الرئيسية / صفحات سورية / الثورة السورية وتصحيح المسار

الثورة السورية وتصحيح المسار


تجمع ميسلون

في الخامس عشر من آذار لعام 2011 خرج عشرات الشباب في وسط دمشق منادين بالحرية في سابقة هي الأولى من نوعها منذ عقود غير آبهين بالقبضة الأمنية في سوريا.

لم يكن أي إنسان يتخيل في حينها أن الجمعة التي تلت تلك الحادثة ستكون مفترق طريق في تاريخ سوريا الحديث.

فكانت “جمعة الكرامة” التي فجرتها درعا على خلفية اعتقال عدد من أطفالها بسبب عبارات مناوئة للنظام السوري. وسقط في تلك الجمعة شهيدين كانا أول من روت دماؤهما أرض سوريا العظيمة، وتوالت الجمع واحدة تلو الأخرى واتسعت رقعة المظاهرات في سوريا التي بدأت مطالبة بالإصلاح وانتهت اليوم بالمطالبة بإسقاط النظام بكامل رموزه.

 تلك الثورة التي لم تتمكن من تحقيق هدفها هذا لسببين:

 أولا: الحل الأمني القمعي الذي واجه النظام به الشعب السوري بكل أطيافه دون تمييز وعمل على تجنيد شبيحته وفرقه العسكرية لمجابهة الشعب السوري.

 ثانيا: أداء الحراك السوري بشقيه السياسي والثوري، وهنا مربط الفرس وهذا هو ما نحن بصدد الحديث عنه وتقديم رؤيتنا الخاصة به علّنا وإياكم نستطيع الوصول بحراكنا لبر الأمان ونستطيع تحقيق أهدافنا في بناء سوريا المدنية الديموقراطية الحرة.

 الشق السياسي للثورة:

 مع بداية الثورة السورية برزت الحاجة الماسة لوجود ممثل سياسي واعي قادر على إيصال صورة الشعب السوري للعالم الخارجي، وليشكل بديلا للنظام الحالي قادرا على قيادة المرحلة الانتقالية، ويكون موجها للشارع السوري، فكان لا بد من تشكيل مرجعية سياسية بسرعة قصوى، ولكن وللأسف أبدى السياسيون السوريون عدم مسؤولية، فتأخروا تسعة أشهر حتى ولد المجلس الوطني السوري الذي لم يستطع حتى اليوم تقديم أي حل سياسي لما يعانيه الشارع، بل على العكس، كان في بعض الأحيان عبئا على هذه الثورة خصوصا من جهة استغلال بعض أركان هذا المجلس للشعبية التي حصل عليها على الأرض، وللحالة العاطفية العامة لدى الشعب السوري، فبدؤوا في محاولة تسيير الثورة باتجاه بعيد عن أهدافها، والضغط لرفع شعارات معينة كالتدويل وغيره.. والذي يعلم أعضاء هذا المجلس جميعهم أنه مستحيل الحدوث بسبب التعقيدات الدولية، والمعادلة على الأرض، ودخول الجيش السوري الحر على خط الثورة وقيامه بعمليات نوعية ضد النظام عوضا عن الاكتفاء بحماية المتظاهرين، ممّا أدّى بحسب المتابعة للمواقف الدولية لتعنت روسي لا سابق له، والذي سيصعّب عمليا وصول الملف السوري لمجلس الأمن وخروجه بنتائج تلاقي رضى بعض الشارع المطالب به.

ومن هنا، ورغم كلّ تحفظاتنا على أداء ودور هيئة التنسيق الوطنية وخطابها، والتي من المفترض بها العمل فورا على إعادة هيكلة ذاتها، وصياغة خطاب قريب من نبض الشارع السوري، والابتعاد عن التشنج والهجوم على باقي مكونات المعارضه والشارع، إلا أن المجلس الوطني وأعضائه يعلمون جيدا أنهم لن يستطيعوا الوصول لتسويه دولية أو إقليمية، أو نيل الاعتراف من أحد إلا بحال توصلوا مع الهيئة على الأقل لبرنامج عمل موحد والاتفاق أيضا مع المستقلين في المعارضة السورية.

والذي نعتقد وبشدة أنه سيكون عنصرا مساهما في إيجاد صيغة ضغط دولية على النظام السوري الحالي وعاملا مساعدا لإسقاطه بسرعة قصوى.

 الحراك الثوري السوري:

 بدأت الثورة السورية كثورة شعب منتفض ضد الظلم، والديكتاتورية، والفساد، والتفرد بالحكم، وإهدار حقوق الإنسان، وسلطة الأمن على الشعب.

 فخرجنا بأجمل شعار رفع في ثورتنا الشعب السوري ما بينذل وشعارنا الأهم الذي كسرنا فيه تمجيد الشخص فكان الله سوريا حرية وبس وخلال أيام قليلة كسرنا كل الحواجز التي خلقها النظام بين أبناء الوطن السوري الواحد، فكان شعارنا الذي تردد صداه في كل سوريا واحد واحد واحد الشعب السوري واحد وكنا في حينها نؤمن بأن الحل لا يمكن إلا أن يكون بتكاتف الشعب السوري، وباعتماده على ذاته، فكان شعارنا الدائم وينك يا سوري وينك

 وانتقلنا من جمعة إلى أخرى ومن يوم إلى يوم، فكانت تزداد رقعة المظاهرات، وتمتد من مدينة لأخرى حتى وصلنا في تموز إلى ما يشبه مشاركة كل الطيف السوري بدون استثناء في الحراك الثوري، فكانت حماة وحمص ودير الزور ودرعا وطرطوس وإدلب ودمشق وريفها واللاذقية وجبلة وريف حلب والقريا بالسويداء كلها مشاركة وكلها منتفضة على نظام ديكتاتوري لم يستطع خلال الشهور الأربعة الأولى من الثورة تقديم أي إصلاح أو الالتزام بأي وعد.

 أمّا خلال شهر رمضان فكانت ليالي سوريا تشبه الكرنفال من بعد صلاة التراويح إلى أن وصلنا لما بعد العيد.

فتغيرت فجأة شعاراتنا وأسماء جمعنا فبعد أن كانت جمعنا تسمى (الله معنا) وجمعة (لن نركع) وجمعة (تحدي الظلم) وبعد أن كانت شعاراتنا (هي يالله ما منركع إلا لـ الله) و(سلمية سلمية) و شعارات (الحرية والكرامة والعدالة) تغير كل شيء.

 فأصبحت شعاراتنا مخالفة نوعا ما لمبادئ ثورتنا وبدلا من الاعتماد على أنفسنا بدأنا باستجداء الخارج فأصبحت شعاراتنا وأسماء الجمع تنحو منحى التدويل والتسلح والمطالبة بحظر جوي ومناطق عازلة علما بأنها مستحيلة الحدوث لأسباب سياسية دولية وأسباب داخلية أبرزها ظهور خطاب ديني متطرف (من قبل البعض) مما أدى لخسارة الثورة عددا من مؤيديها بالإضافة إلى شعارات تم رفعها بعيدة عن مطالب الشعب الثائر، فنحن خرجنا لنجمع الشعب فوجدنا شعار الي ما بيشارك ما في ناموس بدلا عن شعار مع بعض كل شي بيصير وسمعنا شعار الشعب يريد إعدام الرئيس بدلا عن شعار الشعب يريد محاكمة الرئيس وشعار الشعب يريد حماية دولية بدلا عن الشعب يريد دولة مدنيه

 كل تلك الشعارات وبعض الممارسات التي جرت خلف الكواليس من هنا ومن هناك، كانت وبلا شك سببا في نقص المشاركة من قبل بعض أطياف المجتمع السوري في الثورة على الرغم من زيادة المشاركة العددية وكان لها كل الأثر في قلب وتغيير بعض المواقف العربية والدولية والإقليمية من القضية السورية وسببا في تراجع مواقف البعض على الرغم من نزيف الدماء المستمر على كل الأرض السورية، وأدت على سبيل المثال بموقف كالموقف الأمريكي الذي خرج رئيسهم أوباما يحيي الشعب السوري العظيم الصامد، ويطالب الأسد بالتنحي في شهر آب ليصار إلى أن تجتمع بعد ثلاثة أشهر وزيرة خارجيته كلينتون وتطالب المجلس الوطني بتقديم ضمانات للأقليات في سوريا وعدم الاكتراث بما قدم لها المجلس الوطني من مقترحات بخصوص ما سمي حينه خارطة المنطقة العازلة في سوريا.

وقس على ذلك مما أدى لارتياح لدى النظام السوري من جهة، وتعنت مناصريه وحلفائه من جهة أخرى.

 ومن هنا برزت الحاجة الماسة لإجراء نقد ذاتي، وإعادة تقييم مسار الثورة السورية، فقد بات من الضروريّ إعادة تصحيح هذا المسار لنعيد الزخم الشعبي ولنمسك بزمام المبادرة من جديد، فحل القضية السورية لن يتم سوى بأيدي سورية ووقوف الشعب السوري صفا واحدا.

 الجيش السوري الحر:

 هو مجموعة من أفراد وعناصر الجيش المنشقة عن النظام الذين آثروا تنفيذ قسمهم العسكري بحماية الشعب وصون كرامته، وهو يهدف منذ أن تم تأسيسه لحماية المتظاهرين السلميين وتأمينهم من اعتداءات كتائب النظام. وواجب علينا تشجيع باقي أفراد الجيش للانشقاق عنه لضمان وجود مؤسسة عسكرية قادرة على حماية سوريا المستقبل.

 ما يجب أن يتم تصحيحه بالثورة السورية بشكل عاجل وفوري:

 1- العودة الفورية لشعارات الثورة السورية الجامعة والمنادية بالحرية والعدالة والدولة المدنية والكرامة وتغليب حكم القانون وعودة رفع العلم السوري الحالي إضافة لأعلام الاستقلال لأننا شعب واحد ولسنا شعبين، وعدم اللجوء للشتم والتهجم على شخصيات وأركان النظام حفاظا على الفارق الأخلاقي والأدبي بيننا وبينهم ومؤيديهم.

2- إعادة صياغة الخطاب الإعلامي للثورة السورية ليعود خطابا سياسيا مدنيا، مخاطبا للشارع السوري ككل وأطياف المجتمع السوري، ومراعيا لخصوصية بعض فئات المجتمع والتأكيد الدائم على أنها ثورة شعب سوريا ككل، وليست ثورة طائفة كما يحاول تصويرها النظام، وقد لوحظ أن الخطاب الإعلامي في الفترة الأخيرة أصبحا موجها للخارج وليس للداخل السوري.

3- تفعيل دور الحراك السلمي، والابتعاد عن التسلح والأعمال الانتقامية، وعودة الجيش الحر لدوره في حماية المدنيين فقط، والابتعاد حاليا عن أي عمليات هجومية ضد كتائب النظام.

4- تسمية كتائب ووحدات الجيش السوري الحر بأسماء نابعة من تاريخ سوريا ومناطقها وعدم الاكتفاء بالأسماء والشخصيات الدينية.

5- إبعاد رجال الدين أصحاب الخطاب المتطرف نهائيا عن المنابر السياسية والتي يحاول بعضهم جر البلاد إلى مستنقع الطائفية بسبب تصرفاتهم وتصريحاتهم.

6- العمل الفوري والجاد من قبل كافة النشطاء على الأرض السورية للتواصل مع التجار والصناعيين والرماديين والصامتين لفهم مآخذهم على الثورة وسبب عدم انخراطهم بها .

7- تفعيل الكفاح السلمي، والعمل على تكثيف الإضرابات للوصول للعصيان المدني الشامل.

8- اختيار أسماء ليوم الجمعة تكون قريبة من نبض الشارع، وتعبر عن رؤية السوريين لمستقبلهم ولمطالبهم المشروعة.

9- زرع روح الاعتماد على الذات، وعدم استجداء الخارج، والتركيز على انخراط كل الطيف السوري في الحراك الثوري، فالثورة بحد ذاتها هي وسيلة وليست هدفا.

10- على الممثل السياسي للثورة السورية العمل على وضع خطط عقلانية وقابلة للتحقيق حول كيفية إسقاط النظام بالاعتماد على الذات أولا، ووضع برنامج واضح المعالم للفترتين الحالية والانتقالية، وطريقة إدارة الدولة، وعليه الابتعاد عن الإقصائية التي يقوم بممارستها، فالمجلس حصل على شرعيته من الشارع  الذي يستطيع أيضا نزع تلك الشرعيه عنه.

11- العمل الجاد والسريع على القيام بمصالحات بالمناطق الساخنة بين الجيران، ونزع فتيل الاحتقان، الذي لعب النظام دورا فيه.

12- .إبعاد الأطفال قدر الإمكان عن المظاهرات، كي لا يكونوا هدفا سهلا في مرمى نيران قناصة النظام، فهم بناة سوريا الغد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...