الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بدر الدين شنن / الخطوة الأولى لأي إصلاح أو حوار

الخطوة الأولى لأي إصلاح أو حوار


بدر الدين شنن

تصريحات الأمين القطري المساعد لحزب البعث الحاكم ” محمد سعيد بخيتان ” ، في لقائه مع الكوادر العلمية والجامعية ، التي أكد فيها على تمسك حزب البعث بقيادته للدولة والمجتمع ، أي ا ستئثاره بالحكم بصورة مستديمة ، طرحت إشارة ا ستفهام كبيرة حول جدوى ومستقبل ” الإصلاح ” المزمع تطبيقه في البلاد . في حين تتطلب ألف باء الإصلاح الجاد قولاً آخراً مطابقاً لاستحقاقات التطور التاريخي المحلي والدولي ، ولاستحقاقات الغضب الشعبي المشروع ، ولمنحى إصلاح يلبي مطالب الشعب المحددة ، بالتحرر من الوصاية الحزبية الشمولية عليه ، وا سترداد حرياته وكرامته ، وحقه بالمساواة في الحقوق ، والعدالة الاجتماعية في فائض القيمة والناتج الإجمالي .

أي أن ماصرح به السيد بخيتان ، كان ينبغي أن يتضمن مبادرة تعبر عن انتقاد حزب البعث الحاكم لنفسه على ، ا ستئثاره بالحكم ، وخطأ تكريس ذلك في الدستور ، وعلى الممارسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، المتعارضة مع أبسط حقوق الإنسان ، ومع الأكثرية الساحقة في المجتمع ، ومع شعاراته الأساسية التي عنون بها توجهاته الاستراتيجية في الحكم . وقد كان يمكنه بمثل هذه المبادرة أن يتحدث مرتاحاً على خلفية ” يابسة ” مفهومة ومسموعة عن الإصلاح .

ولأن هذه المبادرة لم تحدث ، فإن ما صرح به الأمين القطري المساعد ، يضع لغماً خطيراً في طريق المقولات المطروحة رسمياً وإعلامياً حول الإصلاح ، والحوار ، والمعارضة ، تحت سقف الوطن ، ويدفع باتجاه البناء على أن كل ما سيجري من إصلاح وحوار وقانون أحزاب سوف يجري تحت سقف النظام ، بل تحت سقف ” الحزب القائد ” . فقد جاء حرفياً في تصريحاته ” أن تعديل الدستور من اختصاص مجلس الشعب .. قلنا للمعارضين هناك صندوق اقتراع .. وإذا وصـلـتـم للحكم وأصبحنا في العارضة فألغوا المادة ” 8 ” . وحسب الدستور يتطلب اقتراح تعديل الدستور موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشعب .. مامعناه موضوعياً ، أن انفكاك الدولة عن قيادة حزب البعث يتطلب تعديلاً دستورياً ، تقوم به أكثرية ثلثي مجلس الشعب ، عبرانتخابات تجري واقعياً ، تحت قيادة حزب البعث الذي يقبض على كل آليات السلطة والدولة .. وهل من بيده القلم يكتب نفسه من الخاسرين ؟ .. بكلمة هناك استحالة لإمكانية وجود هذه الأكثرية في ظل ” الحزب القائد ” لتعديل الدستور .. أي إلغاء حق هذا الحزب بالتمتع بمكانة ” الحزب القائد .. وا ستحالة تحرر الدولة والمجتمع من الوصاية والهيمنة على مقدراته ووجوده ومصيره .

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو : لماذا ، ولمن حقيقة ، يتوجه السيد بخيتان بمثل هذه التصريحات ؟ هل يطمئن كوادر حزب البعث وحلفائه على أن النظام باق ، والحزب القائد يسيطر جيداً على الأوضاع المضطربة في البلاد ؟ .. هل يستعد من موقع الاستعراض بالقوة للدخول في المرحلة القادمة المشحونة باستحقاقات الإصلاح والحوار والتعددية الحزبية ؟ .. هل يود الإشارة إلى وجود رأي آخر في مركز القرار في النظام له شأنه وأهدافه المميزة عما هو مطروح من قبل الرئاسة ؟ ..

الواضح ، إن السيد بخيتان يأخذ من الدستور ما يخدم وجهة نظره ويتجاوز ما لاينسجم معها . فهو يتمسك بحق أكثرية ثلثي أعضاء مجلس الشعب لإقرار تعديل الدستور ، ويتجاوز المادة ( 111 ) من الدستور التي جاء فيها :

1 – يتولى رئيس الجمهورية سـلـطـة الـتـشــريــع خارج انعقاد دورات مجلس الشعب على أن تعرض جميع التشريعات التي يصدرها على المجلس في أول دورة انعقاد له .

2 – يتولى رئيس الجمهورية سـلـطـة الـتـشـريـع أثناء انعقاد دورات المجلس إذا استدعت ذلك الـضـرورة الـقـصـوى المتعلقة بمصالح البلاد القومية أو بمقتضيات الأمن القومي على أن تعرض هذه التشريعات على المجلس في أول جلسة له .

4 – يتولى رئيس الجمهورية سـلـطـة الـتـشـريـع في المدة الفاصلة بين ولايتي مجلسين ( كما هو الحال الآن ) ولاتعرض هذه التشريعات على مجلس الشعب ويكون حكمها في التعديل أو الإلغاء حكم القوانين النافذة .

كما أن لرئيس الجمهورية حسب المادة (112 ) ما يلي :

” لرئيس الجمهورية أن يستفتي الشعب في القضايا الهامة التي تتصل بمصالح البلاد العليا وتكون نتيجة الاستفتاء ملزمة ونافذة من تاريخ إعلانها وينشرها رئيس الجمهورية .

وهكذا فإن التمسك بأكثرية ثلثي مجلس الشعب ، لإقرار التعديل الدستوري وطرحه على الاستفتاء ، التي يمكن لرئيس الجمهورية بمقتضى صلاحياته الدستورية الراهنة أن يحل محلها ، يجانب الحاجة الملحة لتلبية المصلحة الوطنية العليا لإجراء هذا التعديل .

إن بقاء مفعول المادة ( 8 ) من الدستور سقفاً محدداً تعسفياً لتمايز حزب البعث عن وفوق الدولة والمجتمع ، وبالتالي عن وفوق كل القوى السياسية في البلاد ، يجعل قانون الإحزاب ناقصاً وفاقداً للقدرة على تحقيق التعددية السياسية الحقيقية ، وعلى التعبير عن القوى الاجتماعية والشعبية بصدق وفعالية . بمعنى أن الأحزاب الجديدة التي ستأتي تحت سقف الدستور الحالي ستكون مستنسخة عن أحزاب الجبهة الموالية للنظام .. أي مسلوبة القرار وحرية الحركة .. ولاقيمة سياسية فعلية لها .

ويجعل من الحوار فصلاً مسرحياً عدمياً ، لأنه لا أحد ، ولا حزب ، يحترم نفسه يجلس ليحاور كيف سيكون تابعاً للنظام ولحزب النظام . ويجعل من كل ما يزمع إجراؤه من إصلاحات ، إصلاحاً يعالج التفاصيل والنتائج ولا يتناول الأسباب وأعماق الأزمات .

ولهذا ، نرى أن نغمة الإعلام الرسمي ، تسمي المراسيم الصادرة عن الرئيس ، مثل المتعلقة برفع حالة الطواريء التي أذلت الشعب السوري نصف قرن تقريباً ، ورفع محدود للأجور التي جمدت لفترة طويلة بتوجيهات إجرامية لصالح تراكم ثروات كبار برجوازيي السلطة وحلفائهم من برجوازيي السوق ، وتثبيت العمال المؤقتين الذين يعملون في أعمال دائمة في مؤسسات الدولة ، واتخاذ إجراءات لحل مشاكل إنسانية واجتماعية تمس مصالح حيوية للناس المهمشين ، تسمي تلك المراسيم والإجراءات بالمكرمات الرئاسية . ونرى كل المساعي التي توضع بين قوسي الإصلاح تشير إلى أن ، كل تغيير نحو الأفضل ، إنما يجري تحت سقف النظام ومكرمة النظام . ولما تتواصل المظاهرات ويرتفع سقف المطالب الحقة ’ينعت الشعب بالطمع وقلة الذكاء والوفاء .

ولهذا أيضاً ، لابد من أن تحذف ، في مسألة معالجة الدستور العاجلة ، كل المسائل المتعلقة ” بالمؤامرة ” أو بالضغوط الخارجية . فالشعب لايحاسب .. ولايعارض النظام في السياسة الخارجية المتعلقة بالحفاظ على أمن الوطن وسلامته . إن الشعب السوري ، وقبل أن يولد حزب البعث ، مشهود له بوطنيته .. وبالدفاع عن استقلاله ضد المؤامرات والأحلاف الأجنبية ، ولاينتقص من ذلك بعض الشواذ الذين يظهرون أحياناً في هذه المرحلة او تلك ، وإنما يحاسب ويعارض النظام في السياسة الداخلية .. المتعلقة بالحريات العامة .. ومسائل الكرامة .. والعدالة الاجتماعية .. والحقوق الإنسانية المتساوية ، التي تؤدي معالجتها بوطنية وأخلاقية ومسؤولية إلى تعزيز الوحدة الوطنية ، وحماية الوطن من كافة المخاطر الخارجية المحدقة به .

ولهذا أيضاً وأيضاً ، فإن إلغاء المادة الثامنة من الدستور .. وهذا أمر متاح الآن وفي يد الرئيس قبل سواه .. يشكل الخطوة الجادة الأولى لبدء مسار الإصلاح الجاد والحقيقي ..

لاوقت فائض للتفكير مطولاً .. لإجراء الحسابات الحزبية العصبوية في الربح والخسارة .. كل تأخير في اتجاه التعديل الدستوري المطلوب شعبياً ووطنياً يزيد جراح الوطن نزفاً .. وتزداد الغيوم السوداء الداكنة فوق سوريا الحبيبة ..

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

3 + 5 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...