب الأشباح، ولابد أن يلحق بها بعض الهزائم والانتكاسات، التي ستنعكس سلبًا على جيش النظام، فيفقد ما تبقى من ثقته بنفسه وبالروس معًا. وفي ظل منافسة إيرانية على عناصر النخبة في القطاعات المؤيدة للنظام واستقطابها بشتى الإغراءات، ستبدأ المرحلة الأخيرة من مراحل تسرب وذوبان جيش النظام، لتواجه القوات الروسية المهمة منفردة، خاصة مع ما يبدو أنه إصرار روسي على بقاء الأسلحة المتطورة تحت سيطرتهم، وفي هذه الأثناء أيضًا قد تنخرط كتلة الجيش، والقطاع السنِّي من مؤيدي النظام، في تدافع وربما صراع مع اللوبي الإيراني، مدشنة شرخًا عميقًا في كتلة النظام المتماسكة حتى اليوم.

أمَّا فصائل الجيش الحر والفصائل الإسلامية الوطنية فإنها ستتلقى الضربة الأعنف للآلة العسكرية الروسية الوافدة، فهي التهديد الأخطر للنظام كونها تطرح نفسها بديلًا سياسيًّا مقبولًا له، وسيتركز عمل الروس على محاولة سحق هذه الفصائل، أو إرغامها على التفاوض من موقع ضعيف لفرض تسوية لصالح حليفها الأسد.

وتقتضي مواجهة هذا التحدي توحيدًا ممكنًا للفصائل العسكرية ودمج قياداتها السياسية في موقف وطني واحد هو مقاومة الغزو الروسي، الذي يؤمِّن لها الشرعية الضرورية، والدعم المناسب من حلفائها.

الضربات الأولى التي ستتلقاها هذه الفصائل ستكون بمثابة الصدمة لدفعها للانهيار السريع، لكن قدرتها المتوقعة على استيعابها بحكم خبرتها الطويلة، ستُفضي مع مرور الوقت إلى تحول المواجهة لنوع من الاشتباكات الروتينية المعتمِدة على حرب الأفراد، ويتراجع دور الأسلحة الاستراتيجية، وهو ما سيُرغم الروس، في أحد الاحتمالات، على جلب المزيد من المقاتلين، وسقوط المزيد من القتلى بين صفوفهم، في حرب عصابات يصعب حسمها أو إيقاف النزيف الذي تسببه سوى بالانسحاب من الميدان.

أمَّا الفصائل الجهادية السلفية العابرة للحدود، فإن روسيا قد تشنُّ عليها عمليات استعراضية منذ البداية لحيازة الشرعية في قتالها للفصائل الوطنية الثورية منها والإسلامية، وستكتفي غالبًا بانتزاع هدف إعلامي كبير، قد تعقبه على مراحل عمليات استعراضية قليلة الكلفة، كإنزال مظليين في منطقة غير محصنة في قلب مناطق سيطرة تنظيم الدولة أو جبهة النصرة، اللتين ستسعيان بدورهما لاستثمار الهجمة الروسية في تجييش مؤيديها حول العالم، وتصعيد خطابها التحريضي الكوني، واستقطاب المزيد من الدعم المادي والبشري، في وقت لن تكون هناك رقابة دولية صارمة على تدفق ذلك الدعم ما دام يستهدف روسيا المتمردة والخارجة على التفاهم الدولي.

وستشهد المراحل العليا من الصراع، نوعًا من التحالف بين الفصائل الإسلامية المتناحرة، أقله نوع من الهدنة، وذروته عمليات اندماج عسكري وسياسي بين الفصائل ذات الخلفية الأيديولوجية الواحدة.

لكن هناك احتمال آخر بأن يتفادى الروس القتال البري لأنه خطأ استراتيجي فادح، فلا مصالح منظورة أو متوقعة تبرر إرسال جنودها ليقاتلوا ويُقتلوا في بلاد بعيدة، ستنجذب إليهم بالمقابل الذئاب الجهادية المنفردة، وشبكات الأشباح القاتلة، التي ما زال تاريخ الصراع المكلِّف معها ماثلًا في ذاكرة الشعب الروسي. وليس من السهل تصور أن ترسل موسكو الآلاف من جنودها إلى سوريا وهي التي طالما حذَّرت وأنذرت من التدخل العسكري هناك، ولا أحد يتوقع أيضًا أن تسمح الولايات المتحدة لغريمها الأول بالنجاح وتحويل مغامرته العسكري إلى مكاسب سياسية مستقرة.

وفي هذه الحالة، يمكن تخيل سيناريو مختلف محسوب بدقَّة ومتفق عليه مع أكثر من طرف، على غرار التصعيد الأميركي والانكفاء الروسي عقب استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي، الذي انتهى بتسليم النظام لذخائره القاتلة، مع ضمان بقائه فترة أطول.

أمَّا إذا كان القرار خطوة أحادية ومرتجَلة من جانب الكرملين، فليس أمام بوتين إلا أن يمضي في مغامرته قدمًا، ليقع في الفخِّ الاستراتيجي، الذي نصبه لنفسه.

خاتمة

في كل الأحوال سينعم بشار الأسد بالبقاء في الحكم لمدَّة أطول تحت المظلة العسكرية الروسية، التي سيؤدي تطبيق عقيدتها القتالية، المعروفة بالتدمير الناري العشوائي، وعدم اعتبار حقوق الإنسان، إلى اختفاء ما تبقَّى من البنية التحتية في البلاد، وارتكاب مجازر مروعة بحق المدنيين السوريين. وبطبيعة الحال ستنتهز الولايات المتحدة والغرب فرصة الانتهاكات لإدانة النظام الروسي وتقييد تحركاته العسكرية، بحيث تبقى دون عتبة الإنجاز الملموس، ودفعها إلى المصير الذي تنبَّأ به أوباما وهو فشل الاستراتيجية الروسية في سوريا.

_____________________________

عبد الناصر العايد – باحث في الشؤون الاستراتيجية السورية

 

هوامش

1-عبد العال، محمد، كيري: نوع الطائرات الروسية في سوريا يتسق مع “حماية للقوات”، رويترز، 24 سبتمبر/أيلول 2015، http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKCN0RM27E20150922

2- أوزبورن، أندرو، روسيا تبدأ الضربات الجوية في سوريا وتطلب من أميركا الابتعاد، رويترز، 30 سبتمبر/أيلول 2015، http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKCN0RU2FU20150930

-3- جبر، رائد، لماذا «تُكرِّر» روسيا في سوريا «السيناريو الأوكراني»؟، صحيفة الحياة، 14 سبتمبر/أيلول 2015، http://www.alhayat.com/Articles/11152321/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7–%D8%AA%D9%83%D8%B1%D9%91%D8%B1–%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%86

4- ب.ك، 500 مليون دولار حجم التبادل التجاري بين سوريا وروسيا في عام، ب.ت. موقع B2B-SY.COM، http://b2b-sy.com/news/28141/

-5 ميسون، جيف، أوباما وبوتين على طرفي نقيض في الأمم المتحدة بشأن التعاون مع الأسد، رويترز، 28 سبتمبر/أيلول 2015، http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKCN0RS2I520150928

 

 

 

 

 

ماذا ينتظر الروس عسكرياً في سورية؟/ عبدالناصر العايد

يبدو التواجد العسكري الروسي المباشر في سورية أساسياً لتحقيق أربعة أهداف رئيسية، هي إنعاش الجيش السوري وإنهاضه على قدميه باعتباره النواة المركزية للدولة التي يُراد المحافظة عليها، ومحاربة وإضعاف الفصائل المقاتلة التي تسعى لاقتلاع النظام في شكل جذري وخفض سقف مطالبها، والاستغناء عن المعاونة الإيرانية المباشرة من خلال الميليشيات لإعطاء انطباع جديد عن الصراع ينأى به عن الانقسام الحاد السني الشيعي لتخفيف حدة العداء للنظام في الإقليم، وأخيراً لضمان تنفيذ التزامات موسكو بإزاحة الأسد، وهو ما لن تكون قادرة على فرضه على عائلة الأسد ما لم يكن لها وجود مقرر على الساحة السورية.

نحن إذاً أمام انخراط عسكري روسي في سورية سواء قبلت خطة بوتين أو رفضت، فسيد الكرملين المبشر باستعادة روسيا دورها القطبي في العالم لن يتراجع عما صرح ولوح به مهما كانت العواقب. فماذا ينتظر قواته على ضفة المتوسط الشرقية؟

ستلاقي القوات الروسيّة على تخوم مناطق سيطرة النظام نحواً من مئة ألف مقاتل يؤلفون بضع عشرات من التشكيلات المسلحة، التي لا تخضع لقيادة موحدة أو مرجعية مركزية، وتخوض حرب عصابات متعددة البؤرة منذ نحو أربع سنوات، اكتسبت خلالها كافة أنواع الخبرات في هذا النمط من الصراعات، ويشكل افتقارها إلى بعض الأسلحة النوعية وعدم انتظام الدعم المالي أبرز العقبات على طريق استكمال عملها لإسقاط النظام، ويمكن للآلة العسكرية الروسية أن توجه ضربة عنيفة بالأسلحة الاستراتيجية لتدمير البنية المادية وقواعد هذه التشكيلات، والقيام بهجمات محورية بالسلاح الثقيل على خطوط التماس لاختراق الجبهات العنيدة وتشتيتها، كما أن بمقدورها أن تقوم بعمليات إنزال مجوقل أو مظلي، في العمق الاستراتيجي للفصائل الإسلامية المعتدلة أو في مناطق سيطرة «داعش»، وانتزاع هدف سهل غير محصن، يترافق مع بروباغندا إعلامية كبيرة. وماذا بعد؟!

إن جهل القوات الروسية بأرض المعركة، وغربتها الثقافية والاجتماعية، سترغم قواتها على التمركز في معسكرات معزولة ومحصنة، تحوم حولها الذئاب الجريئة، ذات الخبرة الطويلة في استغلال الثغرات والتسلل عبرها وتوجيه الطعنات التي ستكون مهما قل شأنها عظيمة الأثر إذا ما نظر إليها من زاوية التصعيد الدعائي لقوة ومنجزات المؤسسة العسكرية الروسية في أول عمل لها خارج إقليمها الأوروبي الشرقي، وستهزّ هذه العمليات مع تواترها بعد استيعاب الصدمة الأولى، الإيمان بالعملية السياسية المرافقة والمتوخاة، ما سيدفع الروس لتثبيت موقفهم عبر الانخراط أكثر فأكثر في حرب أفراد، ستشكل مجزرة محققة للجنود الروس بسبب عدم خبرتهم أو استعدادهم لهذا النوع القديم، لكن المحدث جداً، من أنواع القتال الذي تتقنه الفصائل المعارضة، والذي أعجز مئات الألوف من جيش النظام السوري والميليشيات المتمرسة التي حاربت معه.

وفي حال تلكأ بوتين أو راوغ في إنجاز تعهداته بإزاحة الأسد، أو تعنت الأخير وتمسك بالسلطة، فإن مأزق القوات الروسية سيتفاقم لأن بين خصومهم من مقاتلي المعارضة السورية من سيحصل عند ذاك على دعم متصاعد، سيكون بمثابة أداة ضغط لإرغامهم على الالتزام بتعهداتهم، وسيتحول الجنود الروس في الشرق رهينة في المفاوضات بين روسيا وخصومها الكثر.

من ناحية أخرى، ستواجه روسيا مشكلة التدافع مع إيران التي اكتفت في كافة مراحل الصراع بدعم وصناعة قطاع الميليشيات في سورية، أداتها المفضلة في اللعب إقليمياً، من لبنان إلى العراق فاليمن، وستواصل من دون شك عملية استقطاب عناصر النخبة بين مؤيدي النظام لمصلحتها، مما يعرقل ويفرغ جهود روسيا لإعادة بناء قطاع الجيش النظامي. ومع تعثر عملياتها العسكرية، سيتسرب عناصر ذلك الجيش لمصلحة الميليشيات التي يهيمن عليها اللوبي الإيراني، ولن تتمكن بالتالي من إنشاء سند محلي قوي كما كانت تتوقع، وستبقى منفردة في الميدان وسط انشغال أنصارها بالصراع على النفوذ في المرحلة التالية.

وبخلاف ما تعلنه روسيا اليوم، فإن الحرب على التنظيمات المتطرفة كـ «داعش» و «النصرة» لن تستحوذ على نصيب كبير من اهتمامها، وسينصب جهدها العسكري في الحقيقة على محاولة تنظيف الساحة من الفصائل المعتدلة التي تمثل المنافس السياسي للنظام، ولإخراج المشهد السوري في النهاية على أنه ميدان صراع بين الإرهابيين والنظام.

لذلك ستتلقى الفصائل المحيطة بدمشق تحديداً أقسى وأعنف الضربات، بواسطة الأسلحة الاستراتيجية الثقيلة، لإحداث نوع من الصدمة والترويع في صفوفها تدفعها للانهيار السريع، وستكون قدرتها على الصمود بعد تلقي الضربات الأولى، وتحويل الصراع تالياً إلى اشتباكات بالمجموعات الصغيرة والأفراد، نقطة الانقلاب في معطيات المعركة، وإعادتها إلى سياقها العام وهو نمط حرب العصابات، حيث لا نتائج حاسمة فيه، وعندما لا يحسم الروس فهذا يعني أنهم هزموا.

وستدفع وضعية مواجهة الآلة العسكرية الروسيّة الضخمة جميع الفصائل للتوحد أو التنسيق تحت شعار وطني هو مقاومة الغزو الروسي، ما سيعزز مكانتها السياسية والشعبية ويمنحها شرعية لم تستطع تحصيلها حتى اليوم بسبب التباس صراعها بالبعد الديني المذهبي.

بلا أدنى ريب، سيمنح التدخل الروسي بشار الأسد مزيداً من الوقت في السلطة ولا شك، لكنه في الوقت عينه حدد موعد رحيله الذي سيعمل الكثير من الأطراف على التعجيل به، وهو لحظة مغادرة الطائرات الروسيّة سماء سورية.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

سوريا بين الروس والأميركيين/ د. رياض نعسان أغا

سواء اختلف الرئيسان بوتين وأوباما حول القضية السورية أو اتفقا فإن السوريين يشعرون بخيبة أمل لأن قضية محاربة الإرهاب شغلت العالم عن قضيتهم الأساسية التي باتت هامشية، وتتم التعمية عليها من خلال التركيز على محاربة الإرهاب وإهمال القضية الأم.

ولم يعد مهماً أن يتساءل الباحثون عن أسرار ظهور التنظيمات الإرهابية في سوريا، فقد رأى العالم كله على شاشات التلفزة كيف استولى تنظيم «داعش» على الرقة والموصل وتدمر، فالإرهاب الذي بدأ كذبة كبرى في سوريا حتى عام 2012 تم تصنيعه وصار حقيقة، وتمكن من أن يختطف ثورة الشعب. وهو اليوم خطر كبير على مستقبل سوريا والمنطقة، والسوريون هم أول المتضررين من وجوده ونموه وهم الذين يدفعون الثمن الباهظ لانتشار قوى التطرف التي تشوه دينهم وثقافاتهم ولاسيما أن هذه القوى جاء أغلبها من الخارج واستغل الحالة المأساوية التي يعيشها السوريون الذين هدمت مدنهم وبيوتهم وقتل أبناؤهم، وقضى الآلاف منهم في أقبية التعذيب وغرقاً في البحار. وهم ليسوا بيئة حاضنة للإرهاب كما يتهمون، بل هم طلاب كرامة وحرية، وهم الذين قدموا عبر تاريخهم المديد أجمل الصور للتعددية الفكرية والعرقية والثقافية، ولكن قسوة النظام في الرد على مطالبهم جعلتهم يعيشون بين الرمضاء والنار.

ولم يكتف النظام باستدعاء الاحتلال الإيراني وفتح بوابات سوريا لدخول قوى طائفية من «حزب الله» ومن متطرفي العراق، فقد استدعى روسيا لتبدأ احتلالاً عسكرياً لسوريا، بذريعة مكافحة الإرهاب ولكن الهدف الحقيقي هو تمكين النظام من قمع شعبه، مقابل استعادة دور روسي في المتوسط بعد أن شعرت روسيا بأنها مهمشة ومعزولة عن المجتمع الدولي، بل إنها واجهت عقوبات بعد تدخلها الأخير في أوكرانيا.

ولم يكن مفاجئاً أن يغيب عن خطاب الرئيس بوتين في الأمم المتحدة أي ذكر للشعب السوري ومحنته الإنسانية الكبرى، ولو على سبيل المجاملة الدبلوماسية، وألا يتحدث عن أي حل سياسي للقضية، فهو الداعم الأول للنظام في قتل شعبه، لكن المثير أن يعتبر المعارضة المعتدلة إرهابية، وهو بذلك يتهم كل أصدقاء سوريا ومن وقفوا مع الشعب السوري بأنهم يدعمون الإرهاب. وقد بدأت روسيا عملياتها العسكرية بقصف أهداف مدنية لم يكن في أي منها حضور لـ «داعش» أو للإرهابيين، وهذا يؤكد أن مهمة القوات الروسية إنقاذ النظام فقط، واستكمال دوره في إنهاك الشعب وإجبار من بقي على قيد الحياة، ولم يهاجر بعد، على تقديم الولاء والطاعة صاغراً، وهذا ما يصعب أن يتحقق أمام شعب مقدام، أدهش العالم بمدى قدرته على الصبر وتحمل الفواجع ولا يزال مصمماً على نيل حريته وكرامته.

إن من أخطر الأهداف التي قصفتها المقاتلات الروسية هو بيان جنيف ودور روسيا في أي حل يمكن أن يكون مقبولاً في سوريا، فلم يعد ممكناً أن تقدم نفسها وسيطاً نزيهاً ومحايداً وقد ولغت في دم الشعب السوري بشكل مباشر بعد أن كانت تكتفي بتقديم الدعم العسكري، كما أن بدايتها الخاطئة في اختيار الأهداف تذكرنا بالقول الشهير «ما يبدأ خطأ ينتهي خطأً» وكان أولى وأجدر بروسيا أن تقدم نفسها صديقة للشعب لأنه هو الباقي، وأما النظام فهو راحل مهما طال الزمن.

وأمام هذه التطورات الدامية في القضية السورية، وتداعيات الاحتلال الروسي لسوريا، لابد من تشكيل موقف عربي ودولي حازم يمنع روسيا من استهداف المدنيين، ومن اعتبار المعارضة المعتدلة إرهاباً.

وفي غياب حضور تمثيل قوي للمعارضة الوطنية السياسية ولاسيما بعد حالة الإضعاف التي تعرض لها الائتلاف وبعد تعرض الجيش الحر كذلك لضربات من «داعش» ومن تنظيمات متطرفة تتقدم روسيا لمساعدة النظام في التخلص من المعارضة المعتدلة بهدف تصنيع معارضة موالية للنظام ولروسيا، تكون جاهزة للتوقيع على حل سياسي يتيح للنظام أن يستمر في نهجه، مع تغيير شكلي عبر حكومة ائتلافية وليس انتقالية، ومع انتخابات برلمانية بمشاركة من حضر وفي غياب أكثر من نصف السكان السوريين المشردين والهاربين من براميل وصواريخ الموت التي تلاحقهم.

ومع تقديرنا لمواقف الأشقاء العرب والدول الأوروبية الصديقة وما سمعنا على منابر الأمم المتحدة من تصريحات تعبر عن تعاطف مع مأساة شعبنا ومن تشخيص جيد لقضية انتشار الإرهاب وتصنيعه في سوريا، إلا أن السوريين المنتشرين في الملاجئ والمخيمات وأعدادهم في ازدياد، يترقبون قدوم شتاء عاصف خامس، يبدون يائسين من خطة «ديمستورا» ومن لجانه، ومن عجز المجتمع الدولي عن اتخاذ موقف إنساني وأخلاقي صارم قبل أن يكون موقفاً سياسياً يبحث عن مصالح الدول وينسى مآسي الشعوب.

الاتحاد

 

 

 

 

ولكن لماذا تتمسّك موسكو ببقاء الأسد؟…/ مهران سالم()

تتملّك المرء الدهشة إزاء المواقف التي «استغربت أو تفاجأت» من زيادة وتعزيز الوجود العسكري الروسي في سوريا، ناهيك عن تلك التي أخذت فرصتها في «درس وتحري» أبعاد وأهداف هذا «التدخل»؟! فمثل هذا الأمر يفترض ألا يكون مفاجئاً لأحد، إذ إنه استمرار طبيعي للموقف الروسي الذي عمل منذ بداية انتفاضة الشعب السوري، على الدفاع عن الرئيس الأسد ونظامه، سواءً عبر تعطيل مجلس الأمن عن اتخاذ أي قرارات ضد السلطة السورية، أم عبر السخاء غير المحدود وغير المنقطع في تقديم المساعدات العسكرية له.

وقد جاء ذلك في سياق حرص موسكو على حماية ما تبقّى من نفوذ لها في الشرق الأوسط، منطلقةً من اعتبار سورية، والأزمة التي تمرّ بها، بوابة أساسية لتعزيز مصالحها ونفوذها في هذه المنطقة، فضلاً عن تكريس حضورها على الساحة الدولية. وكيما تنجح الاستراتيجية الروسية، مارست موسكو شتى الألاعيب والبهلوانيات السياسية، من الحديث عن ضرورة إيجاد «حل سياسي للأزمة»، إلى التواصل مع مختلف أركان وقيادات المعارضة بشتى تلاوينها، وتقديم الكلام المعسول والوعود الخلّبية لها، لإيهامها بأنها «لا تدافع عن السلطة السورية، بل غايتها الحرص على حماية مؤسسات الدولة ومنع حدوث فوضى»، وصولاً إلى الحديث عن ضرورة توحيد المعارضة، علماً أن الجميع أدرك، أو بات يدرك، أن هدفها الحقيقي هو تفتيت هذه المعارضة، ونسف جوهر «عملية جنيف» المتمثلة بإنشاء هيئة حكم انتقالية، ذات صلاحيات كاملة.

وما قدمته موسكو أخيراً من طروحات يفضح ذلك بجلاء؛ حيث تحدّث الرئيس بوتين عن «استعداد الأسد لتقاسم السلطة مع معارضة بنّاءة»، (وحبذا لو تكرّم علينا «القيصر» الروسي بتحديد من هي هذه المعارضة «الصحيّة والسليمة»، المعنية؟)، على رغم تأكيد الأسد الدائم أن «لا حلول سياسية قبل دحر الإرهاب»!

ومع التصعيد الأخير وتدخلها العسكري المباشر، واتضاح زيف وخداع الوعود التي قدّمتها لبعض رموز المعارضة، لا يدري المرء إن كان بوسع أحد أن يماري الآن بشأن الأهداف والمرامي التي تتطلع إليها «موسكو بوتين» في سوريا، فهي لم تكن إلا منحازة لحليفها في دمشق، غير آبهة بكل الويلات التي سبّبها هذا الحليف لبلاد»ه»، وللأغلبية الساحقة من الشعب السوري، بل كانت هي شريكته في كل ذلك، سواء من خلال الحماية، السياسية والإعلامية، التي وفرتها له في مجلس الأمن وفي العديد من المحافل الدولية الأخرى، أم من خلال تزويد آلته الحربية بكل ما يلزمها من أدوات القتل والدمار؟!

ولكن ماذا بشأن انعكاس هذا التصعيد على الساحة الدولية؟ وهل تجازف موسكو بعلاقتها مع العواصم الكبرى، أو تدفع هذه العلاقة نحو «حافة الهاوية»، بما أقدمت عليه أخيراً؟ أغلب الظنّ أن ما تفعله العاصمة الروسية يبدو مدروساً ومحسوباً، وينطلق من الرهان على «القواسم المشتركة» التي تجمع بين سياستها وبين سياسات الدول الغربية، التي باتت تعطي الأولوية لمحاربة الإرهاب و»داعش» في سورية، والتي تبدي حرصها كذلك على الدولة السورية ومؤسساتها، وهو ما قالته موسكو بالضبط، في تبرير خطوتها الأخيرة، وقد أضافت إليه أخيراً زعمها العمل من أجل «الحيلولة دون وقوع كارثة تامة» في المنطقة، مع أن الكارثة التامة حلّت بالشعب السوري، وماذا أكثر من أن يهيم هذا الشعب على وجهه في شتى أصقاع العالم، بحثاً عن ملاذ وملجأ آمن!! أللهم إلا إذا كانت موسكو تعتبر أن خسارة الأسد لكرسي السلطة هي وحدها «الكارثة التامة»؟!

وتندرج في هذا السياق، دعوة الرئيس الروسي بوتين لإقامة «تحالف إقليمي ودولي» لمواجهة «الإرهاب»، على أن يكون النظام السوري جزءاً أساسياً منه، علماً أنّ القادة الروس ما انفكوا يدعون «التحالف الدولي» والولايات المتحدة إلى التعاون مع الأسد، كشريك وحليف في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية. وقد كرّر وزير الخارجية لا فروف مراراً أن ربط محاربة الإرهاب برحيل الأسد، تمثل «فكرة طوباوية». وذهب السفير الروسي لدى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، أبعد من ذلك حين أشار إلى أن بلاده تتشاطر مع الإدارة الأميركية «قلقها من سقوط نظام الأسد، والخشية من قيام «داعش» بالسيطرة على دمشق»!

وخلافاً لما يقوله تشوركين، سنفترض أن إدارة البيت الأبيض صادقة تماماً حين تتحدث عن رغبتها في «حلّ سوري بلا بشار الأسد، وبأن الأخير يشكل عائقاً أمام محاربة داعش»، إلا أن السؤال الذي «يصفع» الجميع هو: ما الذي فعلته وتفعله هذه الإدارة لكي تؤتي تلك «الرغبة» ثمارها؟!

إذاً، وبعيداً عن التساؤلات المتصلة بطبيعة الخطوة الروسية وانعكاساتها على علاقة موسكو مع «المجتمع الدولي»، فإن ما يجدر طرحه هو السؤال بشأن: «لماذا تتمسّك موسكو ببقاء الأسد؟»، وخصوصاً بعدما بدأ الوهن يدبّ في بنيان نظامه، وأخذت سيطرته تنحسر وتتراجع أكثر فأكثر، فاقداً المزيد من المدن والمواقع العسكرية؟!

في مقاربة الإجابة على هذا السؤال، لا بدّ من الإحاطة بأهم عنصر من العناصر التي تشكل مدخلاً لفهم الحالة السورية بوصفها نموذجاً خاصاً – أو بالأحرى «استثنائياً» – إذ إن موسكو تدرك – كما تدرك الأغلبية الساحقة من الشعب السوري – أن النظام القائم في «سورية الأسد» لا يمكن في أي حال من الأحوال فصله عن رأسه. رأس هذا النظام هو النظام، أو هو والنظام شيء واحد غير قابل للانفصال أو التجزئة. وعليه، فهي تدرك جيداً أنه لا يمكن الحديث عن المحافظة على النظام أو بعض أركانه، مع إبعاد أو تغييب الأسد.

وبمعنى آخر، عندما نقول إن مصالح العاصمة الروسية، مثلها في ذلك مثل العاصمة الإيرانية، ترتبط ببقاء واستمرار النظام السوري، فإن هذا يفترض، تلقائياً، بالنسبة إليهما بقاء واستمرار رأس النظام، لأنهما يحدسان ويعرفان، على نحو عميق ويقيني، أن ذهاب الأخير سيعني انهيار النظام لا محالة، وتالياً انهيار مصالحهما ونفوذهما في سوريا، عاجلاً أم آجلاً. وعلى ذلك، فكلما بدا النظام السوري مهدداً بالسقوط أكثر، كلما أظهرت هاتان العاصمتان مزيداً من الدعم والمساندة له، ومزيداً من التمسك برأسه، في الوقت عينه!

فنظام الأسد في سورية ليس كالنظام المصري، ناهيك عن التونسي، حيث أمكن بكل سهولة التضحية برأس النظام (مبارك) من أجل الحفاظ، أو معاودة الحفاظ على النظام ككل، ممثلاً بأجهزته ومؤسساته العسكرية والأمنية والاقتصادية والمالية والإعلامية.

النظام السوري (الوراثي) هو أقرب ما يكون إلى نظام الحكم في كوريا الشمالية، أو إلى الأنظمة التي كانت تنحو منحى مماثلاً؛ عراق صدام حسين، ليبيا العقيد القذافي. ومعركة الشعوب مع مثل هذه الأنظمة غالباً ما تكون «معركة صفرية»، لأنها لا تتعاطى «السياسة» أبداً مع شعوبها، وهذا يحتاج إلى حديث مستقل، آمل أن أكمله في مرة قادمة.

() كاتب من سوريا

المستقبل

 

 

 

في أن بوتين وحده الفعّال…/ مصطفى كركوتي

كلام رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون، عن «التباعد السحيق» بين سياسة كل من الولايات المتحدة وروسيا حول كيفية إلحاق الهزيمة بـ «داعش»، مقلق للغاية، وذلك نتيجة غموض رؤى الرئيسين باراك أوباما وفلاديمير بوتين إزاء الوضع في سورية وما الذي يجب اتخاذه من إجراءات لوضع حدّ للتقدّم الذي يحققه هذا التنظيم المارق.

فأحدث تقرير صدر في هذا الشأن هو ذاك الذي أعلن عنه الكونغرس الأميركي من أن نحو 30 ألف شخص، يقدر أن يكون أكثر من نصفهم من الأوروبيين والأميركيين، التحقوا بصفوف «داعش» في العام الحالي، أي ضعف عدد أعضاء هذا التنظيم المرصود في تقرير مماثل صدر العام الماضي.

حالة الهلع هذه من انتشار الإرهاب وتوسّع نفوذ «داعش» في المنطقة، كانت واضحة جداً في خطاب عاهل الأردن عبدالله الثاني في الأمم المتحدة، إذ وصفه بـ «أكبر تهديد جماعي في هذا العصر».

واضح إذاً كيف أن فشل أوباما وبوتين في الاتفاق على سبل التعامل مع الأزمة الطاحنة في سورية، مدعاة لسرور «داعش» فضلاً عن إيران و «حزب الله». فتوسّعه وانتشاره السريع في زمن قصير نسبياً (حوالى 18 شهراً) اعتمدا وما زالا يعتمدان على الخلافات بين خصومه حول سبل المواجهة معه، ولا يبدو هناك في الأفق أي احتمال قريب يدعو إلى التفاؤل، إذ إن خريطة التغيير المرجوة تعتمد في الدرجة الأولى على الأحداث الجارية في ساحة المعارك، وليس على التفاهم والديبلوماسية الغائبة عن المشهد الدولي.

كلنا يعلم أن الهزائم التي لحقت بـ «داعش» منذ صيف 2014، تمت فقط عل يد أكراد العراق وسورية في إقليم كردستان وبلدة كوباني، إذ يسيطر أكراد هذه البلدة الآن على جميع معابر الحدود مع تركيا ما عدا معبراً واحداً. وعلى رغم الـ7000 غارة جوية لقوات التحالف ضد أهداف لـ «داعش» على مدى أقل من سنة، فهذا الأخير لم يفقد القدرة على شنّ غزوات موجعة. ويلاحظ كيف أنه مع تقدّم المقاتلين الأكراد في شمال العراق وشمال سورية ضده، لم تحقق قوات النظامين في بغداد ودمشق أي نصر. فمقاتلو «داعش» لا يزالون يسيطرون على الفلوجة، على سبيل المثال، منذ مطلع 2014، على رغم الهجمات الأميركية والإيرانية عليهم. فانعدام الضغط وعدم ملاحقة عناصر «داعش» في مناطق وجودهم في العراق مثلاً، يمكّنان هؤلاء من الالتحاق بعناصر هذا التنظيم العاملين في الساحة السورية.

وقد بات واضحاً الآن أن اللاعب الفاعل على الأرض هو روسيا، على الأقل بالنسبة إلى سورية. فالجميع سعوا وراء بوتين لمعرفة ماذا يريد وماذا يفعل. حتى رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو، سمع كلاماً منه يلخّص أهداف موسكو بـ «إنقاذ الدولة»، أو بالأصح، ما تبقى منها. وقلق نتانياهو كان محصوراً بمعرفة تبعات التدخل الإيراني الواسع والمطلق، وإنفاق طهران بين 6 و10 مليارات سنوياً في دعم حكومة بشار الأسد، وتوجيهها لنشاط ميليشيات «حزب الله» في سورية عموماً وفي مرتفعات الجولان المحتلة على وجه التحديد. بوتين أكد لزائره أنه لا دمشق ولا طهران ولا الميليشيات «في وارد فتح جبهة ثانية، وليست قادرة على ذلك».

بعبارة أخرى، هناك تفاهم وتنسيق في هذا الشأن بين موسكو ودمشق وطهران.

الآن مع الغياب الكامل لقوات التحالف في سورية، ما عدا الغارات الجوية ذات التأثير الطفيف،لا يوجد في الميدان إلا لاعب فعال واحد هو بوتين. وواضح أن الولايات المتحدة، وهي القوة الأساس في قوات التحالف أمام روسيا، لا تريد أن ترسل قواتها إلى سورية في الوقت الذي تنفذ برنامجاً شاملاً لسحب قواتها من المنطقة وإعادتها إلى بلادها قبل نهاية ولاية أوباما. فهذا الأخير لم يُبدِ حتى الآن اهتماماً ذا معنى بتطورات الحرب البشعة في سورية التي تشهد عملية نزوح وقتل لا مثيل لها منذ الحرب العالمية الثانية.

يلاحظ أيضاً كيف أن رد فعل الإدارة الأميركية، ومن خلفها دول حلف الناتو، الباهت إزاء الأزمة المتفاقمة في أوكرانيا، لا يشجع على الاعتقاد بأن تغيّر واشنطن وحلفاؤها موقفهم الراهن تجاه سورية. فيوجد الآن أكثر من 45 ألف جندي من القوات الروسية في أوكرانيا يسيطرون على المناطق الحدودية، ولا يوجد في الأفق أي احتمال لسحب هذه القوات الآن أو في المستقبل. كما أن 95 ألفاً من الجنود الروس شاركوا قبل أسابيع في عمليات تدريب واسعة غلب عليها طابع العمليات الهجومية.

ويتساءل البعض الآن ما إذا كان بوتين ينوي استخدام المزيد من قوات بلاده في سورية، ليس بالضرورة لتأكيد إطالة عمر حكومة الأسد، بل لضمان دور فعال لموسكو في أي تسوية مقبلة، وحماية وجود بلاده الوحيد في مياه المتوسط الدافئة.

فتوقيت موسكو لنقل بضعة آلاف من جنودها وعشرات الطائرات الحربية لحماية الرئيس الأسد المحاصر، لافت للانتباه. فها هو بوتين يعزز وجود قوات بلاده بأعداد كبيرة في قاعدة جوية قديمة في أطراف مدينة اللاذقية الساحلية في شمال غربي سورية، بنيت في عهد الاتحاد السوفياتي السابق ولعبت دوراً مهماً في مرحلة «الحرب الباردة». لكن مهما كانت أبعاد مهمة بوتين في المنطقة وما وراءها، فهي في نظر السوريين لا تقل خطورة عن تقاعس الولايات المتحدة والتحالف الذي تقوده لوقف النزف البشري وتفتّت وحدة بلادهم.

ولا يوجد ما يشير إلى اعتراض حقيقي لأي من اللاعبين الرئيسيين في المنطقة، بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وتركيا، على تعزيز الدور الروسي في سورية. فالسفن الروسية تعبر مضيق البوسفور من قواعدها على شواطئ البحر الأسود إلى ميناء طرطوس السوري منذ منتصف آب (أغسطس) الفائت!

الحياة

 

 

 

في مآلات التدخل الروسي/ خورشيد دلي

جاء انخراط روسيا في العمليات الحربية في سورية تعبيراً عن استراتيجيتها تجاه الأزمة السورية، قضية موت أو حياة، ولعل وصف الكنيسة الروسية هذا التدخل بالحرب المقدسة يكشف عن المكنون الحقيقي لقرار موسكو وسياستها تجاه سورية، والشرق الأوسط عموماً، حيث تعتبر أنها المستهدفة الأولى من صعود الحركات الإسلامية المتطرفة في المنطقة، لأسباب وحساسيات تاريخية وجغرافية وسياسية واجتماعية.

ثمة أسباب كثيرة للتدخل الروسي، لعل في مقدمتها نجاحات المعارضة المسلحة، وسيطرتها على مناطق واسعة من الشمال السوري، أخيراً، جعلت موسكو تعتقد بإمكانية انهيار النظام، خصوصاً أنها لم تكن مرتاحة للاتفاق الأميركي – التركي، أخيراً، بشأن استخدام قاعدة أنجيرليك التركية، وربما كانت تعتقد، في العمق، أن مثل هذا الاتفاق قد يمهد لتكرار سيناريو ليبيا مع سورية، وإنْ بطريقة مختلفة، خصوصاً أنها تشعر أن واشنطن وحلف الأطلسي خدعاها في ليبيا. وتأسيساً على ما سبق، ترى موسكو أن خسارتها سورية تعني خروجها من المنطقة العربية بالكامل، وأن السيطرة على هذا البلد تعني السيطرة على الممر الأساسي للشرق الأوسط وأوراسيا وآسيا الوسطى، ما يعني حماية الداخل الروسي من التيارات الإسلامية المتطرفة، حيث تجربتها المريرة مع هذه التيارات في شمال القوقاز.

والثابت، أيضاً، أن التدخل الروسي لم يكن بعيداً عن مقاربة جديدة للسياسة الروسية تجاه واشنطن، بخصوص الأزمة السورية، تتراوح بين وجود تفاهم ضمني غير معلن بين الجانبين ووجود قناعة روسية بأن استراتيجية الرئيس الأميركي، باراك أوباما، تجاه الأزمة باتت ضعيفة ومنهكة، وأن الوقت حان لتسجيل ضربة روسية في المرمى الأميركي من البوابة السورية، بعد الاشتباك بين الجانبين في أوكرانيا.

ومع أن عنوان التدخل الروسي هو محاربة إرهاب داعش، إلا أن اللافت هو استهداف المجموعات المسلحة في الداخل السوري، ما يشير، ربما، إلى أن ثمة جوانب خفية في الاستراتيجية الروسية. والسؤال الأساسي، هنا، ما هو الهدف الجوهري من هذا التدخل الروسي؟ هل هو لإنقاذ النظام السوري، أم تحقيق مدخل لتسوية سياسية، بعد أن تعثرت الأخيرة، على الرغم من عشرات المبادرات التي طرحت؟

يحتمل الجواب الأمرين، فالمؤكد أن موسكو ترى في النظام السوري حليفاً استراتيجياً لها، لا يمكن التفريط به، ولا سيما في هذه الظروف، لكن الثابت، أيضاً، أن روسيا تعرف أنها ليست اللاعبة الوحيدة على الساحة السورية، وأن اللاعبين الدوليين والإقليميين الآخرين، ولا سيما الولايات المتحدة والسعودية وتركيا وفرنسا وبريطانيا، لن يقبلوا بتلقي هزيمة مدوية بعد خمس سنوات من أزمةٍ باتت الأعقد في العالم. وعليه، يمكن فهم تصريحات بوتين أن على القيادة السورية أن تستعد لحل سياسي.

نقل التدخل العسكري الروسي الأزمة السورية إلى مرحلة جديدة، خصوصاً لجهة التعاطيين، الإقليمي والدولي، معها، ولعل نتائجه تتوقف على جملة من العوامل، منها كيفية تعاطي القوى الإقليمية المطالبة بإسقاط النظام مع هذا التدخل، وكيفية تعاطي المعارضة المسلحة على الأرض مع الوجود العسكري الروسي وانخراطه في العمليات الحربية، والأهم موقف واشنطن، وكيف ستقابل الخطوة الروسية. هل بتعاون عسكري تحت عنوان مكافحة الإرهاب، خطوةً لا بد منها للانطلاق نحو تسوية سياسية، أم باتباع استراتيجية تؤدي إلى إغراق روسيا في المستنقع السوري، على أمل تكرار تجربة أفغانستان معها من جديد؟

إذا كان مستبعداً حصول اشتباك أميركي روسي مباشر على الساحة السورية، لأسباب تتجاوز أبعاد هذه الأزمة إلى حسابات استراتيجية للبلدين، فإنه ينبغي التفكير بتسوية سياسيةٍ، تقوم على مرحلة انتقالية، على الرغم من صعوبات كثيرة تعترض التوصل إلى مثل هذه التسوية، أو التفكير بخيار إغراق روسيا في المستنقع السوري، وهو خيار يطرح أسئلةً لا عن مستقبل الوجود الروسي في سورية، بل عن مستقبل سورية نفسها.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

في سوريا،روسيا أم بوتين؟/ إياد الجعفري

في تحليل السياسات الخارجية للدول الكبرى، عادةً ما يتم التركيز على دور اللابيات (جماعات المصالح)، والتيارات السياسية الكبرى، والمصالح الاقتصادية العابرة للحدود، كدوافع لصنع القرار، في حين يندر التركيز على البعد الشخصي. لكن في الحالة الروسية، يبدو الأمر مختلفاً، إذ أن للتوجهات والقراءات الشخصية، للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، تأثيراً حاسماً في صنع القرار في السياسة الخارجية الروسية. واتضح ذلك جلياً حينما ظهر تناقض بين تصريحات وزير الخارجية الروسي، وبين البيانات الرسمية الصادرة عن الكرملين، بخصوص استهداف “الجيش الحر” بسوريا. ففي حين وصف سيرغي لافروف، “الجيش الحر” بأنه شريك في التحول السياسي بسوريا، وصفته بعض البيانات الصادرة عن الكرملين بأنه “متشدد” ووضعته في خانة “داعش”، من دون كبير تمييز بين فصائل المعارضة السورية، بل ذهبت بيانات الكرملين إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن معظم معارضي الأسد انتموا إلى “داعش”، وكأنها تقولها علناً وبصورة مباشرة: “نعتبر كل معارضي الأسد دواعش”.

في “روسيا بوتين”، يبدو أن لكاريزما الرئيس الروسي، ونجاحاته السابقة، الدور الحاسم في صنع القرار بالسياسة الخارجية، ولا يبدو أن للمحللين والخبراء المحيطين به، سواء في الجيش، أو في الخارجية، أثراً كبيراً في آلية صنع القرار. يتضح ذلك جلياً في تحليلات المراقبين لمواقف بوتين، حيث يتضح البعد الشخصي لصنع القرار، خاصة على صعيد خيبات أمل بوتين السابقة من الغرب، تحديداً في ليبيا، وخيبات الأمل الروسية السابقة من الغرب، التي عايشها بوتين شخصياً، في اتفاق دايتون بخصوص “يوغسلافيا”، في تسعينات القرن الماضي.

ومع مراجعة توجهات الخبراء الروس، يتضح إدراك معظمهم لأهمية الحل السياسي في سوريا، ودور المعارضة الرئيس فيه. ويبدو أن بوتين أعطى هامشاً لهؤلاء الخبراء للتواصل مع شخصيات سورية معارضة، لكن دون إعطاء كبير أهمية للخلاصات التي سيخرجون بها. إذ كان الرئيس الروسي ينظر إلى سوريا “بعين المؤامرة”، التي تحكم تفكير رجال المخابرات في معظم الأحيان.

القادمون عادةً من خلفيات استخباراتية، يغيب التفسير التاريخي الموضوعي للأحداث عن تفكيرهم، ويسوده “البعد المؤامراتي”، بحكم عملهم الذي يتضمن جزءاً كبيراً من “التآمر” ضد الآخر، سواء كان الآخر هو الشعب ذاته، أو كان الآخر هو طرف خارجي. لذلك، يبدو أن بوتين ينظر لسوريا على أنها ساحة “تآمر” غربي ضد المصالح الروسية. ورغم أن هناك هامشاً من التآمر في صنع الأحداث بسوريا، إلا أن السيرورة التاريخية الموضوعية، هي الأكثر تأثيراً في صنع دفة الأحداث، وهو ما يغيب عن بال الكثيرين، سواء في روسيا، أو حتى في إيران، وفي كواليس صنع القرار بدمشق، بطبيعة الحال، أيضاً.

على خلاف ذلك، يبدو أن لدى صانعي القرار في الغرب، فهماً أكثر شمولية للأحداث بسوريا، وهو على علله، يأخذ البعد التاريخي والموضوعي بعين الاعتبار في فهم ما يحدث في سوريا، الأمر الذي يدفعهم لكبح جماح تدخلهم فيها، على اعتبار أنها في حالة صراع أهلي، ناتج عن الخلاف بين سكانها على تقاسم مواضع القوة والثروة.

وبناء على ما سبق، وبرصد التجارب التاريخية التي حكمتها التأويلات والطموحات الفردية، كأمثلة ألمانيا في عهد هتلر، أو فرنسا في عهد نابليون بونابرت، أو مصر في عهد جمال عبد الناصر…إلخ، عادة ما تشهد الدول التي تحكمها شخصيات قوية وطموحة، صعوداً سريعاً مُبهراً، لكن تكون الخاتمة، في انهيار سريعٍ مُفجع.

في الحالة الروسية، يبدو أن بوتين يسير على خطى المرحلة الثانية من مراحل “دول الأفراد القوية”. فبعد عقد ونصف من الصعود المُبهر لروسيا، تحت قيادته، يبدو أن الرجل ذاته يقود روسيا اليوم نحو هزيمة نكراء مُفجعة، ويبدو أن القدر شاء أن تكون ساحة هذه الهزيمة هي سوريا. ويبدو أن الغرب يدرك ذلك، وقد تجلى الأمر صريحاً في تصريح أخيراً للرئيس الأمريكي، باراك أوباما، حينما حذر الروس من “المستنقع السوري”.

بوتين، لا يختلف عن نماذج هتلر وبونابرت، إلا بالنِسبَة. وهكذا، يبدو أن الرئيس الروسي يجر بلاده إلى نكسة كبرى في سوريا، ستسبقها فصول طويلة من النجاحات الأولية، والنكسات المحدودة، بصورة ستجر الروس إلى المزيد من التدخل. وإن كان بوتين يتحدث اليوم عن تدخل جويّ فقط، فإنه في غالب الأمر، سينجر لاحقاً لتدخل برّي، سيكون الفاتحة لنهاية سيرة بوتين المميزة.

المدن

 

 

سورية: الزمن الروسي/ فواز حداد

جاء التدخل الروسي وانتشاره في الساحل السوري مفاجأة على جميع المستويات، أصابت جميع من شاركوا في ما اتفق على تسميته بالأزمة السورية، التي أصبحت حربا بعد شهور قليلة من اندلاع الاحتجاجات الشعبية. حولها النظام بغية سحقها في مهدها إلى حرب لم تكف عن التوسع باستدراج أصدقاء وأنصار وداعمين ومقاتلين وممولين وجهاديين، وميليشيات مذهبية، وقاطعي رؤوس…

التدخل الروسي على الأرض تأخر، أخيراً استدرك ما فاته، فسورية أرض مشاع ولا يصح أن تستفرد فيها إيران وحدها، كلفت الروس خمسة فيتوات في مجلس الأمن. ومهادنات صورية مع الأمريكان، ومماحكات مع المعارضة السورية، ولا ننسى تصريحات لافروف المتغطرسة.

هيأت سورية أوضاعاً مثالية لجميع الأطراف، فالأمريكان الذين لم يرغبوا بالتدخل في سورية، تمسكوا بلاءاتهم وعرقلوا أي حل لا يوافقون عليه، فلا الحل السياسي بات ينفع، والحل العسكري مشكوك فيه، طالما يجب ارضاء أطراف كثيرة. أما النظام العاجز عن الفعل، فليس عاجزا عن المناورة، في انتظار الفرصة المواتية كي يتقاسم معهم النفوذ على ارضه، فالجيش زائد قوات الدفاع الوطني كفيلة باحتلال موقع نافذ على الأرض، لكن ليس مضمونا، جماعاته قد تميل الى إيران أو روسيا، لذا أفضل ما يفعله النظام توحيد قواته، رغم صعوبة التوفيق بينها، النهب والفساد يفرقهم.

سارع الروس، حسب زعمهم، مضطرين نتيجة لتقاعس الآخرين عن المغامرة بجنودهم. وكان فيها وجهة نظر قوية، سقوط النظام القريب يعني أنهم أكبر الخاسرين، أما إيران فلن تخسر الكثير، فهي على مقربة من سورية، أذرعتها الطويلة تنخر فيها على جميع الأصعدة، خطوطها مفتوحة والجغرافيا تساعدها. بقاء النظام ضرورة سياسية للروس. أحد أهداف الغزو الأخير كسر الحاجز الجغرافي بإلغاء المسافات، ما يساويهم بالإيرانيين، باعتماد مبدا الشراكة معهم، ما يحد في الوقت نفسه من النفوذ الإيراني. تأثير الروس لم يعد يقتصر على مجلس الأمن، أصبحوا على الجبهات، وفي المقدمة، المستقبل إلى جانبهم الموالون للنظام لا يحبذون دولة يشرف عليها الملالي، بل دولة علمانية، ولو كانت على الطريقة الروسية، نظام البعث عرّفهم إلى انموذجها، كانت ديكتاتورية مفيدة بالنسبة إليهم، أما بالنسبة لما يُروَّج عنها، فسوف تشوبها ديمقراطية مستحدثة باتت مطلوبة عالمياً. الحرية الوحيدة فيها للمافيا، أسوة بروسيا نفسها.

لا يجدي لوم الروس على التدخل لأسباب أحدها أن التحالف العربي والمعارضة السورية ضمنوا لهم مصالحهم في سورية، وما أقدموا عليه لن يمنحها ضمانة أكبر، إن لم تكن مهددة فعلاً بالغرق في المستنقع السوري. هذا الطرح يتجاهل أن ما سيكسبه بوتين ليس حماية مصالحه فقط، هناك مكسب إضافي، ما ينشده شرعية مطلقة في الداخل الروسي، تمنحه حقوق الرئيس الأوحد، بعدما وضع روسيا على خارطة الصراعات الدولية، وأكد نفوذها من على منبر الأمم المتحدة وبلهجة هجومية، فاتهم الامريكان والغرب بالفوضى الحاصلة في المنطقة، ولم يغفل أوكرانيا. بات لروسيا الحق في أن يكون لها كلمة وفعل في ما يجري في العالم.

في السياسة، من الخطأ اهمال العوامل الذاتية، لذلك لا ينبغي اغفال تضخم الذات البوتينية. الرئيس الروسي يبحث عن انتصارات هي مسوغات قوية تبقيه في السلطة. بوتين لم يقنع باستنفاد فرصه الرئاسية، ويعد لفرص إضافية، ألم يحكم من الخلف في فترة مدفيدف؟ وربما أمريكا قلدته حربياً بالقيادة من الخلف. لا ينبغي استغراب العقدة البوتينية، شهوة السلطة أكثر ما تفعل فعلها في هؤلاء الذين نشأوا في الدول الشمولية، وكانت لهم أدوار سرية في صناعة الأحداث من خلف ستار. العقلية الشمولية لم تغادر العالم، إذ هي المنبت الخصب للديكتاتورية والديكتاتورين والرؤساء الحالمين بالأبد. كما علينا ألا نستهين بتأثير الأديان التي تشارك بالحروب، الكنيسة الارثوذكسية الروسية باركت التدخل في سورية، ما أسبغ على بوتين لمسة من القداسة تؤهله روحياً لحرب مقدسة ومنها لزعامة روسيا لفترة قادمة، ما دام لديه من الوقت ما يسمح له بإجراء تعديل على الدستور، رئيس جمهورية عربي عدل دستور بلده خلال ساعات ومن قبره.

إذا كان الزمن الروسي قد بدأ، فلنتوقع أن سورية التي غادرت الأبد الأول، قد دخلت في الأبد الثاني.

المدن

 

العدوان الدولي على حرية سورية/ غسان المفلح

ليس من قبل المصادفة ان يعلق معظم الناشطين السوريين على صفحاتهم، في مواقع التواصل الاجتماعي، أن الأجواء السورية باتت تحتاج لشرطة مرور جوية، تنظم حركة الطيران. طيران التحالف الدولي ضد داعش، منه الطيران الأميركي والفرنسي والبريطاني والاوسترالي. الطيران الاحتلال البوتيني الروسي، طيران الاحتلال الاسدي إضافة بالطبع للطيران الاسرائيلي. بوتين ايقظنا من نومنا على ما يبدو، ليعلن لشعوب العالم أنه يريد أن يتزعم تحالفا عالميا للقضاء على الشعب السوري وحريته. هكذا في وضح النهار. بوتين منذ اقل من خمس سنوات عمر الثورة السورية، وهو يحاول عبر دعمه بالسلاح وغير السلاح للاجرام الاسدي. في هذ الاطار بوتين كديكتاتور مشوه، رخيص. هذه ليست شتائم، إنما تقرير وقائع على سلوك الرجل. بدء من عملية تجميل وانتهاء بخروجه عار الصدر مع نمره على ضفة نهر، إضافة لقتله معارضيه. ومنظومة الفساد التي كونها. كنت قد تحدثت بشكل مفصل عن هذا الموضوع في مقال سابق. مع مرور اليوم الثالث، لم يقترب الطيران البوتيني من أي مقر من مقرات داعش بل قصف مواقع الجيش الحر والمدنيين وذهب عشرات منهم أطفال ونساء جراء غارات سلاحه الجوي. داعش حتى تاريخ كتابة هذا المقال لم تعلن موقف، ولم تعرض مواقعها لأي قصف من سلاح الجو البوتيني. أيضا الحكومة الإسرائيلية لم تعلن أي موقف. بالمناسبة للامانة الطيران الإسرائيلي الوحيد الذي يقصف مواقع للاسد ودون ان يقصف مدني واحد. أجواء سورية تشهد حركة مرور طيران عسكري قل نظيره في التاريخ المعاصر. لا بل لم يشهد التاريخ المعاصر مثل هذا الازدحام. جذر المسألة وهدفها يكمن ان كل هذا الطيران يريد قتل الشعب السوري وطموحه نحو حريته. ان تظهر البنية التآمرية في السياسة الدولية بشكل فاضح لم يسبق له من قبل. ان يظهر بمثل هذا الوضوح. كنت كتبت في بدايات الثورة عما اسميته آنذاك السلطة الدولية السوداء العميقة. كأنها هي من تأخذ قرارات دولية، بخصوص السماح للاسد بارتكاب ابشع المجازر، بحق شعب بقي لسنتين اعزل يطالب بحريته من نظام يعرفه القاصي والداني انه نظام مارق وفاسد ومجرم. ما يحدث الآن من عدوان عالمي على الشعب السوري، حريته ووطنه، ليس سوى نتيجة لسياسة أوباما، ليس لأن أوباما ضعيف، وليس لأنه ترك فراغا سياسيا أتت روسيا وغيرها لتحل فيه ضيفا مجرما. لأنه أراد لسورية هذا المصير. أوباما قرر منذ الأشهر الأولى للثورة السورية، التعامل مع الملف السوري بوصفه ملف أمني. ما يهمه هو اسنزاف الجميع من كيس الجميع، وهذا ما حصل وروسيا ليست خارج هذا الاطار. اقتصاد روسي ضعيف، وبوتين يرسل قواته وطائراته على حساب الشعب الروسي هذه المرة. ما الذي يريده بوتين من سورية.الموضوع ليس غاز ونفط، وليس البحث عن نفوذ عالمي!! لأنه يعرف سقفه واتضح له اثناء ازمة أوكرانيا. بل يريد تسويق نفسه كنظام ديكتاتوري عند الغرب وامريكا. وليس لقضم مصالح أمريكا لصالح روسيا. الدليل تسويق نفسه وتدخله عند إسرائيل. أوباما يغني طربا على دماء السوريين منذ اليوم الأول للثورة. والروس الآن لا يعرفون اين يتجه بوتينهم. الروس لا يعرفون على ماذا سيحصل بوتين من هذه الحرب الفاشية والنازية؟ عبر الكنيسة الارثوذكسية الفاشية، التي زار بطركها سوريا، ممجدا بالاسد وهو يقتل الشعب السوري قبل سنوات. يدعم بوتين ويعلن انها حربا مقدسة. البطرك الروسي الآن هو داعش بوتين. وبوتين الآن دخل تحت شعار حرب صليبية جديدة مقدسة. من جهة أخرى يريد إعادة تسويق نفسه داخل روسيا بعد الخسارات المتتالية، وتراجع الاقتصاد الروسي. إذا كان أوباما قد صرح قبل سنتين تقريبا، يدافع عن سياسته، بأنه لم يسلم سورية لإيران، قال بالحرف الواحد، سورية الآن ركام وبما معناه لتهنأ بها ايران والاسد. فما بالكم الآن؟ لامريكا حرية الحركة في الملف السوري، ولروسيا الأسد المجرم فقط. انه فارق ستربح أمريكا فيه بالنهاية وتخسر روسيا، لكن كله على حساب دماء شعبنا. أما قضية داعش والإرهاب فهي نكتة تقولها السياسة الامريكية دوما، لكي يصدقها العالم، وتضحك هي على العالم هذا. سورية حرية شعبها هي المطلوبة. لا يريدون دولة حرية وقانون ومؤسسات في سورية. إذا كانت روسيا كلها مرهونة لمافيا، فهل سيهتم كثيرا أوباما أن تكون سورية مرهونة لمجرم كالاسد؟ خاصة أن الأسد الآن صار كما يقول المثل السوري ( متل يلي مضيع جحشة خالته) مجرم صغير في بنية دولية تآمرية سوداء على شعب كل ذنبه أنه أراد الحرية. مع ذلك انتهى عصر الاسدية في سورية حتى لو اتى مليار صيني الى سورية!! بمناسبة حديث عن ان الصين تريد ارسال مقاتلات جوية!! الاسدية انتهت. سورية الآن محكومة من دول العالم الكبرى والصغرى والأسد برغي اجرامي صغير في هذه الآلة.

ايلاف

 

 

 

 

أسباب التدخل الروسي في سوريا وتداعياته/ معتز حيسو

ثمة أسبابٌ متعددة تكمن وراء التدخل الروسي المباشر في سوريا، بعضها يتعلق بمصالح روسيا الإستراتيجية، وأخرى بأوضاع سوريا والإقليم، نذكر من تلك الأسباب ما يلي:

أولاً: تمكين وجود روسيا العسكري في حوض المتوسط لضمان مصالحها الاقتصادية المتعلقة بالاستثمارات النفطية وأنابيب النفط والغاز، وللحد من هيمنة الولايات المتحدة وحلفائها الدوليين والإقليميين على منطقة الشرق الأوسط. وتحقيق ذلك من الوجهة الروسية يفترض المحافظة على ما تبقى من مؤسسات الدولة الســورية، وإحكام قبضتها على مداخل ومخــارج التحولات الراهنة والمحتــملة، ووضع حــد لتراجع الجيش السوري أمــام المجموعــات الجهــادية. ومن المعلــوم أن خــروج الأوضــاع الميدانية عن الســيطرة، ســوف يســاهم بسقوط سوريا في قبضة مجــموعات مسلحة متناقضة، وبالتالي انسداد آفاق الحل السياسي، ومن الممكن أن يقود ذلك إلى تصفيات جماعية لفئات كبيرة من السوريين.

ثانياً: تخوّف القيادة الروسية من تدخل تركي مباشر لإقامة منطقة عازلة لتدريب الفصائل المقاتلة، وتجميع اللاجئين. وقد أفادت مصادر صحافية أن تركيا قررت التقدم إلى قمة الاتحاد الأوروبي بطلب إنشاء «منطقة أمنية» في شمال سوريا من أجل تدارك الهجرة الكثيفة. وقد أبدت دول الاتحاد استعدادها لبحث تلك الفكرة. ويؤكد ذلك تصريح وزير خارجية بلغاريا الذي أكد ان بلاده تدرس الأمر مع رئيس الوزراء التركي.

ثالثاً: توجُّس القيــادة الروســية من حصول مفاجآت ميدانية يمكــن أن تُعِّجل في إسقاط النظام، فكان تدخّلــها للحيلولة دون ذلك، ولتلافي خسارات كبرى، فيما يرى البعض أن موسكو تريد تقوية النظام في سوريا ليكون ورقة قوية في أي مفاوضات مقبلة.

رابعاً: تسعى روسيا للتوصُّل إلى تسوية سياسية قبل انهيار المؤسسات الهيكلية للدولة السورية. ويرتبط ذلك بتأمين مشاركة الحكومة في المرحلة الانتقالية مع هيئات المجتمع المدني، وقوى سياسية معارضة يتم توضيبها بما يتناسب مع الآفاق السياسية التي تشتغل القيادة الروسية بالتعاون مع أطراف إقليمية ودولية على تحضيرها. لهذا، فإن التدخل الروسي العسكري سيكون للضغط على أطراف الصراع والدول الداعمة، لفــرض مسار سياسي يتزامن مع استئصال القوى الجهادية. وقد ظهر أن العمليات العسكرية الروسية تتجاوز تنــظيم «داعش» إلى مجموعات أخرى ترفض المشــاركة في أي تسوية سياسية تقترن مع بقاء النظام في المرحلة الانتقالية. ويتزامن ذلك مع «مرونة» ظاهرية بدأت تبديها دول غربية وأخرى إقليمية كانت إلى وقت قريب ترفض أي دور للأسد في المرحلة الانتقالية. مع ذلك، فإن رموز معارضة الخارج حتى اللحظة يتمسكون بأهداف إشكالية تجاوزتها المتغيرات والمصالح الدولية والإقليمية، والتحولات التي تداخلت على مسار «الثورة»، التي بات غالبية السوريين يرفضونها ليس حباً بالنظام، بل خــوفاً من هيمنة الجهاديين على مفاصلها وســياقات تحولاتها. وذلك لا ينفصل عن خوف كثير من السوريين أيضاً من وصول هؤلاء إلى السلطة، لأنه بالنسبة لهم يشكِّل كارثة وطنية.

أخيراً، ثمة تساؤلات تقض مضاجع السوريين وتؤرقهم، منها: هل سيقود التدخل الروسي إلى تحويــل الصراع من صراع بالوكالة إلى صراع بالأصــالة؟ وهل سيفضي التصعيد الروسي إلى الحفاظ على وحدة الجغرافيا السورية وعلى الدولة ومؤسساتها المدنية، أم أن الأوضاع ستسير إلى التقسيم وتعميق الاصطفافات والتخندقات المذهبية والطائفية والجهوية والإثنية؟ هل سيسرِّع التصعيد العســكري الروسي في إنضاج تسوية سياســية، أم أنه ســوف يساهم في زيادة تصدُّع القشرة الســياسية، وبالتالي إغلاق أبواب الحــل الســياسي كافة، وفتح سوريا على مزيد من العنــف والعنف المضاد؟ هل تتمكن موسكو عبر زيادة دعمها للنظام، من الإمساك بمفاتيــحه العسكرية والأمنية وتطويــع مواقفــه بما ينسجم مع الاستحقاقــات السياســية المرتقبة، أم أن ذلك سيعزز من تشدّد النظام وتمسكه بالخيار العسكري؟ وهل ستكون ســوريا مدخــلاً إلى إعادة إنــتاج نظام دولي متــعدد الأقــطاب، يستعيد في سيــاقه الروس مكانتــهم الدولية مقابل تراجع الهيمنة الأميركية؟ تلك الأسئلة وغيرها ترتبط الإجابــة عنها بالتــطورات والتحــولات القادمة.

السفير

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل انتهت المغامرة الإمبراطورية الإيرانية الطويلة؟/ بكر صدقي

    في عصر هيمنة الإيديولوجيا القومية العربية، في الستينيات ومطلع السبعينيات، شاع لدى كتاب ...