الرئيسية / صفحات الكتب / مراجعات كتب / الحكم من السماء: فلسفة القصف الجوي/ شادي لويس

الحكم من السماء: فلسفة القصف الجوي/ شادي لويس

 

 

وأصبح للقصف فلسفة

” طرابلس، الأول من نوفمبر 1911، اليوم قررت أنني سألقي قنابل من الطائرة. لم يفعل ذلك أحدا من قبل، ولو نجحت سأكون سعيدا بأن أكون أول من فعلها”، يفتتح الأكاديمي الفرنسي، توماس هيبلر، كتابه “الحكم من السماء، التاريخ العالمي للقصف الجوي”، (الصادر في ترجمته الإنكليزية الشهر الماضي)، باستشهاد من مذكرات الطيار الحربي الإيطالي، جوليو جافوتي، والتي يسرد فيها الواقعة الأولى للقصف الجوي، بالقرب من واحة عين زارة الليبية.

لا يفوت هيبلر الفرصة، ليشير إلى أنه كما كانت ليبيا هي مسرح الواقعة الأولى، التي ستغير الطريقة التي يدار بها العالم بشكل جذري، يذكرنا كذلك أنه بعد قرن بالتمام، وفي 31 من أكتوبر 2011، توقفت حملة حلف الناتو الجوية في ليبيا والتي بدأت في مارس/ آذار من العام نفسه لتكون نموذجاً دقيقا لما يطلق عليه هيبلر إستراتيجية “القصف الشرطي”.

يعود الكتاب عامين إلى الوراء، فالتحول كان قد بدأ بالفعل في مركز العالم، لا أطرافه. ففي مقاطعة كنت الإنكليزية، وفي منتصف أحد صباحات يوليو الدافئة، عام 1909، تلقى “أتش. جي. ويلس”، مؤلف رواية الخيال العلمي، “حرب في الجو”، مكالمة هاتفية من محرر جريدة “الديلي ميل”، ليسأله عن رأيه في عبور أول طائرة للقنال الإنكليزي. كانت الطائرة فرنسية الصنع، سببا لجزع ويلس، لكن ما أقلقه بالفعل لم يكن أن “الأجانب تفوقوا علينا”، بل إن بريطانيا، مركز النظام العالمي حينها، لم تعد جزيرة بعد الآن، فقد فقدت مناعتها أخيرا. هكذا فإن عرضه مركز العالم للهجوم من الجو، كان تهديدا لنظام العالم بأكمله. يقفز بنا هيبلر إلى الماضي القريب، ليصل الوقائع التي تبدو غير مترابطة بعضها ببعض، تاركا للقارىء مسؤولية تبين رمزية الحادي عشر من سبتمبر، في تهديد مركز العالم في مرة أخرى من الجو، ونزع حصانته المتخيلة، والتبعات المعنوية على رسوخ النظام العالمي وتماسكه.

ومع أن عنوان الكتاب يوحى بأن موضوعه هو التاريخ، فإن مؤلفه المتخصص في الفلسفة، يتتبع الجدالات والأفكار التي تعلقت بالقصف الجوي وأخلاقياته وفلسفته أكثر من أهتمامه بتدوين الوقائع التاريخية نفسها. فمنذ العام 1864، صاغ فيكتور هوغو الآمال المبكرة في أن القوة الجوية قادرة على جلب السلام العالمي، وكذلك، تدارك “أتش. جي. ويلس” صدمته الأولى لعبور الطائرة الفرنسية للقنال الإنكليزي، وأصبح احد دعاة تشكيل “حكومة موحدة للعالم” تستطيع التدخل جويا لفرض النظام، بل وحتى المنظر العسكري الأول للقصف الجوي، الجنرال الإيطالي جوليو دويت، فبالرغم من أنه كان من أول منظري قصف المدنيين في استخدام القنابل والغازات السامة، فهو كذلك كان من أكثر المخلصين لفكرة “محكمة دولية للسلم” تنفذ أحكامها عبر القوة الجوية، “فالطيار الحربي هو الشرطي، كما أن القنبلة هي عصا القانون”.

لكن وبالإضافة، لشحذ منطق السلام العالمي المؤسس على القصف الجوي، كانت القوة الجوية سببا لإثارة معضلات استراتيجية وأخلاقية على أكثر من مستوى. ففيما كانت اليابسة هي مجال ما يمكن تسميته بالحرب الشاملة، بين القوى الأوروبية، والبحر هو مجال الحروب الإستعمارية، حيث تستطيع القوى الامبريالية السيطرة على الأراضي المستعمرة بالتمركز في نقاط بحرية استراتيجية ومن خلال عمليات “القصف الشرطي” من البحر، أثار دخول المجال الجوي في معادلة الحرب، أسئلة أخلاقية أكثر منها استراتيجية، فما مدى أخلاقية قصف المدنيين من الجو؟ وهل ما ينطبق على الحروب الشاملة في القارة الأوروبية ينسحب أيضا على الحروب الإستعمارية عبر البحار؟ أي هل يتمتع المدنيون من الدول المستعمرة بحصانة المدنيين الأوربيين نفسها؟

ما يستخلصه كتاب هيبلر هو أن ثنائية المدني والعسكري قد أنهارت بالفعل، مع ظهور القصف الجوي. ففيما كان التأطير التقليدي للحرب، يراها صراعا بين دول متواجهة، هدفها إحتلال الأرض، وتدمير الجيش المعادي، بوصفه ممثلا للدولة الخصم، مما يستثني المدنيين من الإستهداف، ويمهد القصف الجوي لمنطق “دمقرطة الحرب”. وباعتبار أن الدول الأوروبية، أي حكوماتها ممثلا شرعيا للشعوب، فإن إستهداف المدنيين يصبح جائزاً أخلاقياً، بصفتهم مسؤولين عن قرارات دولهم بالدخول في الحرب. أما في ما يخص الشعوب غير الأوروبية، فإن افتقاد مجتمعاتها لبني الدولة الحديثة الأوروبية، جعل من التمييز بين المدني والعسكري أو ثنائية الدولة والشعب أمرا غير ممكن، وبالتالي يصبح جميع سكان المستعمرات هدفا جائزا، بل الهدف الوحيد للقصف الجوي.

في21 من يناير عام 1921، اجتمع الملا محمد عبدالله حسن، على عجل بمجلس مستشاريه للبت في أمر الأجسام الستة الطائرة فوق رؤوسهم. وبينما تبرع احد مستشاريه بعد صمت طويل بتفسير إلهي، مقترحا أنها ربما هي مركبات ملائكية جاءت لحمله للسماء، ورجح أحد مستشاريه الأتراك أن تكون تلك الماكينات اختراعا عثمانيا، يحمل رسالة من السلطان للملا، تعلن انتصاره في الحرب العظمى (الحرب العالمية الأولى). توجه الملا مرتديا جلبابه الأبيض لاستقبال السفارة السلطانية، لكن سرعان ما أفرغت الطائرات البريطانية حمولتها من القنابل على الملا وجماعته، ليقتل عمه في الحال ويموت هو لاحقا متأثرا بجراحه. لم تكن تلك نهاية ثورة “الملا المجنون”، وإعادة بريطانيا سيطرتها على “صومالي لاند” فقط ، بل أيضا بداية لنظام جديد لحكم العالم.

كان البريطانيون قد بدأوا بالفعل في استخدام سلاح الجو في حروبهم الاستعمارية قبل عدة أعوام: وبالأخص في أخماد الثورة الأفغانية بين عامي 1919-1920، وبشكل تجريبي في دارفور منذ عام 1916، وكذلك في أخماد ثورة قبائل النوير السودانية في عام 1920، لكن ومع هذا كانت دولة العراق تحديدا الساحة التي طورت فيها القوات الجوية الملكية البريطانية فلسفتها في استخدام القصف الجوي، بشكل أكثر تفصيلا وطبقتها بشكل هو الأكثر اتساعا وعنفا حينها.

ففي تدوينة للحملة البريطانية الجوية على القبائل “الهمجية” العربية والكردية المتمردة في العراق، والتي استهدفت تدمير البنية الإجتماعية والأقتصادية والبيئية للمجتمع القبلي، لا أفراده المقاتلين والمدنيين فقط، يكتب الكولونيل آرثر هارس، في عام 1920: “هم يعرفون الآن ما هو القصف، يدركون الدمار المادي والبشري الممكن إلحاقه بهم، في 45 دقيقة يمكن محو قرية من الخريطة، وقتل ثلث سكانها، بواسطة ثلاث أو أربع طائرات، لا يمكنهم مهاجمتها، ولا الاشتباك معها بشجاعة، وليس هناك حتى مهرب آمن منها”.

يستخلص الكتاب أن إخماد التمرد العراقي، حمل معه تغيرا جذريا في وضع سلاح الجو في مفهوم الحرب الاستعمارية. فبدل من أن يكون سلاح الجو عنصرا داعما للعمليات البرية، أصبح القصف الجوي عنصرا قائما بذاته. وهدف العمليات الحربية لم يعد احتلال الأرض والسيطرة العسكرية المباشرة عليها، بل بالأحرى تدمير البنية الإجتماعية والإقتصادية للمتمردين، وبالتالي الإرهاب الدائم للسكان المحليين، أي بمعنى آخر، أصبح إرهاب السكان الهدف الرئيس للحرب، وربما الهدف الوحيد للقصف الجوي.

يكشف عسكري بريطاني آخر، في كتاب: “ملاحظات على استخدام القوة الجوية في بلاد الرافدين 1918-1920″، عن هدف الضربات الجوية التي عاصرها في العراق: “على الأرض، كل واحد من سكان القرية لديه إنطباع بأن قائد الطائرة ينظر إليه هو تحديدا، وبأن كل حركاته مرئية ومراقبة ويتم تسجيلها”. كان بفضل نجاح ذلك التصور الذي ربما لم يكن لفوكو أن يضاهيه في مجال وصفه لفكرة السيطرة عن بعد، انتقلت إدارة العراق رسميا إلى القوات الجوية الملكية البريطانية، في الأول من أكتوبر عام 1921، في سابقة هي الاولى من نوعها تاريخيا.

تأخر الفرنسيون قليلا، لكن سرعان ما طبقوا استراتيجيات شديدة التشابه، فتمرد الدروز في سوريا عام 1925 أخمد بمعاونة القوة الجوية، وفي العام نفسه، قصفت القوات الجوية الفرنسية مدينة حمص، وأسواقها لدحر إنتفاضتها، ليعيدوا استخدام استراتيجية ضرب التجمعات الأهلية والبنية التحتية التي سبق واستخدموها في قمع انتفاضة الريف المغربي، عام 1922، والتي في سياقها أيضا استخدمت الطائرات الحربية الاسبانية غاز الخردل في ضرب الريفيين في عام 1923.

يستكمل الكتاب فحصه لمنطق القصف الجوي في الحرب العالمية الثانية، وفيتنام، وحرب العراق الأولى والثانية، ومن ثم إلى عمليات الدرونز اليوم، وشبكاتها التي تغطي الكوكب كله، مؤكدا أطروحته بأن الدخول إلى حقبة القصف الجوي، وضع نهاية لثنائية المدني والعسكري، وكذلك لفكرة الحرب التقليدية التي تستهدف السيطرة على الأرض، مستبدلا أياها بفكرة الحرب الدائمة، بوصفها عملية “شرطية”، هي جوهر النظام العالمي. لا يتعرض الكتاب بشكل مباشر لأسئلة حول الصدفة التي جعلت القصف الجوي يبدأ تحديدا في ليبيا، ويتنقل بين الصومال والعراق وسوريا والمغرب والسودان، في مراحله الأولى، ولماذا تبدو اسماء تلك الأماكن مألوفة عندما يتعلق الأمر بالقصف الجوي دائما. والاجابة على تلك الأسئلة لا يبدو من الصعب العثور عليها في طيات الكتاب، وهكذا يصف المؤلف نظرة العسكريين والسياسيين للعرب في مطلع العشرينات:

” فالسكان العرب، بالتحديد، هم أفراد فخورون، ونبلاء، ومستقلون، يعيشون في مجتمعات “ديمقراطية بدائية”، فيها كل فرد يعتبر نفسه مسؤولا عن مجتمعه بأكمله، وبالتالي فأن القصف العشوائي للسكان المدنيين كان علامة على احترام تقاليد الثقافة المحلية”.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“أحتضنُ نمراً أبيضَ وأعبرُ المحيط”: ثماني طرائقَ للانتحار/ عماد الدين موسى

      يبقى “الشِعرُ” الفنّ الأكثر التصاقاً بالموت، أو ما يسمّى بعالم ما بعد ...