الرئيسية / صفحات سورية / الدم وراء الكواليس

الدم وراء الكواليس

 


علي كنعان

تأخذ الدبلوماسية السرية دورها الجوهري الفعال بين معظم الدول، لكنها في سوريا تشكل حالة باطنية وجدانية ترقى إلى مستوى المقدسات الخفية التي لا ينبغي لأحد أن يطلع على إجراءاتها وأوراقها الوثائقية، ولو بعد نصف قرن، خلافا لجميع القواعد والأعراف والقوانين المعروفة في العالم.

إن تصريح (سندريللا كلينتون) وزيرة الخارجية الأميركية عن الإصلاحات الجارية في سوريا يجعل كل واحد منا يقف مرتعدا ذاهلا وكأنها صبت على رأسه سطلا من الجليد. إذا كان ما تقوله صحيحا، فلماذا لم يسمع الشعب السوري بهذه النعمة المباركة حتى الآن؟ أم أنهم يعتبرونه كالقطيع لا يستحق أن يعلم بما يريده الراعي ولا عصابة المسلخ المحتشدين في البازار؟!

لكننا ندرك جيدا أن البيت الأبيض وزعامته، سواء الحديثة أو المعتقة، لا يشغلها ولا يهمها إلا مصلحة إسرائيل وسلامتها. وهذا يعني أن طبيعة الإصلاحات التي أشارت إليها السيدة مرتبطة بالعدو الصهيوني، أولا وأخيرا، ولا علاقة للشعب السوري بها من قريب أو بعيد. وليس هذا دليلا جديدا أو مفاجئا لمعرفة كيف يتعامل النظام مع شعبه، إنما هو دليل يؤكد على مدى استغفال واحتقار النظام لشعبه، هذا الشعب الذي لا يستحق أن نتوجه إليه بأي كلمة مواساة أو عزاء.. ولا أية إشارة توحي بالطمأنينة والرجاء. إنما المهم والأهم أن نمرر أوراقنا المنقوعة بالدم من تحت الطاولة لتصل إلى واشنطن وما يحيط بها من جماعات ضغط صهيونية.

لا أتصور أن التطرف الديني في سوريا مقبولا أو محتملا بأي شكل، لا فكرا ولا منهجا ولا ممارسة. ولكن من يتأمل منطق النظام العائلي ومقولاته المكرورة لا بد أن يصاب بالذهول. إذا كانت الإمارات الإسلامية منتشرة فعلا في سوريا إلى هذا الحد الذي أعلنت عنه موجة الادعاءات والأكاذيب، فهذا يعني أن هؤلاء المسلمين المتطرفين أحق باستلام مقاليد الحكم من تلك المخلوقات الأسطورية التي تحمل البطاقة البعثية وأصحابها يتربعون على كراسي السلطة بكل هذه الغطرسة الدموية والاستهتار الفظيع بحياة المواطنين وسلامتهم. لكن من يتابع فضائية النظام هناك، بالهتاف والصورة، لا يرى أن الحالة بلغت درجة هذا البالون المنفوخ وهو ينفجر كل يوم مرات في وجوه رافعيه والملوحين به أمام العالم. ومن يتأمل أحوال بلادنا من بعيد يشعر بمرارة جهنمية خانقة حتى كأن سوريا طارت من شرق المتوسط وحطت على كتف المحيط الهادي لتكون كوريا شمالية ثانية، بكل غموضها وانغلاقها. لكن امتياز سوريا بموقعها الفريد جعلها محاطة بست دول، في أقل تقدير، إذا اعتبرنا أن ساحل المتوسط يطل على دولة واحدة هي قبرص، بعيدا عن اليونان وإيطاليا من جانب.. ومصر من الجانب الآخر. وهذا يعني أن بلادنا منفتحة على العالم وآفاقه، مشرعة على جهات الدنيا كلها، ولن تستطيع قوى الاستبداد الوحشي الضاري والطغيان الدموي أن تطمس هذه الحقيقة أو تلغي تأثيراتها الرحيبة الوضاءة.

ومع استمرار الحالة الظلامية الراهنة، من يقوى على نسيان مآسي الأطفال والنساء المشردين في البراري؟ وكيف نمحو من الذاكرة المثقلة بالفجيعة مناظر الجثث والأجساد المتناثرة في الشوارع والحفر؟ إنها الصورة الليبية تتكرر بشكل أفظع وأشد وحشية وتمثيلا وإصرارا على اقتراف الجريمة بسعار إجرامي محترف، حتى كأننا أمام مشهد سينمائي مجلوب من جهنم أخرى، بعيدا عن أرض البشر. وكم أتمنى أن أنهض في الصباح لأكتشف أن كل ما رأيته طوال هذه الأسابيع العشرة كان كابوسا ليليا فظيعا.. وأن سوريا فعلا غير ليبيا وغير اليمن والصومال!

ونعود لنتأمل الشاشة فنرى قلة نادرة من المعلقين السوريين يتحدثون على فضائيتها، لقد عجزت السلطة الإمبراطورية الطاغية عن استدراج مؤيديها وأزلامها للحديث، لذلك استعانت بالأخوة اللبنانيين لأنهم أشطر وأجرتهم أسخى، ولعل هذا يذكرنا بصور أطرف من أوائل القرن.. يوم مات حافظ الأسد ولم يجد الإعلام المرئي سوريا واحدا يتحدث في المناسبة، عندئذ راحوا يستضيفون عشرات الأخوة اللبنانيين لتعداد المناقب وتدبيج المدائح. ومن السخرية الفاجعة أننا لا نرى مسؤولا سوريا واحدا يظهر ليواجه عشرات الأسئلة ويتحدث بالجواب الوطني الشافي.

إن الهتاف الشعبي المدوي بإسقاط النظام لا سبيل إلى إخراسه، ما دام ممهورا بدم الشهداء، وهو النشيد اليومي في العديد من القنوات، سواء كانت صادقة مع هذا الشعب أو مسيرة بدوافع مريبة. والنصيحة الدبلوماسية المهذبة التي أدلى بها الرئيس الأميركي أوباما وراحت تتردد على كثير من الألسنة: ‘بادر إلى عملية الإصلاح أو ارحل’، هذا الخيار يطرح على شباب سوريا وقادة المعارضة الوطنية أكثر من سؤال جارح: أين هو الحوار الذي يسبق عملية الإصلاح؟ وكيف يجري مع أفواج الشهداء؟ وهل الحوار ممكن بعد كل هذه المجازر؟ وهل جماهير الشعب صارت قطعانا من الأغنام حتى يتناسوا شهداء الانتفاضة ويزحفوا أذلاء خانعين إلى مسرح الوليمة ليواجهوا عصابة الذئاب وقد مسحت آثار الدماء عن أشداقها وجلست لترفع أنخاب العتاب والمؤانسة والتفاهم؟!

إن النهج البوليسي الغاشم ما زال هو السائد والمهيمن والمستمر في ساحات المدن وأحيائها المكلومة. ومن يفكرون بالحوار أو يطرحونه بشيء من التفاؤل والأمل الضنين تجاوزتهم الأحداث وإجراءات البطش الدموي الجاري في عشرات المدن والبلدات والقرى. إن المراقب من بعيد يصاب بصدمة صاعقة وهو يشاهد هذه المجازر اليومية، بينما يتعامى قادة النظام عنها ويواصلون اقتراف الجريمة وكأنهم في سباق أو مباراة من يقتل أكثر!

لقد أضاع النظام بالتزام نهج القمع والاستبداد فرصة تاريخية نادرة، لا يمكن أن تتكرر أو تستعاد، يوم قضي على ربيع دمشق، وراح يبطش برموز لجان المجتمع المدني، ويودع في سجونه ومعتقلاته قادة إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي ليقضوا هناك سنوات بلا أي مبرر قانوني أو حد أدنى من العدل الإنساني أو الإنصاف الشرعي والتسامي الخلقي. وحين كنا نكتب من سنوات في ‘القدس العربي’ مشيرين إلى أن استمرار العسف هو الذي سيؤدي إلى انفجار الأوضاع، وتهيئة الجو للتدخل الأجنبي، كانت التهمة جاهزة بأننا حاقدون موتورون وعملاء مأجورون. وكان واضحا أن السلطة الغاشمة تريد أن تزداد الأزمة تعقيدا وبلبلة واستفحالا حتى تؤدي للانفجار وتدفع القوى المعادية للتدخل. إن النظام العاجز عن مواجهة أزماته الخانقة: من تجاهل الجولان المحتل طوال هذه السنين حتى فشل التنمية وبناء الحد الأدنى من الحريات الديمقراطية وسيادة القانون.. هذا النظام لم يكن أمامه إلا تصدير هذه الأزمات: مرة إلى لبنان، مرة أخرى إلى حفر الباطن، وثالثة إلى تركيا عبر أوجلان، ونترك العراق جانبا لأن قصته ملتبسة ما بين واشنطن والرياض وطهران.

واليوم لم يبق إلا الجبهة الداخلية حتى كأن الشعب هو العدو الوحيد والأخطر لنظام الاستبداد والنهب والفساد والإفساد.

وفي غياب المناخ الصحي الحر المناسب لأي حوار وطني، ماذا تبقى؟ إن فاقد الشيء لا يعطيه. ومن يحظر الحوار وحتى إمكانية السؤال على أعضاء حزبه في أضيق الاجتماعات، كيف يسمح بالحوار مع الآخر أو الاعتراف به؟ وهل يشعر بوجوده أساسا حتى يقبل بسماع صوته؟ وخاصة أن الحاكم لا يسمع غير صوته الستاليني ذاته؟ الشعب السوري يتعامل مع مجمع شبه أسطوري من الآلهة، أعتى من الآلهة الوثنية، وليس في الأفق المنظور إلا سفك المزيد من الدم الوطني البريء.. أو سقوط النظام. ويبدو أن الشعار الشعبي الهادر في الشوارع: ‘الموت.. ولا المذلة!’ هو الخيار الوحيد الباقي حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

‘ كاتب من سورية

القدس العربي

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...