الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بشير البكر / الخطاب الديني والإرهاب في أوروبا/ بشير البكر

الخطاب الديني والإرهاب في أوروبا/ بشير البكر

 

 

هل هناك علاقة بين الخطاب الديني العربي والإرهاب الذي ينشره عرب ومسلمون عن طريق الدهس بالشاحنات والطعن بالسكاكين في بعض بلدان أوروبا، مثل بريطانيا وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا؟

إرهاب يتمدّد كل يوم على نحو لا يمكن توقع زمانه ومكانه، وفي كل مرّة يضرب ضربته يسقط من جرائها أبرياء، يمارسون شؤون حياتهم العادية في شوارع بروكسل وبرلين وباريس وبرشلونة ولندن.. إلخ.

ليس السؤال منقطعاً عن فتاوى التكفير التي تلقي بثقلها على حياة العرب والمسلمين، ولا عن حروب المذاهب التي تدور رحاها في سورية والعراق، وتغذيها دول وأجهزة.

يتعلّق السؤال بلامبالاة وازدواجية دولنا ومؤسساتنا ومثقفينا حيال القتل الذي يقوم به شباب عرب بصورة مرضية. ولنكن أكثر مباشرة، ونوجّه السؤال نحو ردود أفعال العرب، وهم يرون بعض شباب البلدان العربية ينزلقون إلى هذا المنحى الخطير، الذي تهدّد تداعياته الكارثية بتسميم حياة الملايين من العرب والمسلمين في الغرب الذين باتوا متهمين، حتى يثبت أنّهم لا يحملون سكاكين في جيوبهم.

في هذا المقام، يبدو من الملحّ والضروري، الوقوف عند نمط من الخطاب الديني الدارج، الذي يعلو صوته في كل مرة تتم فيها عملية طعن، أو دهس، أو هجوم بمطرقة على شرطي يحرس مؤسسة عامة.

يقول الخطاب إنّ مرتكب الاعتداء لا علاقة له بالإسلام ولا بالمسلمين. وفي كل مرة يرتكب فيها أحد من المسلمين جريمة إرهابية، يجري التوقّف عند إطلاق هذه الجملة الناقصة، ومن ثم يذهب المعنيون إلى شؤونهم الخاصة، وفي ظنّهم أنّهم طردوا التهمة.

بات ترداد هذه الجملة سهلاً، ولكثرة تكرارها لم تعد قادرة على إيصال معنى أو تبليغ رسالة. صارت نوعاً من فض العتب المطاطي الذي يلقيه أصحابه جزافاً، ومن دون اكتراث بما يمكن أن ينتج عنه، وكأنّ من يقف وراءه يقول “هذا ما نحن عليه، وعلى الآخرين أن يصدقونا”.

وكيف يمكن للآخرين أن يصدقونا إذا خرج من بين الصفوف رجل ينسف الحكاية كلها، مثلما حصل في اعتداءات برشلونة التي نفّذتها مجموعة مكونة من حوالي 15 شخصاً، أغلبهم من المغرب، وقادهم إمام الجامع نفسه، الذي كان سجيناً لدى السلطات الإسبانية بتهمة ترويج المخدرات، قبل أن يهتدي ويتحوّل إلى إمام؟

بعد أن ثبت بالدليل القاطع أنّ إمام الجامع عبد الباقي الساتي هو الذي هندس العملية الإرهابية، وكان يلعب دور ضابط ارتباط وتنسيق بين المجموعات الإرهابية في إسبانيا وبلجيكا، هل هناك طريقة لحماية المسلمين من ردود الفعل العدائية التي كانت تقتصر على اليمين العنصري المتطرف، ثم أخذت دائرتها تتسع لتكسب كل يوم؟

الإسلاموفوبيا باتت حقيقة هذه الأيام، ولم تعد مرضاً يقتصر على المواطن الغربي العادي الذي صار يمشي في الشارع وهو يتلفت في كل الاتجاهات تحسّباً للدهس أو الطعن، بل امتدت عدواها لتصيب المسلمين أنفسهم الذي يعيشون في الغرب، سواء الذين وفدوا إلى أوروبا منذ عقود، أو أبناؤهم وأحفادهم الذين ولدوا في الغرب ولا يعرفون غيره وطناً. هؤلاء يجدون أنفسهم اليوم في مأزق ووضع لا يحسدون عليه. يعيشون حالة خوف مركبة.

الدول والمؤسسات المعنية والمثقفون الذين يتحدّاهم الإرهاب كل يوم، لم يحرّكوا ساكناً حتى الآن لوقف زحف هذا الوباء الذي يهدّد بكارثة كبيرة.

لا أحد يختلف لا في الشرق ولا في الغرب على أنّ العرب والمسلمين يتحمّلون مسؤولية أساسية عن نشر بذور هذا الرعب، وتفتحها لتصبح نبتاً شيطانياً ضاراً. العرب جميعاً، دول المنشأ ومؤسساتها الدينية ومثقفوها، وفي الطليعة الدولة التي خرج إرهاب 11 سبتمبر/ أيلول من تحت خيمتها، أي السعودية التي لا زالت تموّل عبر العالم مؤسسات دينية تتولى نشر خطاب الكراهية وتحرّض على الإرهاب، وهي تحوز على أكبر عدد من الأئمة المزيفين والدعاة الدجالين الذين يملأون الفضاء بخطاب القتل والتكفير.

لن يجدي بعد اليوم الاستمرار في الخطاب القديم، فمقولة إنّ هذه الأعمال ليست من الإسلام غير قابلة للصرف، لأنّها نسخة طبق الأصل من التديّن الذي نشرته السعودية في العالم، ولا تزال تموّله منذ عدة عقود.

العربي الجديد

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...