الرئيسية / صفحات الثقافة / الحرب واللغة

الحرب واللغة

 

    علا شيب الدين

تُرشَق الثورة السورية، منذ اندلاعها، بالمصطلحات والتسميات، وتتغير وجهات النظر الخارجية فيها، والطابع التوزيعي للخصائص والصفات والنعوت بحسب الظروف والأهداف المرحلية. تارة هي “حرب أهلية” طوراً “حرب طائفية”، وحين يُعترف بها كثورة سرعان ما تصير “ثورة إسلامية”، ومراراً هي “صراع ونزاع”، ومراراً أخرى هي “أزمة”، وربما هي كل شيء، إلا أن تكون “ثورة شعبية” بالنسبة إلى مَن يمقتها ويخشاها.

لوثة

1

في معمعة التصنيفات يشعر المرء كأنه بات يعيش وسط لوثة لغوية لا تنتهي، ما قد يدفعه إلى تحليل لغوي، الأصل فيه أن يرى الذهنية المضمرة خلف اللغة البادية، لتحريرها من التكييفات السياسية أولاً، ثم الإصغاء جيداً حتى إلى همس الثائر السوري الذي غطّاه ضجيج الثرثرة، فيكتشف الحقيقة التي تحجبها تلفيقات العقل الوهمية، التي ليست سوى أقنعة تختفي وراءها أهداف ومصالح تبدو اللغة معها أنها الحقيقة، في حين أنها تستر الحقيقة.

الثورة في سوريا تشبه الحياة. تبدو كأنها تهدف إلى الاستمرار ليس إلا، وهذا هو قانونها الأسمى. وما دام الاستمرار قانونها، فاللغة، من حيث هي شكل، تدخل مع الثورة في علاقة تجعل منها أساساً. الفارق بين الشكل والأساس يتمثل في كون استمرار الأساس يُكسبها صفة البساطة، بينما بروز الشكل وعدم استمراره يكسبه نوعاً من التعقيد. هكذا نفهم سر الضجيج اللغوي الإعلامي والمنبري المستمر منذ اندلاع الثورة. ضجيج مقصود يرمي إلى اللعب باللغة والعبث بالمصطلحات، وتعقيد البساطة من خلال الشكل، نظراً لما لهذا الأمر من فاعلية مهمة في التشويش. أعني التشويش على الأساس. فالأساس، أي الثورة، بسيط، فيما التعقيد كل التعقيد يأتي من الشكل، أي اللغة المسيَّسة العابثة في توصيف ذلك الأساس وتفنيده، وخصوصاً أن لا حدود له، فيما الكلمات محدودة ومقيَّدة، وكل تعديل على الكلمات المحدودة يغيّر من طبيعتها ويجعل أكثر تشويشاً على الأساس. المفارقة أن لا محدودية الأساس من شأنها إنهاك اللغة، ما يتطلب إنشاء لغة جديدة تكون قادرة على اللحاق باللامحدودية تلك، وهنا تكمن الصعوبة وربما الاستحالة. إن ظهور الشكل من شأنه اختفاء الأساس (الثورة)، ويبدو أنه هنا بيت القصيد، أن تكون اللغة والكلمات، كشكل، مشوِّشة بحيث تعمل على إخفاء الأساس، أي الثورة، وتركيز الانتباه على الشكل، أي اللغة، لكي تختفي الثورة من المجال الإدراكي. وهذا هو أحد أشكال التآمر على ثورة الشعب السوري.

2

لو أردنا أن نطرق باب التحليل النفسي مستعينين بفرويد، فربما خلصنا إلى أن “الأنا” الثورية السورية وليدة التاريخ القريب، التي لم تتجاوز حتى الآن العامين، والقلقة باستمرار كونها غير مستقرة بعد، تتحكم فيها “الأنا العليا”، أي العائلة المالكة/ الحاكمة ونظامها، التي تمثل التاريخ البعيد، تاريخ الحياة القطيعية التي عاشها السوريون في ظل الأنا العليا تلك. واستناداً إلى هذا التحليل ربما يمكن تفسير تعاطي زعماء المال والسياسة والغلبة حول العالم مع هذه الأنا الحديثة العهد كقاصر، إذ من غير الوارد الإقرار بثورتها ونضجها ومعرفتها بماذا تريد. وعليه، فهي إما في حال “حرب أهلية” أو “حرب طائفية” أو “صراع”، أو هي فعلاً “عصابة مسلّحة إرهابية وتكفيرية” تماهياً مع نعت النظام المجرم لها، إما أن تكون ثائرة؟ ومن أجل الحرية والكرامة والديموقراطية والعدالة؟ فهذا ما لا يمكن تصديقه أو فهمه واستيعابه، كونها أصلاً، بالنسبة إلى كل من لا يؤمن بالشعوب وبحقها في تقرير مصائرها، لا تستحق ذلك كله وهو غير لائق بها. وليس أدل على ذلك من كلام الموفَد العربي والدولي إلى سوريا، الأخضر الإبرهيمي، حين قال: “إما حل سياسي وإما الجحيم”. كان كلامه عبارة عن خيارين لا ثالث لهما، يبدوان أقرب ما يكون إلى منطق إما وجود وإما لا وجود والثالث مرفوع. أي، إما وجود مع النظام ورأسه والقبول باستمرار العيش في ظل الاستبداد والديكتاتورية، وإما لا وجود يتبدى في دولة فاشلة، ضرب الإبرهيمي الصومال كمثال عليها “الصوملة”. إنه “تفكير” سياسي مؤسَّس على ثنائية تتحكم في العالم، تفكير مشطور إلى حدّين مسبوقين بـ”إما” التي تأخذ طابع الأمر والنهي والجزم، والتهديد والوعيد، وتتعاطى مع الواقع كثابت، متجاهلة تحولاته وصيروراته. وما استعارة لغة دينية بحتة من مثل مفردة “الجحيم” واستعمالها في موضوع سياسي بحت، إلا دلالة دامغة على بؤس اللغة السياسة  وقذارة ما يُطرح على أنه سياسة وسِلم.

3

هكذا سُمح للرئيس ونظامه، كعصابة، باستخدام كل الوسائل لتدمير الأنا الثائرة المذكورة آنفاً بكل أنواع الأسلحة. لا بل حتى اللغة الرخيصة التي تبدو كأنها خط أحمر من شأنه منع استخدام الأسلحة الكيميائية في تدمير الأنا نفسها، ما هي إلا رموز تستر حقيقة باطنية تشرعن استعمالها إذا لزم الأمر، أي إذا لم ينفع التدمير بالقصف بالطائرات والدبابات والصواريخ والبراميل المتفجرة في وأد الثورة، أو في ثني الأنا الثائرة عن ثورتها، وفي هذا الستر ذاته تشير اللغة إلى الحقيقة الباطنية نفسها. في السياق ذاته يندرج نفاق الكلام المكرور المبتذل عن “العنف”، وعن ضرورة وقفه في سوريا. النفاق ليس مقصوراً على لاجدّية وقف العنف فحسب، بل يطال الوصف نفسه أيضاً. فما يجري على الأرض السورية ليس عنفاً، إنما حرب تدمير شاملة وممنهجة لسوريا أرضاً وشعباً، تاريخاً وحضارة، على يد العصابة الحاكمة. بيد أن ما لم يفهمه نظام العصابة ومتزعِّمو المجتمع الدولي، أن الثورة ذاتها تفسِّر الأنا الثائرة وتتضمّنها، تحتوي عليها وتبسطها. فالتضمن والتفسير، الاحتواء والبسط، نابعان من الثورة وفي الثورة، وهما تعبير عنها، والتعبير هنا ليس موضوع تعريف ولا برهنة، ولا يمكنه أن يكون كذلك. إن صفات الثورة تعبِّر عن الذات، ذات الثورة، وجوهر الثورة يعبِّر عن نفسه في تلك الصفات في وحدة كلية شاملة. فالثورة، من حيث هي ثورة شعبية، من صفاتها مشاركة طوائف وأديان وإثنيات متعددة، وأعمار وأجناس وطبقات وشرائح اجتماعية مختلفة فيها، كان هدفها واحداً، هو إسقاط النظام القائم، وبناء دولة ديموقراطية مدنية، وفي هذا تتسق الثورة السورية مع الثورات في بلدان “الربيع العربي” الذي وصفه الأسد بـ”فقاعات صابون”!

إن كان بالإمكان البرهان على أن مجموع زوايا المثلث = قائمتين، فمن الواضح أن هذه القاعدة ليست كنبتة تنمو من تلقاء ذاتها، وحال النبتة أقرب ما تكون إلى حال الثورة، تالياً فإن وجهات النظر المأخوذة من الخارج، أي خارج الثورة، لا يُعتدّ بها ولا تُعتبر كذلك موضوعية وحيادية. إذ ليس كل ما هو خارج الشيء موضوعياً بالنسبة إليه بالضرورة. ففي الثورة، الشيء هو الذي يعبِّر عن نفسه، ويفسِّر نفسه. الثورة إذاً ليست موضوع برهان، بل هي تصنع البرهان وتجعل منه التجلّي المباشر للأنا الثائرة. هكذا يُستبعد كل ما ينتمي إلى التصوّر المغلوط عفواً أو قصداً لكل من هو خارج الثورة. ويبدو أنه كلما زادت الأنا الثائرة واقعية، زادت ضرورة الاعتراف لها بصفات، وكلما زاد الاعتراف للأنا الثائرة بصفات زادت ضرورة منحها الوجود. وعلى هذا استمرت الثورة السورية، عبر استمرار إرادة الأنا الثائرة وصمودها وتحدّيها حتى تثبت نفسها وتؤكدها أكثر فأكثر. ما من كلام معبِّر عما نذهب إليه هنا، أوضح من كلام ذلك المحارب الذي ما انفكت إحدى القنوات الفضائية تعيد عرض مشهد يحمل فيه قنبلة فارغة أنهت مهمتها التفجيرية في البيوت والناس، قائلاً: “إننا صامدون، إذا بترمينا بنووي مو بهدول، بدنا نذلّك.. بدنا نذلّك”.

الدال إذ ينصهر في مدلوله

تتذكر كاتبة هذه السطور جيداً، منذ سنين مضت، أنها مراراً سمعت الجدة تحذِّر من وضع “الملح على الجرح”، وتشكو ضيق العيش معبِّرة عن ذلك بعبارة “لقمة مغمَّسة بالدم”. لم تكن تلك التعبيرات خاصة بالجدة وحدها، إذ هي لغة شعبية عكست ثقافة وروحاً ضاقت ذرعاً بواقع الفقر والعوز والحرمان، والظلم والقهر. في أحد الفيديوات المسرَّبة لشبّيحة صوَّروها لأنفسهم وهم يمارسون ساديتهم المنفلتة من كل عقال، يظهر شبيح يعذِّب أحد المدنيين عبر وضع كمية من الملح على جرح في ظهره. ومن يدري؟ قد تكون مثل تلك الفيديوات دليلاً على انتهاكات حقوق الإنسان إذا ما أُحيل الملف السوري على محكمة الجنايات الدولية، نظراً لكونها بمثابة اعتراف من الشبيحة أنفسهم. كان الشاب ممدَّداً على بطنه، مقيَّد اليدين، معصوب العينين، وحوله مخلوقات خاوية المعنى مسمّاة “شبيحة”، تقاسمت أدوار التعذيب بعناية، وتولّى أحدها مهمة وضع الملح على الجرح. جرح عميق كان ينزف دماً، وينز قيحاً وأشياء أخرى في وسط الظهر، وراح الشبّيح يفرك الملح ذهاباً وإياباً على جرح الشاب. كلاهما كان صامتاً، ووحدها لغة الملح والجرح كانت حاضرة تملأ المكان بضجيج الأنين والألم.

ما كنا نعطي بالنا لحكمة الجدّات يوم كنَّ يحذّرننا من وضع الملح على الجرح، ظناً منا أنها لعبة لغة ليس إلا. اليوم، ما علينا إلا أن ننتبه جيداً إلى ذلك المصير اللغوي المحتوم. فنحن في عمق حرب منحلَّة في لغة، مثلما نحن في عمق لغة منحلَّة في حرب. إننا أمام انصهار لغوي كان مجرد كتلة ذهنية صهرتها نيران العصابة الحاكمة. فالعلاقة بين الدال والمدلول هنا اختفت لينصهر كلٌّ منهما في الآخر، فيصير الدال والمدلول واحداً. نكتشف أن ما اعتقدناه كلاماً نظرياً غير قابل للتحقق واقعاً كان وهماً. وأن أسرار الملح وألغازه لا تُكتشف عبر اللسان وحده، إذ للجرح أيضاً، على ما يبدو، شأن مهم في الكشف ذاته.

مرة أخرى، تصدمنا اللغة كدال وقد انصهر في مدلوله. واستحال حدثاً واقعياً صرفاً، مغادراً عالم اللغة الصرفة. إذ “اللقمة المغمَّسة بالدم” التي طالما اعتبرناها مجرد مبالغة لغوية توصِّف حال الشقاء وضيق العيش والإنهاك اليومي، استحالت واقعاً صرفاً في بستان القصر بحلب، وفي حلفايا بحماة، وفي تلبيسة بحمص، وفي الحجر الأسود بدمشق، وفي البصيرة بدير الزور، وفي الزبداني بريف دمشق وغيرها. ففي كل تلك المناطق كان هناك فرن ارتسم أمامه طابور من أطفال ونساء وشباب ومسنّين تم قصفه. في غمرة انتظار الخبز، رمى الطاغية حقده قنابل وبراميل ومتفجرات، فتناثروا قطعاً وأشلاء، أما أرغفة الخبز، فقد تغمَّست بالدم! مَنْ مات من أولئك، مات، ولكن مَنْ ظلّ منهم حيّاً يتضوّر جوعاً، لم يعد أمامه ربما سوى التقاط رغيف الخبز المضمَّخ بدم مَن كان للتو حياً يحمل في يده أرغفته. كخيار أخير موجِع، قد يلتقط الحي رغيف الميت المغمّس بدمه، ويلتهمه إسكاتاً لصيحات المعدة الخاوية، وأملاً في استمرار الحياة والثورة، وإعلاء لصيحات الحرية.

كاتبة سورية

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...