الرئيسية / صفحات سورية / الدبّ الروسي

الدبّ الروسي


عبد الكريم بدرخان

مبدعٌ من أطلقَ على روسيا الاتحادية اسم (الدبّ الروسي)، فهو أدقُّ وأبلغُ توصيفٍ للسياسة الروسية، التي تتصف بكل ما يتصف به الدبّ من بلادة وغلاظة وبرود.

روسيا الاتحادية هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تملك سياسة خارجية، فهي دائماً تنتظر الموقف الأمريكي لتأخذ موقفاً معاكساً له، دون التفكير بهذا الموقف ودون التفكير بمصلحتها في اتخاذ موقف معاكس له، وإذا غيّرتْ أمريكا موقفها إلى النقيض، فإنّ روسيا تغيّر موقفها إلى النقيض المعاكس له أيضاً، فروسيا مثلاً أنكرتْ مقتل (أسامة بن لادن) وأكّدتْ أنه حيٌّ يرزق، فقط لكي تناقض الموقف الأمريكي، وعندما اعترف تنظيم (القاعدة) بمقتل زعيمه، جاء الموقف الروسي الجديد بأن (ابن لادن) كان ميتاً من زمان، ولم تقتله القوّات الأمريكية، فهي تناقض لغاية المناقضة، ولا تناقض لحماية مصالحها.

في روسيا الاتحادية نظام ديمقراطي فريد من نوعه يعرف باسم (الديمقراطية العرجاء)، وهي ديمقراطية قائمة على تبادل المناصب بين (بوتين) و (مدفيدف) مع تزوير الانتخابات إن لزم الأمر، والتحالف بين هذين الرجلين هو في حقيقته تحالف بين النظام السياسي والبرجوازية المرتبطة به، والمهم هو بقاء (بوتين) حاكماً أبدياً، أما الأحزاب المعارضة له، والمتظاهرون الذين يخرجون في موسكو ضد حكمه، فهم ليسوا سوى عملاء للغرب، هدفهم هو زعزعة استقرار روسيا، حسب منظور النظام الروسي.

في روسيا الاتحادية .. عندما حاولتْ دولةُ الشيشان الاستقلال والتحرّر من الاحتلال الروسي، جاء الردّ الروسي على شكل مجازر إبادة جماعية، راح ضحيتها عشرات الآلاف، وكان بطلها الأول هو (بوتين)، والفريد بالموضوع أنه عندما كان التلفزيون الروسي يأتي لتصوير القتلى الشيشان الذين سقطوا بشتى أنواع أسلحة الدمار الروسية، كان التلفزيون الروسي يضع على يمين كل قتيل بندقية، ويضع على يساره القرآن الكريم، ثم يبدأ التصوير، وذلك لكي يرسل رسالة مفادُها أن النظام الروسي يحارب مسلحين أولاً، ويحارب متطرّفين إسلاميين ثانياً، وبذلك نحصل على الجملة السحرية التي تبرّر كل هذه المجازر وهي: (عصابات إرهابية مسلحة)، وذلك في خلط غير أخلاقي وغير مسؤول بين الإسلام والإرهاب، أو بين التطرّف الديني والإرهاب، والغريب أن هذا الخلط تدعمه معظم الدول في العالم بما فيها الدول المسلمة.

روسيا الاتحادية .. تنظر إلى الربيع العربي وكأنه كابوس تخشى أن يصبح واقعاً، أي تخشى أن يمتدّ إليها، فنظامها يظنّ – كما ظنّ سابقوه- بأنّ القمع ومصادرة الحريات العامة وتزوير الانتخابات هي الوسائل الكفيلة لضمان الحكم الأبدي للرئيس الفعلي (بوتين)، لكنّ الربيع العربي كشف غير ذلك. ثم إن السيد (بوتين) يخشى في حال إسقاط نظامه أن يتمّ فتح ملف جرائم الحرب في الشيشان. وما يؤكد هذه الفرضية هو أن الإعلام والصحافة الروسيين يخضعان لرقابة شديدة من قبل النظام الروسي، خاصةً فيما يتعلّق بنقل أخبار الربيع العربي، فلا يجوز تقديم هذا الربيع على أساس أنه ثورات شعبية، بل على أساس أنه فوضى وتطرّف ديني وعمالة للغرب. في الوطن العربي .. يوجد الآلاف ممن تربّوا على حبّ روسيا بحكم اعتناقهم الشيوعية في القرن الماضي، والمشكلة أنّ التغيّرات والتطوّرات التي حدثتْ في العقود الأخيرة لم تقنعهم، وبالتالي لم يعترفوا بما هو جديد، فمازالوا مؤمنين بأن كلَّ ما يصدر من روسيا وحلفائها هو الخيرُ المطلق، وكل ما يصدر من أمريكا وحلفائها هو الشرُّ المطلق، دون أن يدركوا بشيء من البداهة أن الخير هو ما يحقّق مصلحتك ومصلحة شعبك بغضّ النظر عن مصدره، والغريب أن روسيا أصبحتْ اليوم دولةً رأسمالية بامتياز، فما سرُّ هذا الحبّ الأبدي من الشيوعيين العرب لها؟ فروسيا الشيوعية نصيرةُ الفقراء لم يعد لها وجود سوى في خيالهم.

عندنا في الوطن العربي أيضاً، عدد من المفكّرين يعتنقون المواقف الروسية وكأنها تنزيل من السماء، ويدافعون عنها، ويصدّقون ما أوهموا أنفسهم به، وهو أنهم يحاربون الهيمنة الأمريكية على العالم، دون أن ينتبهوا إلى أنهم باستسلامهم الأعمى لروسيا وبهجومهم الأعمى على أمريكا يزيدون من قباحة الوجه الروسي من جهة، ويدفعون الناس للإرتماء في حضن أمريكا من جهة أخرى، أمريكا التي لا تختلف عن روسيا من حيث المصالح والمطامع والانتهازية، لكنها تختلف بأنها تغطي هذه الانتهازية بقناع من الدبلوماسية، أما الدبّ الروسي فهو لا يجيد ارتداء هذا القناع، فيخرج إلينا بوجهه الانتهازي القبيح، ويصرّح بأنه تاجر سلاح، ولا شيء يهمه سوى تجارة السلاح، وهو مستعدٌ لإشعال النيران في أي منطقة يستطيع أن يبيع إليها قطعة سلاح، دون أن يهتزّ جفنٌ لهذا الدبّ وهو يعلم أن سلاحه يستخدم في قتل البشر.

‘ كاتب سوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...